أما معلقته فهي أحسن شعره بلا ريب. وقد ذكروا أن سبب نظمها واقعته مع معشوقته بنت عمة (عنيزة) بنت (شرحبيل) . وكان قد منع من الاجتماع بها على عادة العرب من عدم تمكين العاشق من الاجتماع بمن يعشق وعدم تزويجه بها. وقد كان (امرؤ القيس) يتحين الفرص لملاقاتها. وقد اتفق أن لاحت له فرصة. وذلك أن الحي قد ظعنوا (وكان من عاداتهم إذا ظعنوا أن الرجال تمشي أول ثم النساء) فتخلف (امرؤ القيس) عن الرجال، وتربص يترقب النساء. فلما ظعن مشى خلفهن بحيث لا يشعرن به. وكان في الطريق غدير، وهو غدير (دارة جلجل) في منازل (كندة) بنجد. فسبقهن إليه. فلما وصلن إلى الغدير نزعن ثيابهن ونزلن إلى الماء - وكان فيهن عنيزة - فبرز (امرؤ القيس) من مكمنه، وجمع ثيابهن وجلس عليها. فلما شعرن بمكيدته تلطفن في المقال، وضرعن إليه أن يعطيهن الثياب، فآلى أن لا يعطي واحدة منهن ثوبها حتى تخرج إليه عارية فتأخذه. فخرجن إليه إلا (عنيزة) معشوقته. وأقسمت عليه أن يعدل عن شرطة، فأبى. وما زال بها حتى خرجت. فدفع إليها ثوبها فلبسته.
ثم اجتمع عليه النساء وأنبنه على فعلته الشنعاء. ثم عقر لهن ناقته وأطعمهن من لحمها حتى شبعن. وكان معه ركوة خمر فسقاهن.
ثم حمل أمتعته وكور ناقته على رواحلهن. وفي ذلك يقول في معلقته:
ألا رب يوم لك منهن صالح، ولا سيما يوم بدارة جلجل
[ ٢٢ ]
ويوم عقرت للعذارى مطيتي، فواعجبا من كورها المتحمل!
فظل العذارى يرتمين بلحمها وشحم كهداب الدمقس المفتل
ثم إنه طلب من (عنيزة) أن تحمله على راحلتها، فأبت. فضرع إليها وساعدته صواحبها، فجعل يدخل رأسه في الهودج ويغازلها ويقبلها. وفي ذلك يقول في معلقته:
ويوم دخلت الخدر: خدر عنيزة، فقالت: لك الويلات، إنك مرجلي
تقول وقد مال الغبيط بنا معا
:
عقرت بعيري يا امرأ القيس. فانزل
فقلت لها: سيري، وأرخي زمامه، ولا تحرميني من جناك المعلل