ذلك أن (عمرو بن هند) خرج يوما يتصيد ومعه (عبد عمرو) . فأمعن في الطلب، فانقطع بنفر من أصحابه حتى أصاب حمارا وحشيا فعقره. فقال لعبد عمرو: إنزل إليه. فنزل فأعياه، فضحك (عمرو بن هند) . ثم قال لأصحابه: إجمعوا حطبا وأوقدوا. فأوقدوا نارا وشوى. فبينما (عمرو بن هند) يأكل من شوائه و(عبد عمرو) يقدم إليه. إذ نظر إلى قميصه متخرقا فأبصر كشحه (وكان من أحسن أهل زمانه جسما)، فقال له: "لقد أبصر (طرفة) حسن كشحك حين قال: ولا عيب فيه، غير أن له غنى،_وأن له كشحا - إذا قام - أهضما فغضب (عبد عمرو) من ذلك وأنف. وقال له: "أبيت اللعن، لقد قال فيك ما هو شر من ذلك وأقبح" قال: "أو قد بلغ من أمره هذا" قال: "نعم". قال: "فما قال؟ ". فندم (عبد عمرو) على ما كان منه، وأبى أن يسمعه. فقال (عمرو بن هند): "اسمعنيه وطرفة آمن". فأسمعه القصيدة التي هجاه بها (طرفة) . وهي:
أمن ليلي بناظرة خدور؟ يؤم بهن خبت أو ضفير
فكيف صبوت؟، أو ترجو مهاة منعمة، تزار ولا تزور
جلت بردا فهش له فؤادي، فكدت إليه من شوق أطير
فدعها وانحل النعمان قولا كنحت الفأس، ينجد أو يغور
فليت لنا مكان الملك عمرو رغوثا حول قبتنا تدور
من الزمرات أسبل قادماها، وضرتها مركنة درور
لعمرك إن قابوس بن هند ليخلط ملكه نوك كثير
قسمت الدهر في زمن رخي كذاك الحكم: يقصد أو يجور
لنا يوم وللكروان يوم، تطير البائسات، وما نطير
فأما يومهن فيوم سوء، تطاردهن بالحدب الصقور
وأما يومنا فنظل ركبا، وقوفا، ما نحل وما نسير
أراني كلما عاديت قوما أتيح لهم من الأدنى نكير
[ ٢٤ ]
وهل يخشى وعيد الناس إلا كبير السن أو ضرع صغير
ومثلي فاعلمي يا أم عمرو،
إذا ما اعتاده السفه النعور
يطير على مذكرة تسور، ومفرجة لها نسع وكور
فلما أن أنخت على مليك، مساكنه الخورنق والسدير
لينجزني مواعد كاذبات بطي صحيفة فيها غرور
فأوعدني، وأخلف ثم ظني، وبئس خليقة الملك الفجور
وكان السبب في القصيدة على ما حكى (المفضل بن سلمة) أن عمرو بن المنذر (هو عمرو بن الهند نفسه) كان يرشح أخاه (قابوس بن المنذر) ليملك بعده. فقدم عليه (المتلمس) و(طرفة) فجعلهما في صحابة (قابوس) وأمرهما بلزومه. وكان (قابوس) شابا يعجبه اللهو. وكان يركب يوما في الصيد، فيركض يتصيد، وهما معه يركضان، حتى يرجعا عشية وقد تعبا. فيكون (قابوس) من الغد في الشراب فيقفان بباب سرادقه إلى العشي. فكان (قابوس) يوما على الشراب، فوقفا ببابه النهار كله ولم يصلا إليه. فضجر (طرفة)، فقال هذه القصيدة.
وقال (يعقوب بن السكيت) و(الأعلم الشنتمري) في شرحهما لديوان طرفة: "أن عمرو بن هند المذكور كان شريرا. وكان له يوم بؤس ويوم نعمة. فيوم يركب في صيده يقتل من يلقى. ويوم يقف الناس ببابه فإن اشتهى حديث رجل أذن له. فكان هذا دهره كله. فهجاه طرفة".
والقصيدة المذكورة هي هجاء لعمرو وأخيه قابوس.
قالوا: فلما سمع القصيدة (عمرو بن هند) سكت على ما وقر في نفسه، وكره أن يعجل عليه لمكان قومه، فأضرب عنه. وبلغ ذلك (طرفة) فخاف على نفسه. غير أنه قد أمن لما علم أنه رضي عنه وغفر له جريرته.
وكان (عمرو بن هند) بطاشا جبارا. وكان لا يبتسم ولا يضحك. وقد ملك ثلاثا وخمسين سنة. وكانت العرب تهابه هيبة شديدة. وفيه يقول (الدهاب العجلي):
أبى القلب أن يهوى السدير وأهله، وإن قيل: عيش بالسدير غرير
لقد أنذروا الحي الذي نزلوا به، وإني لمن لن يأته لنذير
به البق، والحمى، وأسد خفية، وعمرو بن هند يعتدي ويجور
وسيأتي ذكر قتل (عمرو بن هند) وموته عند الكلام على ترجمة (عمرو بن كلثوم) .