معلقته أحسن سعره بلا ريب، فقد أتى فيها بالمبدع من الوصف والحكمة والموعظة والعتاب، وفيها حدوج حبيبته بالسفن السابحة، ويصف ناقته وصفا جميلا دقيقا يوهم السامع أنه يصف حبيبته ثم لا يلبث أن يعدل عما توهم. وقد وصف كل عضو من أعضائها حتى ذيلها وقلبها، ثم انتقل إلى الحكمة والموعظة والعتاب.
وقد ذكروا في سبب نظمها أن أخاه (معبدا) كانت له إبل ضلت فذهب (طرفة) إلى ابن عمه (مالك) ورغب إليه أن يعينه في طلبها. فقال له: "فرطت فيها ثم أقبلت تتعب في طلبها". فهاجت قريحته لذلك وقال معلقته. وفيها يعاتبه على تعنيفه وعذله، ويأسف لأنه لا يقدر على أن يرد عليه ملامته وتعنيفه لمكانته عنده. وقد ندد فيها أيضا بأعمامه لأنهم كانوا قد ظلموا حقه، وأبوا قسمة ماله بعد وفاة أبيه وهو صغير.
ولما بلغت القصيدة ابن عمه (عمرو بن مرثد) وسمع قوله فيها:
[ ٢٧ ]
ولو شاء ربي كنت قيس بن خالد، ولو شاء ربي كنت عمرو بن مرثد
وجه إلى (طرفة) يقول له: "أما الولد فالله يعطيكم، وأما المال فسنجعلك فيه أسوتنا". ودعا ولده - وكانوا سبعة - فأمرهم فدفع كل منهم إلى (طرفة) عشرة من الإبل، ثم أمر ثلاثة من بني بنيه فدفعوا له مثل ذلك.