توفي سنة (٦٠٠) م (٥٢) قبل الهجرة هو (عمرو بن كلثوم بن مالك بن عتاب بن زهير التغلبي) من (تغلب بن وائل) ونتهي نسبة على (معد بن عدنان) . وأمه هي (ليلى) بنت (مهلهل) الذي هو أخو (كليب) المشهور.
وقد ساد (عمرو بن كلثوم) قومه وهو ابن خمسة عشر عاما. ومات وله من العمر مئة وخمسون سنة (١٥٠) .
وكان فارسا أبيا جريئا، حتى بلغ من أمره أن فتك بالطاغية (عمرو بن هند) في بلاط سلطانة. كما سيأتي تفصيل ذلك.
وكان له أخ يقال له (مرة بن كلثوم) وهو الذي قتل المنذر بن النعمان. وأخاه. وإياهما عني (الأخطل) بقوله:
أبني كليب، إن عمي اللذا قتلا الملوك، وفككا الأغلال
وقال (الفرزدق) يرد على (جرير) في هجائه (الأخطل):
ماضر تغلب وائل؟ أهجوتها؟، أم بلت حيث تناطح البحران؟
قوم هم قتلوا ابن هند عنوة عمرا، وهم قسطوا على النعمان
وكان له ابن يقال له (عباد) وهو قاتل (بشر بن عمرو بن عدس) وكان (عمرو بن كلثوم) شجاعا مظفرا مقداما فتاكا. وبه يضرب المثل في الفتك، فيقال: أفتك من (عمرو بن كلثوم)، لفتكه بعمرو بن هند.
وكان من حديث (عمرو بن كلثوم) أنه أغار على (بني تميم) . ثم مر من غزوه ذلك على حي من (بني قيس بن ثعلبة)، فملأ يديه منهم، وأصاب أسارى وسبايا. وكان فيمن أصاب (أحمد بن جندل السعدي) . ثم انتهى إلى بني (حنيفة) باليمامة وفيهم أناس من (عجل) . فسمع به أهل (حجر) فكان أول من أتاه من بني حنيفة (بنو سحيم) عليهم (يزيد بن عمرو بن شمر) . فلما رآهم (عمرو بن كلثوم) ارتجز فقال:
من عاذ مني بعدها فلا اجتبر، ولا سقى الماء ولا أرعى الشجر
بنو لجيم وجعاسيس مضر بجانب الدو، يديهون العكر
فانتهى إليه (يزيد بن عمرو) فطعنه فصرعه عن فرسه وأسره.
وكان (يزيد) شديدا جسيما فشده في القد، وقال له: أنت الذي تقول؟:
متى تعقد قرينتنا بحبل تجذ الحبل أو تقص القرينا
أما إن سأقرنك إلى ناقتي هذه فأطردكما جميعا. فنادى (عمرو بن كلثوم): "يا لربيعة، أمثلة؟ ". فاجتمعت فنهوه (ولم يكن يريد ذلك به) فسار به حتى أتى قصرا في (حجر) من قصورهم. وضرب عليه قبة ونحر له وكساه وحمله على نجيبه وسقاه الخمر فلما أخذت الخمر برأسه تغنى فقال:
أأجمع صحبتي السحر ارتحالا، ولم أشعر ببين منك هالا
[ ٤٠ ]
ولم أر مثل هالة في معد أشبه حسنها إلا الهلالا
ألا أبلغ بني جشم بن بكر وتغلب (كلما أتيا حلالا)
بأن الماجد القرم بن عمرو غداة نطاع قد صدق القتالا
كتيبته ململمة رداح، إذا يرمونها تفني النبالا
جزى الله الأغر يزيد خيرا، ولقاه المسرة والجمالا
قيل: إن أمه (ليلى) لما حملت به قالت: أتاني آت في المنام فقال:
يا لك ليلى من ولد، يقدم إقدام الأسد
من جشم، فيه العدد أقول قولا لا فند
فولدت غلاما وسمته (عمرا) . فلما أتت عليه سنة قالت: "أتاني ذلك الآتي في الليل فأشار إلى الصبي" وقال:
إني زعيم لك، أم عمرو، بماجد الجد كريم النجر
أشجع من ذي لبدة هزبر، وقاص آداب، شديد الأسر
يسودهم في خمسة وعشر
فكان كما قال، ساد وهو ابن خمسة عشر عاما.
قتله (عمرو بن هند) الملك: كانت (بنو تغلب بن وائل) قوم (عمرو بن كلثوم) من أشد الناس في الجاهلية. ولو أبطأ الإسلام قليلا لأكلت (بنو تغلب الناس) .
وقد قال (عمرو بن هند) الملك ذات يوم لندمائه: "هل تعلمون أحدا من العرب تأنف أمه من خدمة أمي". قالوا: "نعم، أم عمرو بن كلثوم" قال: "ولم؟ ". قالوا: "لأن أباها (مهلهل بن ربيعة) وعمها (كليب بن وائل) أعز العرب، وبعلها (كلثوم بن مالك) أفرس العرب، وابنها (عمرو) وهو سيد قومه". فأرسل (عمرو بن هند) إلى (عمرو بن كلثوم) يستزيره، ويسأله أن يزير أمه أمه. فأقبل (عمرو) من (الجزيرة) إلى (الحيرة) في جماعة من (بني تغلب) . وأقبلت (ليلى بنت المهلهل) في ظعن من (بني تغلب) .
فأمر (عمرو بن هند) برواقه فضرب فيما بين (الحيرة) و(الفرات) وأرسل إلى جوه أهل مملكته فحضروا، فدخل (عمرو بن كلثوم) على (عمرو بن هند) في رواقه. ودخلت (ليلى أم عمرو بن كلثوم) و(هندام عمرو بن هند) في قبة من جانب الرواق.
وقد كان (عمرو بن هند) قد أمر أمه أن تنحي الخدم إذا دعا بالطرف وتستخدم (ليلى) . فدعا (عمرو بن هند) بمائدة، ثم دعا بالطرف. فقالت (هند) "ناوليني يا ليلى ذاك الطبق". فقالت ليلى: "لتقم صاحبة الحاجة إلى حاجتها". فأعادت إليها وألحت. فصاحت (ليلى): "وا ذلاه، يا لتغلب". فسمعها ولدها (عمرو) فثار الدم في وجهه. ونظر إليه (عمرو بن هند) فعرف الشر في وجهه. فوثب (عمرو بن كلثوم) إلى سيف (عمرو بن هند) معلق بالرواق - ليس هنالك سيفا غيره - فضرب به رأس (عمرو بن هند) . ونادى في (تغلب) . فانتبهوا ما في الرواق وساقوا نجائبه وساروا نحو الجزيرة. ففي ذلك يقول "عمرو بن كلثوم" في معلقته:
ألا لا يجهلن أحد علينا فنجهل فوق جهل الجاهلينا
بأي مشيئة عمرو بن هند
نكون لقيلكم فيها قطينا
تهددنا وتوعدنا؟ رويدا، متى كنا لأمك مقتوينا؟
فإن قناتنا يا عمرو
أعيت
على الأعداء قبلك أن تلينا
وفي ذلك يقول "أفنون بن صريم التغلبي" يفخر بفعل "عمرو بن كلثوم":
لعمرك ما عمرو بن هند وقد دعا
لتخدم أمي أمه
بموفق
فقام ابن كلثوم إلى السيف مصلتا، فأمسك من ندمانه بالمخنق
وجلله عمرو على الرأس ضربة بذي شطب، صافي الحديدة، رونق