بعد أن وفد (لبيد) هو وقومه على النبي ﷺ فأسلم هو وإياهم، رجع قومه إلى بلادهم. وقدم هو (الكوفة) فأقام بها إلى أن مات، وله من العمر مئة وخمس وأربعون سنة (١٤٥) على الصحيح. ويقال أن وفاته كانت في أول مدة (معاوية بن أبي سفيان) . وهو المشهور. وقيل: بل في أيام (الوليد بن عقبة) في خلافة (عثمان بن عفان) - ﵁ - فبعث (الوليد) إلى منزله عشرين جزورا فنحرت عنه وأكلها الناس.
و(لبيد) مذكور في طبقات المعمرين.
وروى (أبو حاتم السجستاني) في (كتاب المعمرين) أن (الشعبي) قال: "أرسل إلي (عبد الملك بن مروان) في حياته. فدخلت عليه فقلت: "كيف أصبحت يا أمير المؤمنين فقال أصبحت كما قال (عمرو بن قميئة) الشاعر:
كأني وقد جاوزت سبعين حجة، (خلعت بها عني عذار لجامي)
رمتني بنات الدهر من حيث لا أرى، فكيف بمن يرمي وليس برام
فلو أنها نبل، إذن لاتقيتها، ولكنني أرمى بغير سهام
إذا ما رآني الناس قالوا: ألم تكن جليدا، شديد البطش، غير كهام؟
فقلت: "لا يا أمير المؤمنين، ولكنك كما قال (لبيد بن ربيعة)، وذلك لما بلغ سبعا وسبعين سنة. أنشأ يقول:
باتت تشكي إلى النفس مجهشة: لقد حملتك سبعا بعد سبعينا
فإن تزادي ثلاثا تبلغي أملا، وفي الثلاث وفاء للثمانيا
ثم عاش حتى بلغ تسعين سنة، فقال:
كأني وقد جاوزت تسعين حجة
خلعت بها عن منكبي ردائيا
ثم عاش حتى بلغ مئة حجة وعشرا، فأنشأ يقول:
أليس في مئة قد عاشها رجل وفي تكامل عشر بعدها عمر؟
ثم عاش حتى بلغ مئة وعشرين سنة، فأنشأ يقول:
ولقد سئمت من الحياة وطولها وسؤال هذا الناس: كيف لبيد؟
غلب الرجال، وكان غير مغلب دهر جديد دائم ممدود
يوم أرى يأتي علي وليلة، وكلاهما بعد المضاء يعود
فقال عبد الملك: "والله ما بي من بأس. اقعد وحدثني ما بينك وبين الليل. فقعدت فحدثته حتى أمسيت. ثم فارقته. فمات في ليلته.
[ ٣٧ ]
ولما حضرت (لبيدا) الوفاة قال مخاطبا لابنتيه:
تمنى ابنتاي أن يعيش أبوهما وهل أنا إلا من ربيعة أو مضر؟
إذا حان يوما أن يموت أبوكما فلا تخمشا وجها، ولا تحلقا شعر
وقولا: هو المرء الذي ليس جاره مضاعا، ولا خان الصديق، ولا غدر
إلى الحول ثم اسم السلام عليكما ومن يبك حولا كاملا فقد اعتذر
فكانتا تذهبان إلى قبره كل يوم، وتترحمان عليه، وتبكيان من غير ندب ولا صياح ولا لطم، ثم تأتيان نادي (بني كلاب) فتذكران مآثره: ثم تنصرفان. فأقامتا على ذلك إلى أن تم الحول.
وقال لابن أخيه لما حضرته الوفاة (ولم يكن له ولد ذكر): يا بني، إن أباك لم يمت ولكنه فني. فإذا قبض أبوك فأقبله القبلة، وسجه بثوبه، ولا تصرخن عليه صارخة. وأنظر جفنتي اللتين كنت اصنعهما فاصنهما، ثم احملهما إلى المسجد. فإذا سلم الإمام فقدمهما إليهم. فإذا طعموا فقل لهم: فليحضروا جنازة أخيهم".
ففعل ابن أخيه ما أمره (لبيد) به.
وكانت وفاته سنة (٦٠) للهجرة. وقال (ابن عفير): "مات (لبيد) سنة إحدى وأربعين من الهجرة يوم دخل معاوية (الكوفة) ونزل "النخيلة". وقد قضى من عمره تسعين سنة في الجاهلية وسائرها في الإسلام. ﵀".