فلما هلك "قباذ" وهو على تلك الحال من الزندقة، وملك بعده "أنو شروان"، وهو الملقب بالعادل، جلس في مجلس الملك. وبلغ المنذر هلاك "قباذ" فأقبل إلى "أنو شروان". وقد علم خلافه على أبيه فيما كانوا قد دخلوا فيه. فأذن "أنو شروان" للناس. وكان فيمن دخل عليه "مزدك" الزنديق صاحب أبيه. ثم دخل عليه "المنذر". فقال "أنو شروان": "إني كنت قد تمنيت أمنيتين أرجو أن يكون الله قد جمعهما لي". فقال "مزدك": "وما هما أيها الملك؟ "؟ قال "تمنيت أن أملك فأستعمل هذا الرجل الشريف "يعني المنذر"، وأن أقتل هؤلاء الزنادقة". فقال له "مزدك": "أو تستطيع أن تقتل الناس كلهم؟ ". قال: "إنك لههنا يا ابن الزانية؟ ". والله ما ذهب "نتن ريح جوربك من أنفي منذ قبلت رجلك إلى يومي هذا". وأمر به فقتل وصلب. وأمر بقتل الزنادقة، فقتل منهم ما بين "حاذر" إلى "النهروان" إلى "المدائن" في ضحوة واحدة مئة ألف زنديق، وصلبهم، وسمي يومئذ "أنو شروان".
[ ١٥ ]
ثم طلب أنو شروان الحارث بن عمرو "الذي تابع أباه على الزندقة حتى ولاه مكان المنذر" فبلغ "الحارث" ذلك وهو "بالأنبار" وكان بها منزله - فخرج هاربا في هجائنه وماله وولده. وتبعه "المنذر" بالخيل من "تغلب" و"بهراء" و"إياد". فلحق "الحارث" بأرض "كلب" فنجا. وانتبهوا ماله وهجائنه. وأخذت بنو تغلب ثمانية وأربعين نفسا من "حجر آكل المرار" جد "الحارث" المذكور. فقدم بهم على المنذر، فضرب رقابهم. وفيهم يقول "عمرو بن كلثوم":
فآبوا بالنهاب وبالسبايا، وأبنا بالملوك مصفدينا
قالوا: ومضى الحارث فأقام بأرض "كلب". فكلب يزعمون أنهم قتلوه. وعلماء "كندة" تزعم أنه خرج إلى الصيد فألظ بتيس من الظباء فأحجزه، فآلى ألية أن لا يأكل أولا إلا من كبده، فطلبته الخيل ثلاثا، فأتى به بعد ثالثة وقد هلك جوعا. فشوى له بطنه، فتناول فلذة من كبده فأكلها حارة فمات.