توفي سنة (٥٥٠) أو (٥٥٢) م. وسنة (٧٠) قبل الهجرة هو (طرفة بن العبد بن سفيان البكري) من (بكر بن وائل) . وينتهي نسبه إلى (عدنان) . هو ابن أخت (جرير بن عبد المسيح) المعروف بالمتلمس. و(طرفة) لقب غلب عليه، واسمه (عمرو) . والطرفة في اللغة واحدة الطرفاء وهي الشجر المعروف.
ولم يعش إلا ستا وعشرين سنة. وقيل: "بل عشرين". وبلغ مع ذلك ما لم يبلغه القوم في طول أعمارهم.
وكان هجاء جريئا على قومه وغيرهم. وكان في حسب من عشيرته. وهذا هو الذي جرأه على هجائهم.
[ ٢٣ ]
وله المثل: "استنوق الجمل". قيل: قاله لما وفد مع خاله (المتلمس) على (عمرو بن هند) ملك الحيرة، وكان الشعراء يأتونه وينشدونه الشعر. فلما دخلا عليه كان (المسيب بن علس) ينشد شعرا في وصف جمل فوسمه بسمة من سمات النوق. ويقال: أن المنشد كان (المتلمس)، أنشد في مجلس لبني (قيس بن ثعلبة) وكان طرفة يلعب مع الصبيان ويتسمع، فدعاه المتلمس وقال: أخرج لسانك، فأخرجه، فقال: "ويل لهذا من هذا".
وهذا المثل يضرب للرجل الواهن الرأي المخلط في كلامه.
ولما شب (طرفة) أعجب (عمرو بن هند) بشعره فنادمه مع المتلمس. وبقي عنده زمانا. وكان طرفة غلاما معجبا. فكان يوما يشرب بين يدي الملك (عمرو)، فجعل يتخلج في مشيته، فنظر إليه (عمرو بن هند) نظرة كادت تقتلعه من مجلسه، فقال (المتلمس) له حين قاما: "إني أخاف من نظرته إليك". فقال طرفة: "كلا". وكان (عمرو) ذا هيبة شديدة، لا يضحك، ولا يبتسم. فأسر السوء لطرفة على إعجابه به. وقيل بل غضب لن أخته أشرفت وهم في مجلس الشراب، فرآها طرفة، فقال فيها شعرا، فحقد عليه، فعزم على قتله وعلى قتل (المتلمس) أيضا خوف هجائه، لكنه خاف أن تجتمع عليه (بكر بن وائل) إن قتلهما ظاهرا. فعزم أن يكيد لهما مكيدة.
وكانت أخت (طرفة) تحت (عبد عمرو بن بشر بن مرثد) . وكان (عبد عمرو) هذا سيد أهل زمانه، مقدما عند (عمرو بن هند) ملك الحيرة. فشكت أخت (طرفة) إليه يوما شيئا من أمر زوجها. فقال بهجوه:
لقد علم الأقوام أنا بنجوة، علت شرفا من أن تضام وتشتما
لنا هضبة لا يدخل الذل وسطها، ويأوي إليها المستجير فيعصما
وأرعن مثل الليل مجر يقوده أريب، إذا ما ساور الأمر أبرما
شديد القوى ضخم الدسيعة مقول، أبي، إذا ما هم بالأمر ألحما
فأي خميس لا أبانا
نهابه؟،
وأسيافنا يقطرن من كبشه دما
أبي أنزل الجبار عامل رمحه، وعمي الذي أردى الرئيس المعمما
فواعجبا من عبد عمرو وبغيه!، لقد رام ظلمي عبد عمرو، فأنعما
ولا عيب فيه غير أن له غنى، وأن له كشحا
إذا قام
أهضما،
وأن نساء الحي يعكفن حوله، يقلن عسيب من سرارة ملهما
فبلغ الشعر (عمرو بن هند) الملك. وكان (طرفة) قد هجاه قبل ذلك إلا أنه لم يبلغه هجوه، لأنه لم يكن أحد يجسر أن يرفع إليه ذلك.