نجم بن جعفر سراج الدين أبو الثريا الإسماعيلي مذهبًا.
ولاه الحافظ العبيدي قاضي القضاة وداعي الدعاة بعد أبي الفخر صالح بن عبد الله بن رجاء فِي يوم الخميس لثلاث عشرة بقيت من جمادى الآخرة سنة ست وعشرين وخمسمائة. فلم يزل عَلَى ذَلِكَ حَتَّى قبض عَلَيْهِ حسن ابن الحافظ لما تغلب عَلَى الأمر، وحَجَر عَلَى أبيه. ثُمَّ قتل القاضي فِي ثامن شوال سنة ثمان وعشرين وخمسمائة. وقتل معه الشريف معتمد الدولة عَلَى بن جعفر ناظر الدواوين. وعلي بن السعيد بن زنبور وغيرهما - وقرر بعده ابن ميسر.
قال ابن دانيال فِي أرجوزته:
ثُمَّ وليه ولد الميسر أعني سناء الملك رب المفخر
ثُمَّ أبو الفخر ونجل جعفرًا ثُمَّ محمد ولي بلا مرا
وبعد هَذَا ولد الرعيني ثُمَّ سنا الملك بغير مين
وأبو الفخر هو صالح المتقدم، ونجل جعفر هو نجم هَذَا. ومقتضاه أن سناء الملك ولي ثُمَّ صرف، فولي بعده اثنان، ثُمَّ أعيد وهو المراد بقوله: ثُمَّ محمد. ثُمَّ صرف بالرعيني ثُمَّ أعيد وهو سنا الملك المذكور. والمراد ولد الرعيني، حسن بن قاسم بن طاهر الرعيني، وَقَدْ تقدم في الحاء المهملة.
نصر بن يونس بن عطية بن أوس بن عَرْفج بن ضَمار بن مَرْثَد بن أمامة بن رحب الحضرمي.
يقال إنه ولي مكان أبيه لما حصل لَهُ المرض مستهل سنة ست وثمانين، فأقام إِلَى أن مات أبوه بعد شهرين، فولي عبد الرحمن بن معاوية، ويقال إن المَولَّى تِلْكَ المدة أوس بن عبد الله بن عطية ابن عم المذكور.
[ ٤٤٣ ]
نصر الله بن أحمد بن محمد بن أبي الفتح بن هاشم بن إسماعيل بن إبراهيم بن نصر الله بن أحمد الكناني العسقلاني ناصر الدين أبو الفتح.
ولد سنة ثمان عشرة وسبعمائة، واشتغل بالفقه، وسمع الحديث بنابلس من عبد الله بن محمد بن يوسف بن نعمة، وبدمشق من أحمد الجزري، وبمصر من حسن الإربلي، والدُّلاصي وغيرهما.
وصاهر موفق الدين - يعني عَلَى ابنته زينب - وناب عنه، ثُمَّ استقل بعد وفاته يوم مات فِي سابع عشري المحرم سنة تسع وستين وسبعمائة.
وكان دينًا عفيفًا مصونًا، صارمًا، مهيبًا، محبًا في الطاعة والعبادة. حدّث ودرس وأفاد. وَكَانَتْ وفاته فِي شعبان سنة خمس وتسعين وسبعمائة. فولي بعده ولده إبراهيم.
نصر الله بن عبد الله بن كامل .
النضر
النعمان بن الحسن بن علي بن يوسف الحِطِّينيّ معز الدين الحنفي من المائة السابعة.
كَانَ عارفًا بمذهبه خيرًا، ناب عن صدر الدين ابن العِز، ثُمَّ ولي قضاء العسكر. ودرس بالصالحية فِي المحرم سنة ثلاث وثمانين وستمائة بعد العِز المارديني ثُمَّ ولي
[ ٤٤٤ ]
القضاء استقلالًا فِي شعبان سنة سبع وسبعين وستمائة، وصرف فِي جمادى الأولى سنة ثمان هو وابن شكر المالكي، وابن رزين الشافعي، ثُمَّ أعيدوا فِي رمضان سنة تسع إِلَى أن مات، وَكَانَتْ وفاته فِي سابع عشر شعبان سنة اثنتين وتسعين وستمائة، فولي بعده شمس الدين أحمد السروجي.
النعمان بن محمد بن منصور بن أحمد بن حَيّون الإِسماعيلي المغربي يكنى أبا حنيفة تقدم نسبه فِي ترجمة ولده علي.
وكان قدومه صُحبة المعِز من المغرب وهو يتولّى القضاء فِي عسكر المعز، فأقر المُعِزّ أبا الطاهر عَلَى حاله، وأول مَا فوض للنعمان الحكم فِي الضيعة الَّتِي كَانَ محمد بن علي الماذرائي حبسها ثُمَّ باعها فِي المصادرة فاشتراها منه عمر بن الحسن العباسي ثُمَّ باعها أولاده فاشتراها فرح التحكيمي، فأثبت أحمد بن إبراهيم بن حماد تحبيسها، ثُمَّ اتصل بالخصِيبيّ فحكم بأنها حُبسٌ، ثُمَّ اتصل ذَلِكَ بأبي الطاهر فأمضى ذَلِكَ، فتظلم فرح التحكيمي، إلى المعز فأمر النعمان بن محمد
[ ٤٤٥ ]
أن ينظر فِي أمرها، فاتصل بِهِ إشهاد أبي الطاهر بجميع مَا فِي كتاب التحبيس فشهِد عنده الحسين بن كهمش، وعبد العزيز بن أعين عَلَى إشهاد أبي الطاهر بما ذُكِر، فعاجلت النعمان المنية قبل إكمال القضية فكانت وفاته فِي سنة ثلاث وستين وثلاثمائة.
وكان يسكن مصر ويغدو منها إِلَى القاهرة فِي كل يوم، واستمر أبو الطاهر عَلَى حاله ولكن أضاف إِلَيْهِ المعز، علي بن النعمان، فكان يحكم بالجامع العتيق أيضًا، ثُمَّ بعد موت المعز وتولى العزيز، رَدَّ أمر دار الضرب والجامع لعلي بن النعمان بن محمد، فحضر الجامع وحضر أبو الطاهر فِي مجلسه عَلَى العادة وحكم، وحضر معه جمع كثير من الشهود والفقهاء والتجار وأعلنوا بالدعاء لأبي الطاهر.
فأحضر متولي الشرطة الذين أعلنوا بالدعاء لأبي الطاهر فسجنهم، فشفع فيهم علي بن النعمان فأطلقوا، وواصل أبو الطاهر الجلوس بالجامع، وَلَمْ يزل أمره مستقيمًا إِلَى أن حصلت لَهُ رطوبة عطلت شِقَّه فعجز عن الحركة إِلاَّ محمولًا.
فركب العزيز يومًا فِي مستهل صفر سنة ستين وثلاثمائة فتلقاه أبو الطاهر وهو محمول عند باب الضيافة، فسأله أن يأذن لَهُ فِي استخلاف ولده أبي العلاء ابن أبي الطاهر نيابة عنه بسبب مَا بِهِ من الضعف فقال العزيز: مَا بقي إِلاَّ أن يقدّدوه.
ثم فِي ثالث يوم صَرف أبا الطاهر، وقلَّد علي بن النعمان كما سبق فِي ترجمته.
نِعْمة بن بَشِير بن أحمد أبو الفضل النابلسي المعروف بابن الجَليس إسماعيلي من المائة الخامسة ولي فِي سنة خمس وتسعين وأربعمائة بتعيين الأفضل أمير الجيوش، إلى أن مات في سنة ثلاث عشرة وخمسمائة فاستقر بعده مُسَلَّم بن علي الرسْعَني.
نعيم هو - خير بن نعيم. إِلاَّ أن جماعة وابن دانيال فِي منظومتهما سمياه نعيمًا. وَقَدْ تقدم فِي الخاء المعجمة.
[ ٤٤٦ ]
حرف الهاء
هارون بن إبراهيم بن حماد بن إسحاق بن إسماعيل بن حماد بن زيد الأزدي نزيل بغداد، يكنى أبا بكر، مالكي من المائة الرابعة، ولد سنة ثمان وسبعين ومائتين.
وسمع من العباس بن محمد الدوري، وعم أبيه إسماعيل بن إسحاق، وإبراهيم الحربي. وغيرهم.
وتولى القضاء ببغداد، وأضيف إِلَيْهِ القضاء فِي مدن كثيرة، منها قضاء مصر من قِبل المقتدر بعد صرف أبي يحيى عبد الله بن إبراهيم بن مُكرَم، فاستخلف أولًا عبد الرحمن بن إسحاق الجوهري، ثُمَّ عزله واستخلف أخاه أحمد، وَكَانَ ذَلِكَ فِي حياة والدهما.
وهو من بيت قضاء ورياسة.
وكان لين الجانب، جميل الطريقة، حسن المذهب والسمت، وافر الحُرْمة، مشكور السيرة، عارفًا بالأحكام.
ولمَّا عُزل هارون من القضاء انعزل أخوه بعزله، وذلك فِي سنة ست عشرة وثلاثمائة.
روى عن هارون جماعة منهم: أبو القاسم الطبراني. ومات فجأة فِي جمادى الأولى سنة ثمان وعشرين وثلاثمائة. ومات أبوه قبله بخمس سنين فِي سنة ثلاث وعشرين وثلاثمائة.
هارون بن عبد الله بن محمد بن كَثِير بن مَعْن بن عبد الرحمن بن عَوْف
[ ٤٤٧ ]
القرشي الزُّهْرِيّ يكنى أبا يحيى وقيل أبو عمرو. مالكي من المائة الثالثة وأصله من المدينة. وأمه من رهط أبيه وهي: سَهْلَة بنت مَعْن بن محمد بن كثير بن معن بن عبد الرحمن بن عوف.
قال الشيخ أبو إسحاق فِي الطبقات فِي أصحاب مالك: ومنهم هارون بن عبد الله. أخذ عن أبي مصعب الزهري والهديري وغيرهما، وَكَانَ أعلم من صنّف الكتب فِي مختلف قول مالك.
وذكره ابن سفيان فِي أصحاب مالك.
وذكره عياض فِي المدارك وقال: ذكره ابن سفيان فيمن روى عن مالك، وأسند لَهُ أحاديث وحكاية تشهد بسماعه من مالك. وَكَانَ فقيهًا عَلَى قول مالك، وسمع من ابن وهب وابن أبي حازم، وعبد الملك بن الماجشون، والمغيرة المخزومي، والواقدي وغيرهم. روى عنه يحيى بن عمرو، ويونس بن عبد الأعلى، وهارون بن سعيد الأيْلَى، وآخرون.
قلت: وأخرج لَهُ الخطيب فِي الرواة عن مالك من طريق أبي الفتح الأزدي، حدثنا محمد بن احمد بن الهَيثم، حدثنا الوليد بن مسافر، حدثنا هارون بن عبد الله القاضي، حدثنا مالك، عن حبيب بن عبد الرحمن، عن حفص بن عاصم، عن أبي هريرة، وعن أبي سعيد الخدري أن رسول الله ﷺ قال: (مَا بَيْنَ قبري ومِنْبري رَوضة من رِياضِ الجنة) تابعه إسماعيل بن أبي أويس ورواه غيره عن مالك فقال فِيهِ عن أبي هريرة أو عن أبي سعيد الخُدْرِيّ كذا فِي الموطأ.
وذكره الدارقطني فِي الغرائب، والإِسماعيلي فِي المستخرج، وابن عبد البر فِي التمهيد.
وأخرجه البخاري من طريق عبد الرحمن بن مهدي عن مالك فلم يذكر أبا سعيد.
[ ٤٤٨ ]
ولم أَرَ فِي شيء من طُرقه عن مالك لفظ " قبري " إِلاَّ من رواية هارون هَذَا. والكل قالوا: " بيتي ".
وقال الزُّبير بن بكّار: كَانَ هارون من كبار الفقهاء، وَكَانَ يقوم بنصرة قول أهل المدينة، سمعتُ منه بمكة وَكَانَ سكنها. وَلَهُ رواية عن مالك. وقال لي ابن عبد الحَكَم: لقيته وَكَانَ من أهل الأدب الواسع.
وقال الحميدي: كَانَ محمودًا فِي قضائه عفيفًا، وأول شيء وليه قضاء المصيصة ولاّه المأمون، ثُمَّ ولاّه الرّقة ثُمَّ ولاّه قضاء عسكر المهدي ثُمَّ ولاّه قضاء مصر وشَافَهه بذلك. فأول مَا دخلها كَانَ فِي النصف من رمضان سنة سبع عشرة ومائتين.
قال يحيى بن عثمان: قدم فجلس فِي المسجد الجامع وَكَانَ فِي الشتاء فجلس فِي مقدَّم المسجد وأسندَ ظهره إِلَى القبلة بجدار المسجد ومنع المصلين أن يقربوا منه، وباعد كتّابه والخصوم، فكان أول من فعل ذَلِكَ، وَكَانَ يجلس فِي الصيف فِي صحن المسجد ويسند ظهره للحائط الغربي.
وقال يحيى بن عثمان: لما قدم هارون لَمْ يبقَ شيء من أمور القضاء حَتَّى باشره بنفسه وحضره، وَلَمْ يبق حُبْس يتولاه القاضي حَتَّى وقف عَلَيْهِ وعرف وجوه متحصله وغلته وأحاط عِلمًا بأموال اليتامى وحاسَب عَلَيْهَا بنفسه. وضرب رجلًا كَانَ فِي حِجره يتيم فرأى فِي أمر اليتيم بعض الخلل فضربه وطوّف بِهِ وحمل أموال الغائبين ومَن لا وارث لَهُ إِلَى بيت المال.
وكان صليبًا فِي الأحكام، قوي النفس، وَكَانَتْ العادة الجارية أن للخليفة فِي كل
[ ٤٤٩ ]
بلد صاحب خير يكتب بجميع مَا يقع إِلَى الخليفة مع البريد شيئًا فشيئًا، فبينا هارون فِي مجلسه إذ جلس معه رجل فقال لَهُ: مَا حاجتك؟ قال: إن زكريَّاء بن سعد صاحب البريد أمرني أن أجلس معك. فقال: هَذَا مجلس أمير المؤمنين لا يجلس فِيهِ أحد إِلاَّ بإذنه! فركب زكرياء إِلَى أمير مصر فذكر لَهُ ذَلِكَ فحضر هارون فِي الحال، فوجد عند الأمير إسحاق بن إبراهيم بن تميم وأحمد بن محمد بن أسباط. فقال أحمد لهارون: أشهد عَلَيْكَ بما قلت. فقال: من يكون هَذَا؟ فقال لَهُ كاتبه: هَذَا أحمد بن محمد بن أسباط. فقال له هارون: لعلك يا كلب تتكلم. والله لقد هممت أن لا أقوم من مجلسي هَذَا حَتَّى يُضرب ظهرك لِما صحّ عندي من سوء سيرتك. فقال الأمير لأحمد - وخشي عَلَيْهِ من زيادة هارون -: انصرف من هنا.
وكتبوا إِلَى المأمون بالقصة فجاء - جوابه: إن أحبّ هارون أن يجلس معه أحد وإلاّ فَلاَ. فقال هارون لما بلغه ذَلِكَ: أما إِذْ رَدَّ إليّ أمير المؤمنين الأمر فليجلس من شاء.
قال أبو عمر الكندي: وَلَمْ يزل أمر هارون مستقيمًا حَتَّى وقعت المحنة، فكتب أبو إسحاق - وأمْرُ مصر يومئذ إِلَيْهِ -: مِن أبي إسحاق ابن أمير المؤمنين الرشيد أخي أمير المؤمنين إِلَى نصر بن عبد الله، فذكر الكتاب وفيه أن أمير المؤمنين أمرني أن أكتب إِلَى قضاة عمَلي بامتحان الشهود. فمن أقرّ منهم بأن القرآن مخلوق استمر، ومن أبَى ذَلِكَ اعتزل عن الحكم. وأن يمنع أهل الحديث والفقه من الجلوس للناس إِلاَّ من انتحل منهم هَذِهِ النِّحلة. فذكر بقية الكتاب وهو مؤرخ بعشر بقين من جمادى الآخرة سنة ثماني عشرة ومائتين، فأحضر الأمير يومئذ وهو نصر بن عبد الله المعروف بكَيْدَر مولى أمير المؤمنين القاضي هارون بن عبد الله وامتحنه بما فِي الكتاب، فأجابه إِلَى ذَلِكَ، وَوَافَقَه عَلَيْهِ وتابعَه عامة الشهود وأكثر الفقهاء إِلاَّ من هرب منهم ومن أهل الحديث. واستمر هارون يمتحن مَن يشهد عنده، فإن أقرّ بذلك قَبِله، وإن امتنع وقفت شهادته.
قال أبو عمر الكندي: حدثني محمد بن محمد بن أبي الحديد، حدثني عنه عُتبة
[ ٤٥٠ ]
بن بَسْطام، قال: كَانَ هارون بن عبد الله إذَا شهد عنده شاهدان سألهما عقب الشهادة عن القرآن. فإن أقرّا أنه مخلوق قَبِلَهما، وإلاّ فلا.
ثم استشعر أحمد بن أبي دُوَاد مِن هارون بعض التصبر فِي ذَلِكَ، ففوض أمر المحنة إِلَى محمد بن أبي الليث، وذلك قبل أن يلي القضاء، فشدَّدَ فِي ذَلِكَ بحيث أمر بحمل البُوَيطيّ ونُعَيْم بن حمَّاد وغيرهما إِلَى العراق.
قال محمد بن الربيع الجِيزيّ: وَكَانَ أبي يقول: سمعت هارون بن عبد الله يحمد الله عَلَى المعافاة من الدخول فِي المحنة.
ثم حَمِد أحمدُ بنُ أبي دُوَاد قيامَ محمد بن أبي الليث، فصرف هارون عن القضاء وأضافه إِلَى ابن أبي الليث فكان منه مَا تقدم فِي ترجمته.
ويقال إنه رفع إِلَى ابن أبي دُوَاد قوله: اللهم لَكَ الحمدُ عَلَى مُعَافاتي مما بَلَوْتَ بِهِ غَيري فصرَفه. وصرف هارون فِي صفر سنة ست وعشرين ومائتين فكانت ولايته ثمان سنين وستة أشهر.
وذكره ابن يونس فِي الغرباء فقال بعد أن نسبه: قدم مصر عَلَى القضاء سنة سبع عشرة، ثُمَّ صرف فخرج إِلَى العراق فأقام بسُرّ مَن رَأى حَتَّى مات يوم السبت لإِحدى عشرة ليلة بقين من شعبان سنة اثنتين وثلاثين ومائتين. وَقَدْ كتب عنه بمصر.
قال أبو عمر الكندي: كَانَ ورود كتاب المعتصم إِلَيْهِ بأمره بالتوقف عن الحكم لثلاث عشرة ليلة خلت من صفر سنة ست وعشرين فوليها زيادة عَلَى ثمان سنين. وعاش بعدها زيادة عَلَى ثمان سنين.
ومما أورده لَهُ محمد بن خلف القاضي المعروف بوكيع من الشعر أشياء حسنة منها فِي الغَزَل والفخر العام:
مَاذَا على الحي يوم البَيْن لَوْ رَجَعُواوَوَاصَلُوا مِنْ حِبَالِ البَيْن مَا قَطَعُوا
[ ٤٥١ ]
مَن لم ينالُوا فِي الديار ولو نالوه لَمْ يصنعوا من ذَاكَ مَا صَنَعوا
لما رأيت حمول الحي باكرة يَحثها جذل بالبَيْن مُنْدَفع
ناديتُ ليلى ولا ليلى تودعني منها السلام فكاد القلب يَنْصَدع
يَا ليل أهلك أحموني زيارتكم والدار واحدة والشَّمل مُجتمعُ
فالآن مر عَلَى العيش بعدكم فلستُ بالعيش بعد اليوم أنتفع
هل الزمان الَّذِي قَدْ مرّ مُرْتجع أم هل يرد عَلَى ذي العلة الجزع
قالت سليمى عَلاَك الشيب من كبر والشيب أهون مَا لَمْ يأتك الصَّلَع
يَا سلم إني وإن شيب يفزعني رحب اليدين بما حملت مضطلع
ولن أرى بطرًا يومًا لمفرحة وَلَمْ أرى لصروف الدهر أختشع
قَدْ جربتني صروف الدهر فاعترفت صلب القناة صَبورًا كيفما يقع
فرد الخلائق لا يقتادني طَمع إن اللئيم الَّذِي يقتاده الطمع
هَذَا وخائن قوم ظل يشتمني كالكلب ينبح حينًا ثُمَّ يَنْقَمع
تركته معرضًا لي واستهنتُ بِهِ إذ لَمْ يكن فِيهِ لي رِيّ ولا شبع
لا واضعًا غضبي فِي غير موضعه ولا انتصاري إِذَا مَا نالني الفزع
ولا ألين لقوم خاضعًا لهم ولا أكافئهم بالشر إن جمعوا
حلما بحلم وجهلا إن هم جهلوا إني كذلك مَا آتي وَمَا أَدَعُ
ومنها فِي الحكم:
أمسَى مَشيبك فِي المفَارق شائعًا ورددت من عهد الشباب وَدَائعا
وتركتَ وصل الغانيات وطالما غابتَ فيهن العواذل طائعا
ولقد لبست من الشباب غضارة ونضارة لو كَانَ ذَلِكَ راجعا
أزمان تصغي للصبا وحديثه سمعًا يميل إِلَى الغواية سامعا
فَدَع الغواية بالشباب وذكره كم موضع فِي الغي أصبح نازعا
[ ٤٥٢ ]
لا تعطِ نفسك مَا تريد ولا تكن فيما يضرك إن دعيت مُسَارعا
لا تَمْسَ عبدًا للمطامع ولتكن للفضل متبوعًا ولا تَكُ تابعا
كُن للعشيرة فِي الأمور إِذَا عَدت كهفًا وعنها فِي الخُطُوب مُدَافِعا
لا تَحسدن نبيهها واخضع لَهُ حَتَّى تَلين بِهِ وتصبح خاضعا
سهِّل لَهُ فيما يريد طريقه حَتَّى يكون برفعه لَكَ رافعا
فمتى ينل حظًا يكن لَكَ حظه وتكون فِيهِ مفارقًا ومجامعا
وإذا نشا لَكَ ناشئ فانهض لَهُ وامنعه من ضَيْم يكن لَكَ مانعا
دَارِ العداوة من عدوك بالتقى واحذر عدوك دانيًا أَوْ شاسعا
أكثر صديقك مَا استطعتَ فما بِهِ ضر إِذَا مَا لَمْ يكن لَكَ نافعا
حافِظ عَلَيْهِ واتخذه عُدة سيفًا إِذَا لقي الكرِيهة قاطعا
وإذا دَعَاك إِلَى الرجوع مُجاملًا فارجع لَهُ وليلف سربك واسعا
إِلاَّ الحسود فإن تِلْكَ عداوة تبدي الرضا وتكون سمًا ناقعا
واصبر عَلَيْهِ فليس فِيهِ حيلة ولتطلعن طوالعًا وطوالعا
ومنها:
أيام معروفك مَا لَمْ تعن بالصبر أحوالٌ وأَحوالُ
فاصبر لَهَا واصبر لمكروهها فللذي يدبر إقبال
ورب أمر مرتج بابه عَلَيْهِ أن يفتح أقْفَال
ضاق بذي الحيلة فِي فتحه حينئذ والمرء مُحتال
حَتَّى تلقته مفاتيحه من حَيْثُ لَمْ يخطر بِهِ البال
والرزق فاطلبه عَلَى أنه آت لَهُ وقت وآجال
وَلَيْسَ يبطئ عنك فِي مقته ولا لَهُ عن ذَاكَ إِعْجَال
فلا تقم عبدًا عَلَى مطمع فربما أَخْنَى بك الحال
[ ٤٥٣ ]
والفَقْرُ خَير من غِنى يَا فتى يكون فِيهِ لَكَ إِذْلال
والمال للمُكثر شَين إِذَا لَمْ يَكُ منه فِيهِ إِفْضال
والحر حُر حَيْثُ أمسى ولا يمنعه من ذَاكَ إقلال
وأنشد لَهُ الزبير بن بكّار يتشوق إِلَى المدينة المنورة:
هل الشوق إِلاَّ أن يحن غريب وأن يستطيل العهد وهو قريبُ
أرى الشوق يدنيني إِلَى من أوده وللشوق داع مسمع ومجيب
سقى الله أكناف المدينة إنه يحل بِهَا شخص إليَّ حبيب
وإني وإن شَطت بي الدار عنهم إِلَيْهِم لمشتاق الفؤاد طروب
وقائلة مَا بال جسمك شاحبًا وأهون ما بي أن يكون شحوب
فقلت لَهَا فِي الصدر مني حرارة تقطع أنفاسي لَهَا وتذوب
إِذَا مَا تذكرت الحجاز وأهله فللعين من فيض الدموع غروب
قال يونس بن عبد الأعلى: مَا ولينا قاضٍ مثل هارون بن عبد الله، مَا استفاد عندنا إِلاَّ دارًا، فلما انصرف باعها وتحمل بثمنها. وَكَانَ هارون أديبًا فذكر عَلْقَمة بن يحيى عن هارون، قال: أنشدت عبد الملك بن عبد العزيز الماجِشون:
ولما رأيتُ البَيْنَ منها فجاءةً وأهون للمكروه أن يتوقّعَا
وَلَمْ يَبْقَ إِلاَّ أن يُودِّع ظاعِنٌ مُقِيمًا ويذرى عبرة إن تودَّعَا
نظرت إليها نظرة فرأيتها وَقَدْ أبرزت من جانب الخِدْر إِصْبَعا
قال: لمن هَذِهِ؟ قلت: قالها رجل من قريش. فقال: أحسن والله. فقلت لَهُ: أنا والله قُلتها فِي طريق سرتها إِلَيْكَ. قال: قد والله عرفت الضعف فِيهَا حين أنشدتها.
وقال القاضي أبو القاسم علي بن المحسن التنوخي فِي فوائده: حدثنا أحمد بن عبد
[ ٤٥٤ ]
الله بن أحمد الدوري، أنبأنا القاضي أبو بكر أحمد بن إسحاق بن إبراهيم الملحمي، حدثني أبو زيد عبد الرحمن بن حاتم المرادي بمصر، حدثنا هارون بن عبد الله الزهري - قاضي مصر سنة ست وعشرين ومائتين - بعد أن صُرف عن الحكم قال: رفع الواقدي قصة إِلَى المأمون يذكر فِيهَا غَلَبة الدَّين. فذكر القصة المشهورة وفيها. قال المأمون: وأنت حدثتني عن محمد بن إسحاق، عن الزهري، عن أنس، أن النبي ﷺ قال للزبير: (يَا زُبَيْر، إن باب الرزق مفتوح بباب العرش، ينزل الله عَلَى العباد أرزاقهم عَلَى قَدْر نَفَقَاتهم، فمن كثَّر كُثِّر لَهُ، ومن قَلَّلَ قُلِّلَ لَهُ.
وأخرجها أبو القاسم ابن عساكر فِي ترجمة الواقدي، عن أبي القاسم النسيب، قال: حدثنا أبو بكر الخطيب، أخبرنا أبو عبد الله محمد بن يوسف بن دُوسْت البزاز، حدثنا علي بن محمد المصري، حدثنا أبو زيد عبد الرحمن بن حاتم المرادي، حدثنا هارون بن عبد الله الزهري - الذي كَانَ قاضي مصر - قال: كتب الواقدي رقعة إِلَى المأمون يذكر فِيهَا غلبة الدَّين وغَمّه بذلك، فوقّع المأمون عَلَى ظهرها: فيك خلتان: السخاء والحياء. فأما السخاء فهو الَّذِي أطلق مَا ملكت. وأما الحياء فهو الَّذِي منعك من إبلاغنا مَا أنت عَلَيْهِ، وَقَدْ أمرنا لَكَ بكذا وكذا؛ فإن كُنا أصبنا إرادتك فِي بَسْط يدك فإن خزائن الله مفتوحة.
وأنت كنت حدثتني وأنت عَلَى قضاء الرشيد فذكر الحديث. لكن لفظه أن رسول الله ﷺ قال للزبير: (يَا زبير إن باب الرزق مفتوح بباب العرش ينزل الله إِلَى العبادة أرزاقهم) والباقي مثله. وَفِي آخره قال الواقدي: وكنت قَدْ أنسيت الحديث، فكان تذكرته إياي أحب إليّ من جائزته. قال هارون القاضي الزهري: بلغني أن الجائزة كَانَتْ مائة ألف، فكان الحديث أحب إليّ من مائة ألف.
هاشم بن عبد الرحمن بن أبي بكر بن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي
[ ٤٥٥ ]
بكر الصديق أبو بكر البكري المدني الأصل، من أهل الكوفة، وَكَانَ يذهب إِلَى قول أبي حنيفة من المائة الثانية.
قال أبو عُمر وَابن يونس: تولى من قبل الأمين محمد بن هارون الرشيد فِي جمادى الآخرة سنة أربع وتسعين بعد صرف العمري.
قال الطحاوي عن يحيى بن عثمان: أن البكري كَانَ يقول: دخلتُ مصر وأنا مُقِلّ فزرعتُ زرعًا فَلحِقَته آفة فانكسر عليَّ خَراجه، فطولبت بذلك، وشدّد عليَّ فِيهِ، وَكَانَ كاتب الخراج يعرف بمقارّة، فقال لما عرفوه بيتي: يَا سبحان الله! ابن صاحب نبيكم والذي قام بعده يُطالَب بمثل هَذِهِ المطالبة، مَا كَانَ عَلَيْهِ فهو عليّ وهو لَهُ عليَّ فِي كل سنة. فكان البكري بعد ذَلِكَ لما ولي القضاء يقرب الكاتب المذكور ويقرب الكاتب المذكور ويقرب إدريس بن يحيى الخولاني لزهده.
وكان السبب فِي ولايته أن القاضي قبله وهو عبد الرحمن بن عبد الله العمري لما أثبت نَسب أهل الحرس وألحقهم بالعرب، وَفَّدَ أهل مصر - ومعهم أبو رَحْب العلاء بن عاصم الخولاني وهاشم بن حُدَيْج - وَفْدًا إِلَى العراق بما فعل العمري بأهل الحرس وأنه ألحقهم بالعرب ونسَبَهم إِلَى حَوْتَكة بن أسلم بن الحاف بن قُضاعة. فكتب محمد الأمين إِلَى البكري بولاية القضاء؛ وأن يمنع مَن ينتمي إِلَى العرب وأن يرد أهل الحرس إِلَى مَا كانوا عَلَيْهِ من أنسابهم. فرجع البريد بذلك.
فدعا البَكريّ أهل الحرَس فطلب منهم قضِيَّة العمري فأحضروها لَهُ ظنًا منهم بأنه يطلب منهم زيادة من الشهود. فلما مَلكها فِي يده أخرج مقْرَاضًا من تَحْتَ مُصلاّة فقطع القضيّة وقال لهم: العرب لا تحتاج إِلَى كتاب من قاضٍ، إن كنتم عَرَبًا فليس ينازعكم أحد.
فقال فِي ذَلِكَ مُعَلَّى الطائيّ.
يَا بَنِي البَظْرَاءِ مُوتُوا كَمَدًا واسْخَنُوا عَيْنًا بِتَخْريقِ السِّجلْ
في أبيات.
[ ٤٥٦ ]
وقال يحيى بن بُكَير: أمر البَكريّ بإقامة البيِّنة عنده عَلَى بطلان دعوى أهل الحرس فحضر من أهل مصر عنده: ابن وَهب، وسعيد بن أبي مَرْيَم، وسعيد بن عُفَير، وناس كثير من أهل العدالة، فَشَهِدوا عنده أنّ أهل الحرَس من القِبْط، وأن العُمَريّ قضى لهم بالباطل: فأبطل قَضِيَّة العُمَريّ فيهم وأشهد عَلَى نفسه بردّهم إِلَى أصلهم من القبط فقال الشعراء فِي ذَلِكَ وتتبع البكري أصحاب العمري كلهم وسجنهم، وأشار عَلَيْهِ أبو رَحْب بمطالبة العمري وسجنه ففعل، وطالبه بما صار إِلَيْهِ من الأموال والأوقاف وغيرها، وأسقَط كل مَن شَهِد لأهل الحرس، ونادى بعضهم وشهّره بخيانته فِي ذَلِكَ منهم يحيى بن عبد الله بن بُكيْر. وقام عبد العزيز بن مُطرَف فِي نصر العمري وضمِن عنه مالًا كثيرًا، ورفع أهل مصر للبكري أن العمري استفاد مائة ألف دينار من جهات عَدَّدُوها، فطالبه البَكريّ بِهَا وعرّفه وجوهها، ثُمَّ هرب العُمَريّ من السجن.
وكان قَدْ حول أمواله قبل ذَلِكَ إِلَى مَدْين، فتوجه إِلَى مَدْيَن فتحمل بما لَهُ وصَحِب خفيرًا من البَوادِي فلما وصل إِلَى فَيْد خرج عَلَيْهِ قوم من أَسَد وطَيئ فأوقعوا بِهِ وأخذوا جميع مَا معه، ونَجا بحُشاشة نفسه.
وكان كاتب البكري: محمد بن عميرة النَّخَعِيّ، وأحمد الكوفي. وَكَانَ عمرو بن خالد الحراني يلزَمه وربما كتب لَهُ.
وروى أبو عُمر من طريق عَمْرو بن خالد قال: كَانَ البكري لا يجلس للقضاء حَتَّى يتغذَّى ويشرَب ثلاثة أقداح نبيذًا.
[ ٤٥٧ ]
وأخرج ابن يونس من طريق عمرو بن خالد أن البكري كَانَ يشرب النبيذ الشديد.
قال ابن يونس: وحدث البكري بمصر وكتب عنه وَلَمْ يَزَل قاضيًا إِلَى أن مات فِي المحرم سنة ست وتسعين ومائة. فكانت مدة ولايته سنة وستة أشهر.
هبة الله بن الحسين بن عبد الرحمن بن نُبَاتة يكنى أبا الفضل. ولي القضاء فِي رابع شعبان سنة خمس وسبعين وأربعمائة بعد جلال الدولة علي بن أحمد بن عَمّار.
هبة الله بن عبد الله بن حسين بن محمد الأنصاري الأوسي المعروف بابن الأزرق يكنى أبا الفضائل إسماعيل من المائة السادسة.
قال ابن ميسر فِي تاريخه: ولاّه أبو علي أحمد بن الأفضل رابع أربعة الحكم من كل مذهب قاضي وهم: سلطان بن إبراهيم الشافعي. وأبو الفضل ابن الأزرق ويقال كنيته أبو الفضائل الإِسماعيلي. ومحمد بن عبد المولى اللبْني المالكي. وابن أبي كامل الإمامي. وَكَانَ يلقب فخر الأمناء، ولي فِي حادي عشر ذي القعدة سنة ثلاث وثلاثين وخمسمائة.
وكان الحافظ فوض إليه قبل ذَلِكَ نظر دار العلم والتدريس بِهَا مضافًا إِلَى الحكم، وَكَانَ مدرسها قبله أبو الحسن علي بن إسماعيل. فجرى بينه وبين القاضي مفاوضة أدت إِلَى الخصام ثُمَّ إِلَى المصافعة والملاكمة حَتَّى تقطعت ثيابهما وسقطت عمائمهما، فخرج القاضي وهو حنق عَلَى حالته القصر ماشيًا بغير عمامة وثيابه مخرقة، فأعلم الحافظ بذلك فعظم عَلَيْهِ مَا صنع فصرفه عن الحكم، وأغرمه مالًا، وألزمه داره، وردّ أمر القضاء إِلَى أبي الطاهر إسماعيل بن سلامة المعروف بالموفق فِي الدين، وأخرجها أبو القاسم بن .
[ ٤٥٨ ]
هبة الله بن عبد الله بن الحسن بن محمد بن أبي كامل. كَانَ عَلَى مذهب الشيعة الإمامية. ولاه أبو علي أحمد بن الأفضل رابع أربعة كما ذكر فِي ترجمة الَّذِي قبله وَكَانَ من فقهاء الإمامية وصدورهم.
هبة الله بن عبد الله بن كامل بن عبد الكريم بن الحسن بن محمد بن أبي كامل المُضَري - بضم الميم وفتح الضاد المعجمة - الشّهْرزُوريّ ثُمَّ الصوري القاضي المفضل يكنى أبا القاسم.
[ ٤٥٩ ]