* فبالنظر إلى هذه الإحصائية نجد:
* أنَّ من روى عنهم ابن حبان ﵀ وهم في مرتبة الاحتجاج -[٢١٣] شيخٍ.
* وأنَّ من يُستشهد بحديثهم، ويتقوى بمثله (^٦٧) إلى مرتبة الاحتجاج ثمانية عشر [١٨] شيخًا.
*وأنَّ من يُردّ حديثهم [١١] شيخًا فقط.
على أنَّ هؤلاء الرواة منهم من نصَّ ابن حِبَّان نفسه على وهائه، وشدَّة ضعفه، وهما ترجمتان:
١ - أحمد بن محمد بن الأزهر، أبو العباس السجزيُّ (ت ٧٣).
٢ - أحمد بن محمد بن عمرو، أبو بشر المصعبيُّ (ت ٩٠).
_________________
(١) قال شيخنا العلامة محمد عمرو ﵀: "هذه الصيغة غير صحيحة لا سيما كلمة "بمثله"؛ لأنَّ الأصل الاعتبار بما وافق الثقات والمقبولين" انتهى. (قلتُ): ولعلَّ الأصوب أن أقول إنَّ من يُعتبر بحديثهم، ويتقوَّى بغيره إلى مرتبة الاحتجاج … إلخ. قال شيخنا المحدِّث أبو الحسن مصطفى بن إسماعيل السليماني - حفظه الله تعالى -: "بل الأدق: بـ "بنحوه" لأنَّ كلمة بغيره، يدخل فيها الثقة والضعيف والمتروك، ومعلوم أنَّ المتروك فما دونه لا يُستشهد به" أبو الحسن.
[ ١ / ٢١٠ ]
ولم يُخرج عن أحد شديد الضَّعف في "صحيحه"، والرواة التسعة الآخرون، منهم من روى عنهم في موطن واحد كـ (ت ١١١)، ومنهم من روى عنهم في موطنين كـ (ت ٤٧٧)، ومنهم من روى عنهم في ثلاثة مواطن، أو أكثر قليلًا، كـ (ت ١٤٠).
وبهذه الإحصائية يتبين لك مدى وفاء ابن حِبَّان ﵀ بشرط صحيحه في رواته، وانتقائه لشيوخه فيه، فلله دره، وعلى الله أجره.
* وأما عن شيوخه الذين لم أقف على من ترجم لهم فهم على قسمين:
الأول: من روى عنهم في "الصحيح":
فهؤلاء وإن لم نقف لهم على كلام من قِبَل أهل العلم، فهم من شيوخه الذين جالسهم وعرف أحوالهم، وميَّز الضابط منهم من غير الضابط.
فهؤلاء ثقات عنده لتصحيحه لهم - كما تقدم ذلك عن الحافظ ابن حجر ﵀ وغيره من أهل العلم - لاسيما من احتجَّ بحديثهم في الأحكام.
وقد قال ابن حبان ﵀ في مقدمة "صحيحه" (١/ ١٥٢ - ١٥٣): "ولعلَّنا قد كتبنا عن أكثر من ألفي شيخ من إسبيجاب إلى الإسكندرية، ولم نرو في كتابنا هذا إلا عن مئة وخمسين شيخًا أقل أو
[ ١ / ٢١١ ]
أكثر، ولعلَّ مُعوَّل كتابنا هذا يكون على نحو من عشرين شيخًا؛ ممن أدرنا السنن عليهم، واقتنعنا برواياتهم عن رواية غيرهم، على الشرائط التي وصفناها.
وربما أروي في هذا الكتاب وأحتج بمشايخ قد قدح فيهم بعض أئمتنا مثل: سماك بن حرب، وداود بن أبي هند، ومحمد بن إسحاق بن يسار، وحمَّاد بن سلمة، وأبي بكر بن عياش، وأضرابهم؛ ممن تنكَّب عن رواياتهم بعض أئمتنا، واحتج بهم البعض، فمن صحَّ عندي منهم بالبراهين الواضحة، وصحة الاعتبار على سبيل الدين أنه ثقة، احتججت به، ولم أعرِّج على قول من قدح فيه.
قال: ومن صحَّ - عندي - بالدلائل النيرة، والاعتبار الواضح على سبيل الدين، أنه غير عدل؛ لم أحتج به، وإن وثقة بعض أئمتنا … " اهـ المقصود.
* وقد علق على هذا فضيلة الشيخ أبو الحسن السليماني - حفظه الله في "اتحاف النبيل" (٢/ ٣٠) (س ٢٠١)، بقوله: "فيظهر من ذلك أن مشايخه في "الصحيح" قد انتقاهم من جملة مشايخه، ويظهر أيضًا أنه قد عرفهم معرفة جيدة، مما يقوي في النفس الاحتجاج بهم؛ التصحيحه حديثهم، وهو فرع عن توثيقه إياهم، إلا أنه إذا عارضه غيره، وقَدَحَ في أحد شيوخه، رجعنا للقرائن، ورجَّحنا الراجح، والله أعلم" اهـ.
[ ١ / ٢١٢ ]
الثاني: من روى عنهم في غير "الصحيح":
فتجد أنَّ ابن حبَّان ﵀:
* أحيانًا ينقل بهذا الشيخ حديثًا في ترجمة أحد الرواة المترجم لهم في "الثقات" أو "المجروحين".
وغالبًا ما يقع هذا في الرواة الذين ترجم لهم في كتاب "المجروحين"، فنجد أنَّ هذا الحديث إما أن يكون موضوعًا، أو ضعيفًا جدًّا - أو ما دار في فلكهما - وغالبًا ما ينص ابن حِبَّان ﵀ على درجته.
ففي مثل هذه الحالة لا يقال إنَّ شيخ ابن حِبَّان الذي لم أقف له على ترجمة، قد روى حديثًا موضوعًا في كتاب "المجروحين"، فيُستدل بذلك على ضغفه.
هذا من الخطإ؛ لأنَّ ابن حِبَّان ﵀ بيَّن بإيراد الحديث في ترجمة أحد الرواة، أن العهدة في روايته إنما هي عليه، لا على غيره من رواة الإسناد، والله أعلم.
* وأحيانًا ينقل بهذا الشيخ أقوالًا في "الجرح والتعديل"، وهذا الأمر يقع كثيرًا في كتاب "المجروحين".
وهذا الأمر من الأهمية بمكان، إذ إن من قواعد الجرح
[ ١ / ٢١٣ ]
والتعديل، التأكد من صحة الإسناد المنقول به الجرح أو التعديل، فقد تتعارض أقوال الجرح والتعديل في راوٍ ما، وبالنظر إلى الإسناد المعارض نجده لا يصح فيزال التعارض، وغير ذلك.
فهؤلاء يُعاملون معاملة غيرهم من الرواة الذين لم نقف على أقوال فيهم من قِبل أهل العلم، لما يلي:
* أنَّ ابن حِبَّان ﵀ لم يشترط شروطًا في شيوخه خارج "الصحيح".
* أنَّه ﵀ لم يرو الأحاديث التي يذكرها في تراجم الرواة ليحتج بها، بدليل أنه ينص على وهائها كما هو ظاهر بيِّن، والله أعلم.
هذا آخر ما توصلت إليه، سائلًا الله ﷿ أن يجعلها خالصة الوجهه الكريم، وأن ينفع به كاتبه وقارئه - آمين -.
[ ١ / ٢١٤ ]