كان قومه يقيمون في (المشقر) من أرض (اليمامة) . ويقال: بل كانوا ينزلون في حصن (بالبحرين) ثم أجلوا عنه إلى (حضرموت) . وقد أقاموا هناك دهرا يتولون أعمال الدولة على عهد (التبابعة) الحميريين. وقد ضاع أكثر أخبارهم. وأقدم من عرفت أخباره (حجر آكل المرار) جد (امرئ القيس) صاحب المعلقة. وقد نزح (حجر) هذا إلى (نجد) ونزل (بطن عاقل) في أوائل القرن الخامس لميلاد المسيح ﵇.
[ ١٤ ]
وذلك أنه لما تسافهت (بكر بن وائل) وغلبها سفهاؤها، وتقاطعت أرحامها، ارتأى رؤساؤهم، فقالوا: "إن سفهاءنا قد غلبوا على أمرنا، فأكل القوي الضعيف، ولا نستطيع تغيير ذلك. فنرى أن نملك علينا ملكا نعطيه الشاة والبعير. فيأخذ للضعيف من القوي، ويرد على المظلوم من الظالم. ولا يمكن أن يكون من بعض قبائلنا فيأباه الآخر، فتفسد ذات بيننا. ولكنا نأتي (تبعا) فنملكه علينا". فأتوه فذكروا له أمرهم. فملك عليهم (حجرا آكل المرار الكندي) . فقدم، فنزل (بطن عاقل) . ثم غزا ببني (بكر بن وائل) ملوك (الحيرة) اللخميين وهم المناذرة ملوك العرب وواحدهم (المنذر) وكانوا قد ملكوا كثيرا من تلك البلاد، سيما بلاد (بكر بن وائل) حتى انتزع عامة ما في أيدي هؤلاء الملوك وردهم إلى أقاصي أعمالهم. قيل: وغزا بهم أيضا ملوك (الشام) وهم (الغسانيون) .
ولما ملك (حجر) سدد أمورهم وساسهم أحسن سياسة حتى مات في أواسط القرن الخامس الميلادي.
ولما مات خلفه ابنه (عمرو بن حجر) وهو (المقصور) . وسمي (المقصور) لأنه اقتصر على ملك أبيه، أي أقعد فيه كرها.
فلما مات خلفه ابنه "الحارث بن عمرو" فكان شديد الملك، بعيد الصيت. وفي أيامه فتح الأحباش "اليمن"، فضعف أمر دولته. فوجه عزيمته نحو "اللخميين" لينتزع الملك منهم. وكان يحسدهم لمنزلتهم عند الأكاسرة. وكان "كسرى قباذ" على "المنذر بن ماء السماء" اللخمي ملك العرب، فاغتنم "الحارث" تغير "كسرى" عليه، وأخذ يسعى بالتقرب منه.