حدث (سيبويه) النحوي أن (الخليل بن أحمد) أخبره، قال: قدم على (امرئ القيس بن حجر) بعد مقتل أبيه رجال من قبائل (بني أسد) كهول وشبان. فيهم (المهاجر بن خداش) و(قبيصة بن نعيم) . فلما علم بمكانهم أمر بإنزالهم وتقدم بإكرامهم والإفضال عليهم. واحتجب عنهم ثلاثا. فسألوا من حضرهم من رجال (كندة) . فقال: "هو في شغل شاغل بإخراج ما في خزائن حجر من الحلقة والسلاح". فقالوا: اللهم غفرا. إنما جئنا في أمر نتناسى به ذكر ما سلف، ونستدرك به ما فرط. فليبلغ ذلك عنا. فخرج عليهم امرؤ القيس في قباء وعمامة سوداء (وكانت العرب لا تعتم بالسواد إلى في الترات فلما نظروا إليه قاموا له. وبدر إليه قبيصة (وقال): "إنك في المحل والقدر، والمعرفة بتصرف الدهر، وما تحدثه أيامه، وتنتقل به أحواله، بحيث لا تحتاج إلى تبصرة واعظ، ولا تذكرة مجرب. ولك من سؤدد منصبك، وشرف أعراقك، وكرم أصلك، محتد يحتمل ما حمل عليه من إقالة العثرة، ورجوع عن الهفوة. ولا تتجاوز الهمم إلى غاية إلا رجعت إليك، فوجدت عندك من فضيلة الرأي وبصيرة الفهم، وكرم الصفح، ما يطول رغباته، ويستغرق طلباتها. وقد كان ما كان من الخطب الجليل الذي عمت رزيته (نزارا) و(اليمن)، ولم تخصص بذلك (كندة) دوننا، للشرف البارع الذي كان لحجر: التاج والعمة فوق الجبين، وإخاء الحمد، وطيب الشيم. ولو كان يفدي هالك بالأنفس الباقية بعده لما بخلت كرائمنا على مثله ببذل ذلك، ولفديناه بمثله. ولكن مضى به سبيل لا يرجع أخراه على أولاه، ولا يلحق أقصاه أدناه. فأحمد الحالات في ذلك أن تعرف الواجب عليك في إحدى خلال ثلاث: إما أن اخترت من (بني أسد) أشرفها بيتا، وأعلاها في بناء المكرمات صوتا، فقدناه إليك بنسعه يذهب مع شفرات حسامك بباقي قصرته، فنقول: "رجل امتحن بهلك عزيز، فلم تستل سخيمته إلا بتمكينه من الانتقام. وإما فداء بما يروح من بني أسد من نعمها، فهي ألوف تجاوز الحسبة، فيكون ذلك فداء رجعت به القضب إلى أجفانها. وإما أن تواعدنا حتى تضع الحوامل، فنسدل الأزر، ونعقد الخمر فوق الرايات".
قال فبكى ساعة ثم قال: "لقد علمت العرب أن لا كفؤ لحجر في دم. وأني لن أعتاض به جملا أو ناقة، فأكتسب بذلك سبة الأبد، وفت العضد. وأما النظرة فقد أوجبتها الأجنة في بطون أمهاتها، ولن أكون لعطبها سببا. وستعرفون طلائع كندة من بعد ذلك، تحمل في القلوب حنقا، وفوق الأسنة علقا:
إذا جالت الخيل في مأزق تصافح فيه المنايا النفوسا
أتقيمون أم تنصرفون؟ " قالوا: "بل ننصرف بأسوأ الاختيار، وأبلى الاجترار: بمكروه وأذية، وجرب وبلية".
ثم نهضوا، و(قبيصة) يقول متمثلا:
لعلك أن تستوخم الورد إن عدت كتائبنا في مأزق الموت تمطر
فقال امرؤ القيس: "لا، والله لا أستوخمه، بل أستعذبه. فرويدا ينكشف لك دجاها عن فرسان (كندة) وكتائب (حمير) . ولقد كان ذكر غير هذا أولى بي، إذ كنت نازلا بربعي. ولكنك قلت فأجبت".
فقال (قبيصة): "إن ما نتوقع فوق قدر المعاتبة والإعتاب".
فقال امرؤ القيس: "هو ذاك".
ثم انصرفوا.
شيء عن حروبه ثائرا لأبيه:
[ ١٨ ]
ثم إن (امرأ القيس) ارتحل يستجيش القبائل. وطاف بين العرب يستنجدهم. حتى نزل (بكرا) و(تغلب) . فسألهم النصر على (بني أسد) قاتلي أبيه، فأجابوا. فبعث العيون على (بني أسد) . فعلموا بذلك. ولجأوا إلى (بني كنانة) ولما خافوا أن يدركهم فيهم ارتحلوا بليل. وكان الذي أنذرهم أن يرحلوا (علباء بن الحارث الكاهلي) .
ثم أقبل (امرؤ القيس) بمن معه من (بكر) و(تغلب) حتى انتهى إلى (بني كنانة) - وهو يحسبهم (بني أسد) - فوضع السلاح فيهم، وقال: "يا لثارات الملك، يا لثارات الهمام". فخرجت إليه عجوز من (بني كنانة) فقالت: "أبيت اللعن. لسنا لك بثأر. نحن من (بني كنانة) . فدونك ثأرك فاطلبهم، فإن القوم قد ساروا بالأمس". فتبع (بني أسد)، ففاتوه ليلتهم تلك. فقال في ذلك:
ألا يا لهف هند إثر قوم هم كانوا الشفاء، فلم يصابوا
وقاهم جدهم ببني أبيهم، وبالأشقين ما كان العقاب
وأفلتهن علباء جريضا، ولو أدركته صفر الوطاب
يعني ببني أبيهم (بني كنانة) لأن (أسدا) و(كنانة) ابني (خزيمة) أخوان.
هم لحقهم وقد تقطعت خيله وقطع أعناقهم العطش. و(بنو أسد) حامون على الماء. فنهد إليهم. فقاتلهم حتى كثرت القتلى والجرحى فيهم. وحجز الليل بينهم. وهرب (بنو أسد) . فلما أصبح من معه من (بكر) و(تغلب) أبوا أن يتبعوهم. وقالوا: "لقد أصبت ثأرك". قال: "والله ما فعلت ولا أصبت من (بني كاهل) ولا من غيرهم من (بني أسد) أحدا" قالوا: (بلى ولكنك رجل مشؤوم) . ثم انصرفوا عنه. ومضى هاربا لوجهه حتى لحق (بحمير) فاستنصر (ازدشنؤة) فأبوا أن ينصروه. فنزل بقيل يدعى (مرثد الخير بن ذي جدن الحميري) وكان بينهما قرابة، فاستنصره واستمده على (بني أسد) . فأمده بخمس مئة رجل من (حمير) . وتبعه شذاذ من العرب. واستأجر من قبائل العرب رجالا. فسار بهم إلى (بني أسد) . وظفر بهم.