كانت دلائل النباهة والنجابة بادية على (لبيد) منذ حداثة سنه. يدلك على ذلك ما جرى له مع (الربيع بن زياد) عند (النعمان بن المنذر) .
وذلك كما قال (ابن الأعرابي): وفد (أبو براء ملاعب الأسنة) وهو (عامر بن مالك بن جعفر بن كلاب) وإخوته (طفيل) و(معاوية) و(عبيدة) ومعهم (لبيد بن ربيعة بن مالك بن جعفر) وهو غلام، على (النعمان بن المنذر) . فوجدوا عنده (الربيع بن زياد العبسي) . وكان (الربيع) ينادم (النعمان) مع رجل من تجار الشام يقال له (زرجون بن نوفل) .
فلما قدم الجعفريون "وهم لبيد وقومه" كانوا يحضرون (النعمان) لحاجتهم. فإذا خلا (الربيع) بالنعمان طعن فيهم وذكر معايبهم. ففعل ذلك بهم مرارا. وكانت (بنو جعفر) له أعداء فصده عنهم. فدخلوا عليه يوما فرأوا منه تغيرا أو جفاء "وكان يكرمهم قبل ذلك ويقرب مجلسهم" فخرجوا من عنده غضابا. و(لبيد) في رحالهم يحفظ أمتعتهم، ويغدو بإبلهم كل صباح فيرعاها. فإذا أمسى انصرف بإبلهم. فأتاهم ذات ليلة فألفاهم يتذاكرون أمر (الربيع) وما يلقون منه، فسألهم فكتموه، فقال لهم: "والله لا أحفظ لكم متاعا ولا أسرح لكم بعيرا أو تخبروني فيم أنتم "وكانت أم (لبيد) امرأة من بني عبس، وكانت يتيمة في حجر الربيع" فقالوا: "خالك قد غلبنا على الملك وصد عنا وجهه". فقال لهم (لبيد): "هل تقدرون على أن تجمعوا بيني وبينه فأزجره عنكم بقول ممض، ثم لا يلتفت إليه النعمان بعده أبدا؟ "، فقالوا: "هل عندك من ذلك شيء؟ ". قال: "نعم"، قالوا: "فإنا نبلوك بشتم هذه البقلة". (وكان قدامهم بقلة دقيقة القضبان قليلة الورق لاصقة بالأرض تدعى التربة) فقال:
[ ٣٥ ]
"هذه التربية التي لا تذكي نارا، ولا توهل دارا، ولا تسر جارا، عودها ضئيل، وفرعها كليل، وخيرها قليل. أقبح البقول مرعى، وأقصرها فرعا، وأشدها قلعا، فتعسا لها وجدعا. بلدها شاسع، وآكلها جائع، والمقيم عليها قانع. إلقوا بي أخا عبس، أرده عنكم بتعس ونكس، وأتركه من أمره في لبس" قالوا: "نصبح غدا ونرى فيك رأينا" فقال لهم عامر: انظروا إلى غلامكم هذا، "يعني لبدا" فإن رأيتموه نائما فليس من أمره شيء، إنما هو يتكلم بما جاء على لسانه، ويهذي بما يهجس به خاطره. وإذا رأيتموه ساهرا فهو صاحبه" فرمقوه فوجدوه وقد ركب رحلا فهو يكدم وسطه. حتى أصبح. فقالوا: "أنت صاحبه". فعمدوا إليه، فحلقوا رأسه وتركوا ذؤابته وألبسوه حلة. ثم غدوا به معهم على (النعمان) . فوجدوه يتغدى، ومعه (الربيع)، وهما يأكلان لا ثالث لهما. والدار والمجالس مملوءة من الوفود. فلما فرغ من الغداء أذن للجعفريين، فدخلوا عليه: "وكان أمرهم قد تقارب" فذكروا للنعمان الذي قدموا له من حاجتهم. فاعترض "الربيع بن زياد" في كلامهم. فقام "لبيد" يرتجز ويقول:
أكل يوم هامتى مقزعه؟ يا رب هيجا هي خير من دعه
يا واهب الخير الكثير من سعة، إليك جاوزنا بلادا مسبعه
نحن بنو أم البنين الأربعة، سيوف حق، وجفان مترعه
نحن خيار عامر بن صعصعة، والضاربون الهام تحت الخيضعه
والمطعمون الجفنة المدعدعه مهلا
أبيت اللعن
لا تأكل معه
ثم ذكر بعدها بيتين رأينا الأدب يجبهنا دون ذكرهما.
فلما سمع "النعمان" كلام "لبيد" رفع يده من الطعام، وقال "خبثت - والله - علي طعامي يا غلام. وما رأيت كاليوم". ثم التفت إلى "الربيع" شزرا فقال: "أكذا أنت؟ ". قال: لا والله، لقد كذب علي ابن الأحمق اللئيم".
ثم قضى "النعمان" حوائج "الجعفريين" من وقته وصرفهم. ومضى "الربيع" إلى منزله. فبعث إليه "النعمان" بضعف ما كان يحبوه به، وأمره بالانصراف إلى أهله. فكتب إليه "الربيع": إني تخوفت أن يكون قد وقر في صدرك ما قاله "لبيد"، ولست برائم حتى تبعث من يبحث عن الأمر، فيعلم من حضرك إني لست كما قال فأرسل إليه (النعمان): "إنك لست صانعا باتقائك مما قال "لبيد" شيئا، ولا قادرا على ما زلت به الألسن. فالحق بأهلك" فلحق بأهله. ثم أرسل إلى "النعمان" بأبيات شعر قالها. ومنها هذا البيت:
لئن رحلت جمالي إن لي سعة، ما مثلها سعة، عرضا ولا طولا
فكتب إليه (النعمان):
شرد برحلك عني حيث شئت، ولا تكثر علي، ودع عنك الأباطيلا
قد قيل ما قيل إن صدقا وإن كذبا
فما اعتذارك من قول إذا قيلا؟
فالحق بحيث رأيت الأرض واسعة، وانشر بها الطرف، إن عرضا وإن طولا