كان (الحارث بن حلزة) خبيرا بقرض الشعر ومذاهب الكلام، ومعلقته قد جمعت طائفة من أيام العرب وأخبارها، ووعت ضروبا من المفاخر يقام لها ويقعد. وقد ارتجلها بين يدي (عمرو بن هند) الملك وهو غضبان متوكئ على عنزة أو على قوسه. وقيل "بل كان قد أعدها قبل ذلك". وليس ببعيد عن الصواب. لما سترى من اختلاف الرواية في ذلك.
وسبب هذه المعلقة أن (عمرو بن هند) كان قد جمع (بني تغلب) و(بني بكر) ابني (وائل) عنده وأصلح بينهما بعد حرب (البسوس) . وأخذ من كل حي منهما مئة غلام رهنا، ليكف بعضهم عن بعض. فكان أولئك الرهن يسيرون ويغزون معه. فأصابتهم في بعض مسيرهم ريح سموم. فهلك عامة التغلبيين. وسلم البكريون. فقالت (بنو تغلب) لبني (بكر بن وائل): "أعطونا ديات أبنائنا، فإن ذلك لازم لكم". فأبت (بكر) . فاجتمعت (تغلب) إلى (عمرو بن كلثوم) - صاحب المعلقة الخامسة - فقال (عمرو) لتغلب: "بمن ترون (بكرا) تعصب أمرها اليوم؟ " قالوا: "بمن عسى إلا برجل من بني ثعلبة". قال (عمرو): "وأرى الأمر والله سنجلي عن أحمر أصلع أصم من بني يشكر". ثم إن (بكرا) جاءت ومعها (النعمان بن هرم) أحد (بني ثعلبة بن غنم بن يشكر) وهو خطيبها، و(الحارث بن حلزة) وهو شاعرها. وجاءت (بنو تغلب) بفارسها وشاعرها (عمرو بن كلثوم) .
فلما اجتمعوا عند الملك (عمرو بن هند) قال (عمرو بن كلثوم) للنعمان بن هرم: "يا أصم، جاءت بك أولاد (ثعلبة) تناضل عنهم، وقد يفخرون عليك". فقال (النعمان بن هرم): "وعلى من أظلت السماء يفخرون ولا ينكر عليهم ذلك". قال (عمرو بن كلثوم): "والله لو أني لطمتك لطمة ماخذوا لك بها". قال: "والله ولو فعلت ما أفلت بها قيس بن أبيك". فغضب (عمرو بن هند) الملك (وكان يؤثر بن تغلب على بني بكر) فقال: "يا نعمان، أيسرك أني أبوك؟ " قال: لا. ولكني وددت أن تكون أمي". فغضب (عمرو بن هند) حتى هم بالنعمان.
[ ٤٨ ]
ثم تحاكموا. فقال (عمرو بن هند) الملك: ما كنت لأحكم بينكم حتى تأتوني بسبعين رجلا من أشراف (بكر بن وائل)، فأجعلهم في وثاق عندي. فإن كان الحق لبني (تغلب) دفعتهم إليهم. وإن لم يكن لهم حق خليت سبيلهم" ففعلوا ذلك وتواعدوا يوما بعينه يجتمعون فيه. وفي أثناء الهدنة جاء أناس من (بني تغلب) إلى (بني بكر) يستسقونهم. فطردتهم (بكر) للحقد الذي كان بينهم. فرجعوا. فمات منهم سبعون رجلا عطشا. ثم إن (بني تغلب) اجتمعوا لحرب (بني بكر) واستعدت لهم (بكر) . حتى إذا التقوا كرهوا الحرب وخافوا أن تعود الحرب بينهم كما كانت. فدعا بعضهم بعضا إلى الصلح. فلما كان اليوم الذي ضربوه موعد للاجتماع عند (عمرو بن هند) جاءت (تغلب) في ذلك اليوم يقودها (عمرو بن كلثوم) حتى جلس إلى الملك. وقال (الحارث بن حلزة لقومه "وهو رئيس بكر بن وائل"): "إني قد قلت قصيدة فمن قام بها ظفر بحجته وفلح على خصمه" فرواها أناسا منهم. فلما قاموا بين يديه لم يرضه إنشادهم. فحين علم (الحارث) أنه لا يقوم بها أحد مقامه قال لهم: "والله إني لأكره أن آتي الملك فيكلمني من وراء سبعة ستور وينضح أثري بالماء إذا انصرفت. غير أني لا أرى أحدا يقوم بها مقامي، وإني محتمل ذلك لكم". (وكان بالحارث وضح. وكانوا يفعلون ذلك بمن به برص. وقيل: "بل كان (عمرو بن هند) يفعل ذلك لعظم سلطانة وكبريائه، ولا ينظر إلى به سوء) ".
فانطلق (الحارث) حتى أتى الملك. فقيل للملك: "إن به وضحا". فأمر أن دونهما سبع ستور. فجعلت. فلما نظر (عمرو بن كلثوم) إلى (الحارث) قال للملك (عمرو بن هند): "أهذا يناطقني؟ وهو لا يطيق صدر راحلته". فأجابه الملك حتى أفحمه. وأنشد (الحارث) معلقته. وهو من وراء سبعة ستور. وكانت (هند) أم الملك تسمع. فلما سمعتها قالت: "تالله ما رأيت كاليوم قط رجلا يقول مثل هذا القول، يكلم من وراء سبعة ستور". فقال الملك: ارفعوا سترا. ودنا. فما زالت تقول ويرفع ستر وستر حتى صار مع الملك على مجلسه. ثم أطعمه في جفنته. وأمر أن لا ينضح أثره بالماء. وجز نواصي السبعين الذين كانوا في يديه من (بكر) ودفعها إلى (الحارث) . وأمره أن لا ينشد قصيدته إلا متوضئا. فلم تزل تلك النواصي في (بني يشكر) بعد (الحارث) يفتخرون بها.
ثم إن (عمرو بن هند) حكم أنه لا يلزم (بني بكر) ما حدث على رهائن (بني تغلب) . فتفرقوا على هذه الحال. ثم لم يزل في نفسه من ذلك شيء حتى هم باستخدام (أم عمرو بن كلثوم) تعرضا لهم وإذلالا، فكان من ذلك أن قتله (عمرو بن كلثوم) . كما تقدم في خبره.
وقد ضرب (بالحارث) المثل بالفخر فقيل: "أفخر من الحارث بن حلزة".
والمشهور من الروايات أن (الحارث) قال معلقته ارتجالا وهو متوكئ على قوسه. وقد زعموا أنه اقتطم كفه من الغضب وهولا يشعر حين إنشادها. وقال (ابن السيد) في (أدب الكاتب): "كان متوكئا على عنزة فارتزت في جسده وهو لا يشعر".
قال (يعقوب بن السكيت): كان (أبو عمر الشيباني) يعجب لارتجال (الحارث) هذه القصيدة في موقف واحد. ويقول: لو قالها في حول لم يلم" قال: "وقد جمع فيها ذكر عدة من أيام العرب عير ببعضا (بني تغلب) تصريحا، وعرض ببعضها (لعمرو بن هند) .
غير أن الرواية التي رويناها هناك تدل على أنه لم يرتجلها، وإنما كان قد أعدها قبل إنشادها. والله أعلم بالصواب.
أما شعره فهو قليل جدا لأنه كان من المقلين. وإنما اشتهر بمعلقته هذه التي رفعت من قدره، وجعلته في صف شعراء الجاهلية المجيدين.
ومن شعره قوله يمدح رجلا يقال له (قيس بن شراحيل) وكان هذا في جملة من سعى بالصلح:
فهلا سعيت لصلح الصديق كصلح ابن مارية الأقصم
وقيس تدارك بكر العراق وتغلب من شرها الأعظم
وبيت شراحيل في وائل مكان الثريا من الأنجم
فأصلح ما أفسدوا بينهم كذلك فعل الفتى الأكرم
قال (يعقوب بن السكيت) أنشدني (النضر بن شميل) للحارث بن حلزة، وكان يستحسنها ويستجيدها. وذلك قوله:
من حاكم بيني وبين الدهر مال علي عمدا
أودى بسادتنا، وقد تركوا لنا حلقا وجردا
خيلي وفارسها ورب
أبيك
كان أعز فقدا
فلو أن ما يأوي إلى أصاب من ثهلان فندا
[ ٤٩ ]
أو رأس رهوة أو رؤوس شمارخ، لهددن هدا
فضعي قناعك، إن ريب الدهر قد أفنى معدا
فلكم رأيت معاشرا قد جمعوا مالا وولد
وهم رباب حائر، لا يسمع الآذان رعدا
فعش بجد لا يضرك النوك ما لاقيت جدا
والنوك خير في ظلال العيش ممن عاش كدا
والبيت الأخير فيه إيجاز مخل لأن ألفاظه لا تفي بمراد الشاعر. إذ يريد أن يقول: "إن العيش الرغد مع الحمق خير من العيش الشاق مع العقل".