وقد ذكروا في سبب تغير "كسرى قباذ" على "المنذر بن ماء السماء" أنه قد خرج في أيامه رجل يقال له "مزدك" فدعا الناس إلى الزندقة وإباحة الحرم وأن لا يمنع أحد أخاه ما يريده من ذلك. وكان "المنذر بن ماء السماء" يومئذ عاملا على "الحيرة" ونواحيها. فدعاه "قباذ" إلى الدخول معه في ذلك فأبى. فدعا "الحارث بن عمرو" فأجابه، فشدد له ملكه، واطرد المنذر عن مملكته، وغلب على ملكه. فعظم "الحارث" عند القبائل من "نزار" أتاه أشرافهم، فقالوا: "إنا نخاف أن نتفانى مما يحدث بيننا، فوجه معنا بنيك ينزلون فينا، فيكفون بعضنا عن بعض". ففرق ولده في قبائل العرب. وكان له خمسة أولاد. فملك ابنه "حجرا" أبا "امرئ القيس" صاحب المعلقة على بني "أسد" و"غطفان" وفرق أولاده الأربعة وهم "شرحبيل" قتيل "يوم الكلاب" و"معد يكرب" وهو "غلفي" "سمي بذلك لأنه كان يغلف رأسه" و"عبد الله" و"سلمة" على قبائل العرب يحكمون فيهم.
غير أن الحال لم تدم للحارث بن عمرو. بل قد قلب له الدهر ظهر المجن. فقد نكب ثم قتل.
وقد ذكروا في سبب نكبته أن أم "أنو شروان" كانت يوما بين يدي "كسرى قباذ" - وهي امرأته - فدخل عليه "مزدك" الزنديق السالف الذكر، فلما رأى أم "أنو شروان" قال لقباذ: "ادفعها إلي لأقضي حاجتي منها". فقال له: "دونكها" فوثب إليه "أنو شروان"، فلم يزل يسأله ويضرع إليه أن يهب له أمه، حتى قبل رجله. فتركها له. فكانت تلك في نفس "أنو شروان".