قالوا: وكان (امرئ القيس) كثير التشبيب بالنساء والتغزل بهن. وكان أبوه (حجر) يسوءه ذلك منه. فلما كان يوم (دارة جلجل) واجتمع بفاطمة، وكان له معها ما كان مما قصه في معلقته، وأنشد فيها قصيدته هذه، غضب أبوه عليه وأرسله مع مولى له. فقال له: خذ "امرأ القيس" واذبحه وائتني بعينيه". فأخذ الغلام وانطلق به. فلما صارا في الصحراء خاف الغلام: إن هو أنفذ أمر أبيه عاودته الشفقة عليه بعد حين فيقتله به. فأطلقه وأخذ جؤذرا وامتلخ عينيه وأتى بهما (حجرا) أباه. فحين رآهما ندم على ما كان منه. فقال الغلام "أبيت اللعن، إني لم أقتله". قال: "فائتني به" فانطلق، فإذا هو قد قال شعرًا في رأس جبل، وهو:
فلا تتركني يا ربيع لهذه، وكنت أراني قبلها بك واثقا
فرده إلى أبيه. فنهاه عن قول الشعر. فمكث زمنًا لا يقوله. ثم إنه قال قصيدته التي مطلعها:
ألا عم صباحا أيها الطلل البالي وهل يعمن من كان في العصر الخالي
ومنها:
لقد زعمت بسباسة اليوم أنني كبرت، وإن لا يحسن اللهو أمثالي
ويا رب يوم قد لهوت وليلة بآنسة كأنها خط تمثال
تنورتها من أذرعات، واهلها بيثرب، أدنى دارها نظر عال
نظرت إليها والنجوم كأنها
مصابيح رهبان
تشب لقفال
سموت إليها بعد ما نام أهلها سمو جباب الماء، حالا على حال
فقالت سباك الله، إنك فاضحي: ألست ترى السمار والناس أحوالي
فقلت: يمين الله أبرح قاعدا ولو قطعوا رأسي لديك وأوصالي
حلفت لها بالله حلفة فاجر لناموا فما إن من حديث ولا صالي
فأصبحت معشوقا، وأصبح بعلها عليه القتام، سيء الظن والبال
[ ١٧ ]
يغط غطيط البكر شد خناقه
ليقتلني، والمرء ليس بقتال
أيقتلني، والمشرفي مضاجعي ومسنونه زرق كأنياب أغوال
وليس بذي رمح فيطعنني به، وليس بذي سيف، وليس بنبال
ومنها:
كأن قلوب الطير رطبا ويابسا
لدى وكرها
العناب والحشف البالي
فلو أن ما أسعى لأدنى معيشة كفاني
ولم أطلب
قليل من المال
ولكنما أسعى لمجد مؤثل وقد يدرك المجد المؤثل أمثالي
وما المرء مادامت حشاشة نفسه
بمدرك أطراف الخطوب ولا آلي
فبلغ ذلك أباه فطرده. فما زال هائما على وجهه حتى بلغه مقتل أبيه وهو بدمون. كما قدمنا.
ومما قاله بعد ما بلغه قتل أبيه:
تالله لا يذهب شيخي باطلا، حتى أبيد عامرا وكاهلا
(القاتلين الملك الحلاحلا) خير معد حسبا ونائلا
نحن جلبنا القرح القوافلا، يحملننا والأسل النواهلا
وحي صعب، والوشيح الذابلا يالهف نفسي إذ خطئن كاهلا