ولد في مدينة "بُست" في أواسط النصف الثاني من القرن الثالث لا على وجه التحديد بسنة معينة حيث لم تشر المصادر إلى سنة ولادته، سوى قول الذَّهَبِيّ: "ولد سنة بضع وسبعين ومئتين".
قال ياقوت الحَمَوِيُّ في "معجم البلدان" عن مدينة (بُست): "مدينة بين سجستان وغزنين وهراة، وأظنها من أعمال كابل فإنَّ
_________________
(١) "الكامل" (٣/ ٤٤، ١٢٨، ٤٣٦)، و(٨/ ٧٩)، و(٩/ ١٤٨)، و"وَفَيات الأعيان" (٦/ ٤٠٢ - ٤٣٢)، و"بلدان الخلافة الشرقية" (ص ٣٧٧)، و(ص ٣٨٣)، و(ص ٣٨٤)، و"البداية والنهاية" (١٢/ ٧٩)، و"نزهة الخاطر" (١/ ٧٩)، و"تاريخ الدول الإسلامية" (١/ ٢٦٣ - ٢٧١)، و(٢/ ٦٢٥، ٦٣٠)، و"معجم الأسرات الحاكمة" (ص ٣٠٢)، و(ص ٤١٩)، و"دائرة المعارف الإسلامية" (بُست)، و(أفغانستان)، و(سجستان)، و(الصفارية)، ومقدمة كتاب "صحيح ابن حِبَّان" بتحقيق الشيخ: شعيب الأرناؤوط - وهو أوسع من ترجم لابن حبان وقد أفدت منه كثيرًا في ما نقلته عن مدينة بست -، ومقدمة كتاب "زوائد رجال صحيح ابن حِبَّان على الكتب الستة" تأليف د/ يحيى الشهريّ.
[ ١ / ٩٣ ]
قياس ما نجِدُه من أخبارها في الأخبار والفتوح كذا يقتضي. وهي من البلاد الحارة المِزاج، وهي كبيرة، ويقال لناحيتها اليوم كرم سير معناه النواحي الحارة المزاج وهي كثيرة الأنهار والبساتين إلا أنَّ الخراب فيها ظاهرٌ، وسُئل عنها بعض الفضلاءِ فقال هي كتثنيتها يعني بُستان، وقد خرج منها جماعة من أعيان الفضلاء".
"وهذه المدينة كانت تعد من أعمال سِجستان، من أجل البلاد الجبلية شرق سِجستان، وتقع على الضفة اليسرى للنهر الكبير هيلمند، إلى الجنوب من الموقع الذي يتصل بنهر أرغنداب، فهي ذات موقع حسن جدًّا، لكونها في الزاوية التي بين هذين النَّهرين في البقعة التي يصبح فيها النهر صالحًا للملاحه، وحيث تلتقي الطرق الآتية من زرنج وهراة لتعبر نهر هيلمند على جسر من السفن، ثمَّ تتابع سيرها إلى بلوخستان والهند، مما جعلها مركزًا تجاريًا إلى بلاد الهند.
وهذه المدينة تقع اليوم ضمن دولة أفغانستان الإسلامية، ولا تزال كثير من أطلالها القديمة شاهدة على ما كان لهذه المدينة من حضارة عامرة.
وبها نشأ، وكذا أبوه، وربما أجداده، وليس هناك من النصوص ما يلقي الضوء على هذه الفترة التي قضاها في مسقط رأسه".
"وكانت تمتاز بكثرة الزروع والنخيل والأعناب والفواكه، نظرًا لوفرة مياهها، وخصب أرضها، إلا أنَّ حوادث الزمان امتدت
[ ١ / ٩٤ ]
إليها، لتغتال بهاءها، فأجالت فيها يد الخراب، وأحالت بساتينها الغناء إلى صحراء مجدبة، وكان بدء ذلك حين اكتسح علاء الدين حسن جهان سوز (أي محرق العالم) الغوريّ مملكة الغزنويين، وكانت إحدى مدنها، فلحقها ما لحق بمدن الغزنويين من الخراب، وذلك حوالي سنة ٥٤٥ هـ.
ويصفها ياقوت في أوائل القرن السابع الهجريّ، فيقول: والخراب فيها ظاهرٌ"، وكان من الممكن لهذه المدينة أنَّ تلتقط أنفاسها، فترمم ما تهدم منها، لولا أنَّ تيمور أجهز عليها في أواخر القرن الثامن، فأوقع بها وبما جاورها الدَّمار، حين زحف إليها من زرنج، ولم يبق من بُست إلا حصنها الذي ظل يقاوم الأحداث بفضل موقعه الحربيّ، إلى أن خربه نادر شاه في القرن الثاني عشر الهجري عام ١١١٧ هـ = ١٧٣٨ م، ولا تزال أسواره قائمة على شاطيء الهيلمند، كما أنَّ الأطلال التي تشغل مساحة كبيرة من الأرض تشهد على ما كان لهذه المدينة من عظمة وبهاء".
"وكانت بُست قد دخلت في حوزة المسلمين سنة ثلاث وأربعين للهجرة، إذ افتتحها عبد الرحمن بن سمرة، ثمَّ تقدَّم منها حتى بلغ كابل، ففتحها، وأسر الشَّاه. وتوالى على سِجستان - ومنها بُست - ولاة بني أمية، ثمَّ ولاة بني العباس، إلا أنهم كانوا في نزاع مستمر مع الأمراء المستقلين للبلاد المجاورة، والذين كانوا يلقبون برتبيل، إلى أن
[ ١ / ٩٥ ]
استطاع رجل من أهل سِجستان، ذو جرأة نادرة، وشجاعة فائقة، كان في أول أمره نحَّاسًا، هو يعقوب بن الليث الصفَّار، استطاع أن يغلب على إقليم سِجستان سنة ٢٥٤ هـ، ثمَّ سار ليبسط سيطرته على هراة، وبوشنج، وكِرمان، والسِّند، وفارس، وبلخ، مبتدئًا عهد الدَّولة الصفارية، ويموت يعقوب سنة ٢٦٥ هـ ليخلفه أخوه عمر الذي أظهر الطاعة للخليفة العباسيِّ، فولاه على ولايات سِجستان، وخُراسان، وفارس، وأصفهان، وكرمان، والسِّند، غير أنَّ تزايد سطوته أثارت قلق الخليفة وتوجسه، فوجه إليه جيشًا بقيادة إسماعيل بن أحمد السامانيّ، فيقع عمر أسيرًا في بلخ سنة ٢٨٧ هـ، ثمَّ يموت سنة ٢٨٩ هـ، وتتقلص بذلك سيطرة الصفاريين عن تلك الولايات الواسعة، لتقع في قبضة السامانيين الذين أبقوا لبني الصفَّار حكم إقليم سِجستان في ظل سيادتهم وتحت سيطرتهم، ويستمر حكم الدَّولة السامانية حتى سنة ٣٨٩ هـ، حيث وافاها ما تلاقيه الدول، حين دهمت خيول الغزنويين بلاد السامانيين، فأسقطت حكمهم، وأنهت سيطرتهم، لتبدأ أيام الدولة الغزنوية".
"في هذه الحقبة من الزمن (أعني عهدي الصفاريين والسامانيين) عاش ابن حِبَّان، فقد ولد في عشر الثمانين ومئتين للهجرة، ولم يذكر أحد سنة ولادته تحديدًا، لكنهم اتفقوا على أنه توفي سنة ٣٥٤ هـ في عشر الثمانين".
[ ١ / ٩٦ ]