قال الشيخ شعيب الأرناؤوط: "إذا كان استنباط الرجل للمسائل والأحكام من النصوص دالًا على نمط تفكيره، وكيفية تفهمه، فإنَّ ما لمحه ابن حِبَّان في النصوص من معان ليظهر بجلاء تلك العقلية المبدعة التي وهبها، فقد قال في قول رسول الله ﷺ لحسان - لما أمره بالرد على المشركين -: "أجب عني".
قال: في هذا الخبر كالدليل على الأمر بجرح الضعفاء، لأنَّ النبي ﷺ قال لحسان بن ثابت: "أجب عني"، وإنما أمر أن يذب عنه ما كان يتقول عليه المشركون، فإذا كان في تقول المشركين على رسول الله ﷺ يأمر أن يذب عنه، وإن لم يضر كذبهم المسلمين، ولا أحلوا به الحرام، ولا حرموا به الحلال، كان من كذب على رسول الله ﷺ من المسلمين، الذي يحل الحرام، ويحرِّم الحلال بروايتهم أحرى أن يؤمر بذب ذلك الكذب عنه ﷺ.
وفي قوله ﷺ: "يتقارب الزمان وينقص العلم".
[ ١ / ١٢٢ ]
قال: وقد أخبر المصطفى ﷺ أن العلم ينقص في آخر الزمان، وأرى العلوم كلها تزداد إِلَّا هذه الصناعة الواحدة، فإنها كل يوم في النقص، فكأنَّ العلم الذي خاطب النبي ﷺ أمته بنقصه في آخر الزمان هو معرفة السنن، ولا سبيل إلى معرفتها إِلَّا بمعرفة الضعفاء والمتروكين.
وفي قوله ﷺ: "فإنه من يعش منكم فسيرى اختلافًا فعليكم بسنتي".
رأي ابن حِبَّان دليلًا صحيحًا على أنه ﷺ أمر أمته بمعرفة الضعفاء منهم من الثقات، لأنه كما قال: "لا يتهيأ لزوم السنة مع ما خالطها من الكذب والأباطيل إِلَّا بمعرفة الضعفاء من الثقات"، وانظر "المجروحين" له (١/ ١٠، ١١).
على أنه كان يُغرب أحيانًا فيما يستنبطه ويراه، فيلحظ في النص ما لا يخطر على قلب أحد، وقد يدفعه ما ارتآهُ إلى إنكار معنى صحيح ثابت، ودفع ما لا قِبَل له بدفعه، كقوله في حديث أنس في الوصال: فيه دليلٌ على أنَّ الأخبار التي فيها وضع الحجَر على بطنه من الجوع كلها بواطيل، وإنما معناها الحجز، وهو طرف الرداء، إذ الله يطعم رسوله، وما يغني الحجر من الجوع؟.
ويرد عليه الذَّهَبيُّ بما أخرجه هو نفسه، فيقول: قد ساق في كتابه
[ ١ / ١٢٣ ]
حديث ابن عباس في خروج أبي بكر وعمر من الجوع، فلقيا النبي، ﷺ فأخبراه، فقال: "أخرجني الذي أخرجكما".
فدلَّ على أنه كان يطعم ويسقى في الوصال خاصة. انظر "سير أعلام النبلاء" (١٦/ ٩٨)، و"طبقات" للسبكيِّ (٣/ ١٣٣).
ولعلَّ هذا أيضًا هو ما دعا أبا عمرو بن الصلاح إلى النيل منه حين قال: "وربما غلط في تصرفه الغلط الفاحش على ما وجدته". فيصدقه الذَّهبيُّ ويقول: "صدق أبو عمرو". وبظني أنَّ تأثر ابن حِبَّان بعلم الكلام، هو الذي جعله يعتمد في أسلوبه على فذلكة المعاني وفلسفتها، وكثيرًا ما كان الذَّهبيُّ ينال من أسلوبه هذا، فيقول: "تقعقع ابن حِبَّان"، وقد كادت فذلكته هذه أن تودي به إلى التهلكة، فيحكم بقتله، وبطرده من بلده، كما حصل له في محنته.