معلقة (زهير) أشعر شعره. وقد اجتمعت ما أشبه كلام الأنبياء، وحكمة الحكماء. ففيها الحكمة البالغة، والموعظة الحسنة، والأخلاق الفاضلة، والمعاني العالية، والأغراض النبيلة. أضف إلى ذلك ما حوته من الأساليب البليغة، والكلام الجزل.
وقد أنشأها يمدح بها (الحارث بن عوف) و(هرم بن سنان) المريين، ويذكر سعيهما بالصلح بين (عبس وذبيان) وتحملهما ديته من مالهما.
وذلك أن (ورد بن حابس العبسي) قتل (هرم بن ضمضم المري) في حرب (عبس) و(ذبيان) قبل الصلح، وهي المعروفة بحرب (داحس والغبراء) . فلما اصطلح الناس ووضعت الحرب أوزارها تخلف (ضمضم) أخو (هرم) عن الدخول فيما دخل فيه الناس. وحلف أن لا يغسل رأسه حتى يقتل (ورد بن حابس) أو رجلا من (بني عبس) ثم من (بني غالب) . ولم يطلع على ذلك أحد.
وكان قد حمل الحمائل وتكفل بأداء دية من قتل قبل الصلح (الحارث بن عوف بن أبي حارثة) و(هرم بن سنان) .
ثم أقبل رجل من (بني عبس) ثم من (بني غالب) حتى نزل بحصن بن ضمصم. فقال له: "من أنت أيها الرجل؟ "، قال: "عبسي ". فقال: "من أي عبس؟ "، فلم يزل ينتسب حتى انتسب على (غالب) . فقتله (حصين) . وبلغ ذلك (الحارث بن عوف) و(هرم بن سنان)، فاشتد عليهما ذلك. وبلغ الأمر (بني عبس)، فركبوا نحو (الحارث) . فلما بلغه ركوبهم إليه وما قد اشتد عليهم من قتل صاحبهم وأنهم يريدون قتل (الحارث) . بعث إليهم بمئة من الإبل معها ابنه. وقال للرسول: قل لهم "الإبل أحب إليكم، أم أنفسكم؟ " فأقبل الرسول حتى قال لهم ذلك. فقال (الربيع بن زياد): "يا قوم، إن أخاكم قد أرسل إليكم يقول: الإبل أحب إليكم، أم ابنه تقتلونه مكان قتيلكم؟ ". فقالوا: "بل نأخذ الإبل ونصالح قومنا".
وفي ذلك يقول (زهير) في معلقته:
تداركتما عبسا وذبيان بعدما تفانوا ودقوا بينهم عطر منشم
فأصبح يجري فيهم من تلادكم مغانم شتى من إفال مزنم