قال الشيخ شعيب: "إنَّ الناظر في تاريخ الأئمة الكبار لتتملّكهـ الحيرة، ويمضُّه الألم، ولا ينقضي منه العجب: كيف وقع فحول المحدِّثين وكبارهم ضحية حروب جدلية شكلية، حمي وطيسها، وارتفعت ألسنة لهيبها، فاضطرت هذا إلى الحروب والفرار، وذاك إلى الاختباء والتواري عن الأنظار، وثالثٌ ألقي في ظلمات السجون تلسعه السياط ليل نهار، والمؤلم والعجيب أنَّ معظم تلك النيران
[ ١ / ١٢٤ ]
المتضرمة كان منشؤها شرر خلافات لفظية لا طائل تحتها، ولا تُقَدِّم من أمر الدين شيئًا ولا تُؤخِّر، ولا شك أنَّ الحسد الذميم هو الذي يذكي أوار مثل تلك الخلافات التي اتخذت مظهر الدفاع عن الدين، وذب البدع المزعومة عن أصوله وأحكامه، ها هو ذا البخاري أمير علم الحديث، وصاحب أصح كتاب بعد كتاب الله ﷿، يُسأل عن اللفظ بالقرآن، فيقول: "القرآن كلام الله غير مخلوق، وأعمالنا مخلوقة". فيتورم لجوابه أنف شيخه محمد بن يحيى الذُّهليّ، ويصيح قائلًا: القرآن كلام الله غير مخلوق، ومن زعم: لفظي بالقرآن مخلوق، فهو مبتدعٌ لا يجلس إلينا.
ثمَّ أعلن أنه سيقاطع كل من يذهب بعد هذا إلى البخاريِّ، فانقطع الناس عنه إِلَّا مسلم بن الحجاج، وأحمد بن سلمة، لكن لم تشتف نفس الذُّهليّ، ولم يذهب غيظ قلبه، وضاقت عليه البلد التي تجمعه، والبخاري، فقال: لا يساكنني محمد بن إسماعيل في البلد، فخشي البخاريّ على نفسه، وسافر من نيسابور.
ولا ننسى أيضًا تلك المأساة التي وقع في أتونها من قبل الإمام أحمد بن حنبل، فقضى ما ينيف على عشر سنوات في سجون خصومه حبيس السياط والعذاب.
وابن حِبَّان أيضًا لم ينج مما وقع فيه مَن قبله، فإنَّ المنزلة الرفيعة التي تبوأها أشعلت الغيرة في صدور حاسديه، فهم يتربصون به هفوة
[ ١ / ١٢٥ ]
أو سقطة أو خطأ، ليملؤوا الدنيا نكيرًا عليه، وينفِّروا قلوب الخلق عنه، ويتورط ابن حِبَّان، فيتفوَّه بعبارة صاغها أسلوبه في فذلكة الكلام، وفلسفة المعاني فيجد فيها المتربصون فرصة ليقيموا عليه الدنيا، وثغرة يلجون منها ليطعنوه طعنة قاتلة ويستريحوا منه، وهم عند عامة الناس منصفون، مقيمون للحد الذي شرعه الله، لقد تورط ابن حِبَّان، فقال: "النبوة: العلم والعمل"، وهذا قول إن أُجري على ظاهره حكم على صاحبه بالزندقة، واستحق به القتل، وهذا ما حدث، فقد حكم عليه بعض أئمة عصره بالزندقة، فهجره الناس ثمَّ كُتب بهذا الأمر الخطير إلى الخليفة، الذي سارع إلى إقامة حد الله على هذا القائل، فأمر بقتله، ولولا أن الله سلَّم لحُزَّ رأسه بحدِّ السيف، فما كان أغنى ابن حِبَّان عن مقالته هذه، لقد أوقع نفسه، وأتعب عارفيه في الدِّفاع عنه، وتأويل عبارته الموهمة هذه، ودفع تهمة الزندقة أن تلتصق به.
فالإمام الذّهبيّ ينقل قصته هذه ثمَّ يقول: "هذه حكايةٌ غريبةٌ، وابن حِبَّان فمن كبار الأئمة، ولسنا ندَّعي فيه العصمة من الخطإ، لكن هذه الكلمة التي أطلقها قد يطلقها المسلم، ويطلقها الزنديق والفيلسوف، فإطلاق المسلم لها لا ينبغي، لكن نعتذر عنه، فنقول: لم يرد حصر المبتدأ في الخبر، ونظير ذلك قوله ﵊: الحج عرفة"، ومعلوم أنَّ الحاج لا يصير بمجرد الوقوف بعرفة حاجًا، بل بقي عليه فروض وواجبات، وإنما ذكر مهم الحج، وكذا
[ ١ / ١٢٦ ]
هذا ذكر مهم النبوة، إذ من أكمل صفات النبي كمال العلم والعمل، فلا يكون أحد نبيًّا إِلَّا بوجودهما، وليس كل من برز فيهما نبيًّا، لأنَّ النبوة موهبة من الحق تعالى، لا حيلة للعبد في اكتسابها، بل بها يتولد العلم اللدنِّي والعمل الصالح، وأما الفيلسوف فيقول: النبوة مكتسبة ينتجها العلم والعمل، فهذا كفرٌ، ولا يريده أبو حاتم أصلًا، وحاشاه" "سير أعلام النبلاء" (١٦/ ٩٦)
وفذلكة ابن حِبَّان أوقعته في حِبَال مشكلة أخرى، وذاك أنه اقتحم في متاهة لا عَلَمَ فيها ولا دليل، وخاض في أمر كان البعد عن خوض لجاجه أسلم لدينه ونفسه، فقد أنكر الحد لله، وصرح بذلك في مقدمة كتابه "الثقات"، فثارت ثائرة الذين أثبتوا لله الحد، واستشاطوا غضبًا، ولم تسترح نفوسهم إِلَّا حين رأوه مطرودًا وحيدًا يُغادر بلدته سِجستان، ويفتخر بطرده يحيى بن عمار ذاك الواعظ في سِجستان حين سأله أبو إسماعيل الهروي: "هل رأيت ابن حِبَّان؟ فيجيبه منتفِخًا متعظمًا رافعًا رأسه: وكيف لم أره؟ نحن أخرجناه من سِجستان".
ويعلِّل ابن عمار سبب طرده ابن حِبَّان، وأنه تقرب بذلك إلى الله، وانتصر بزعمه للدين، فيقول: "كان له علمٌ كثيرٌ، ولم يكن له كبير دين، قدم علينا، فأنكر الحد لله، فأخرجناه من سجستان".
وينتصر لابن حِبَّان من بعده كبار الأئمة كابن حجر الذي قال:
[ ١ / ١٢٧ ]
الحق مع ابن حِبَّان" "لسان الميزان" (٥/ ١١٤).
والسُّبكيُّ فيقول كما في "الطبقات" (٣/ ١٣٢): "انظُر ما أجهل هذا الجارح، وليتَ شعري، من المجروح، مثبت الحد لله أو نافيه؟! ".
وأما إمام الاعتدال الذّهبِيُّ فيردُّ على كلا القولين، ويقول كما في "ميزان الاعتدال" (٣/ ٥٠٧): "إنكاره الحد، وإثباتكم للحد نوع من فضول الكلام، والسكوت عن الطرفين أولى، إذ لم يأت نص بنفي ذلك ولا إثباته … إلى أن قال: فمن نزه الله وسكت، سلم وتابع السلف".
وقال أيضًا كما في "سير أعلام النبلاء" (١٦/ ٩٧): "إنكاركم عليه بدعة أيضًا، والخوض في ذلك مما لم يأذن به الله، ولا أتى نص بإثبات ذلك ولا بنفيه، و"من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه"، وتعالى الله أن يُحدَّ أو يوصف إِلَّا بما وصف به نفسه، أو علمه رسله بالمعنى الذي أراد الله بلا مثل ولا كيف، "ليس كمثله شيء وهو السميع البصير" ا هـ.
وفوق اتهامه بالبدعة والزندقة، ذكره بعضهم في الكذَّابين، مع أنَّه هو الذي قام بكشف أحوال الضعفاء والمجروحين، وبين شروط الثقات والمعدَّلين، لكن يبيد لفضله وتقدمه كما قال تلميذه الحاكم، وبعض هؤلاء الحاسدين المُتَّهمين كان من كبار الحفاظ، مثل أبي
[ ١ / ١٢٨ ]
الفضل أحمد بن علي بن عمرو السُّليمانيِّ البيكنديِّ، من قرية بيكند قرب بخاري فمع أنه تلمذ لابن حِبَّان، وأفاد منه، فقد ترجمه في شيوخه في باب الكذَّابين، فقال: وأبو حاتم محمد بن حِبَّان بن أحمد البستيُّ، قدم علينا من سمرقند سنة ٣٣٠ أو ٣٢٩، فقال لي أبو حاتم سهل بن السري الحافظ: "لا تكتب عنه، فإنه كذابٌ، وقد صنَّف لأبي الطيب المصعبيِّ كتابًا في القرامطة، حتى قلده قضاء سمرقند، فلما أخبر أهل سمرقند بذلك أرادوا أن يقتلوه، فهرب، ودخل بخاري، وأقام دلّالًا في البزَّازين، حتى اشترى له ثيابًا بخمسة آلاف درهم إلى شهرين، وهرب في الليل، وذهب بأموال الناس".
ويذكر أبو عبد الله الحاكم أنَّ السُّليمانيَّ هذا سأله: كتبتَ عن أبي حاتم البستيِّ؟ فقلت: نعم، فقال: إياك أن تروي عنه، فإنه جاءني، فكتب مصنفاتي، وروي عن مشايخي، ثمَّ إنه خرج إلى سِجستان بكتابه في القرامطة إلى ابن بابو حتى قبله، وقلده أعمال سِجستان، فمات بها.
قال السُّليمانيَّ: "فرأيتُ وجهه وجه الكذَّابين، وكلامه كلام الكذَّابين". انظر "معجم البلدان" (بُست).
وطعن السُّليمانيَّ هذا مردودٌ غير مسموع، لأنه شاذٌّ مخالف الأقوال جمهور الأئمة، ثمَّ إنَّ السُّليمانيَّ على جلالة قدره قد عُرف عنه طعنه لعدد من العلماء الثقات لم يكن ابن حِبَّان عنده أحسن حالًا
[ ١ / ١٢٩ ]
منهم، فقد قال الذَّهبِيُّ في ترجمته: "رأيت للسليمانيِّ كتابًا فيه حط على كبار، فلا يُسمع منه ما شذَّ فيه" ا هـ.
وليس من شأن ما هو شاذ أن يثبت أمام الحقائق الساطعة، فهي التي تمكث في الأرض، ويذهب الزبد جفاء، فقد ظل ابن حِبَّان متألقًا في حياته، بل وبعد وفاته، حتى إنَّ الناس كانوا يزورون قبره رغم أنف الحاسدين.