قال الشيخ شعيب: "تكاثر عليه الطلبة للأخذ عنه، والإفادة منه، ولتحصيل الأسانيد العالية قصده الطلبة من الآفاق، كما قال الحاكم: "وكانت الرحلة إليه لسماع كتبه" "سير أعلام النبلاء" (١٦/ ٩٤)، وكان يُقرئ، ويعلِّم في كل بلد يحل فيه، قال أبو سعد الإدريسيُّ: وفقَّه الناس بسمرقند.
وقال الحاكم: "انصرف إلينا في سنة سبع (يعني سبع وثلاثين وثلاث مئة)، فأقام عندنا بنيسابور، وبني الخانقاه، وقُرئ عليه جملة من مصنَّفاته" ا هـ.
وكانت رغبته في نشر العلم، وحرصه على بثه، وبذله، مصاحبًا لفراسة صادقة، وبصيرة نافذة، يستشف بهما من هو أهل للتعلم، فيخصه بمزيد من العناية، يقول الحاكم: "ورد نيسابور سنة ٣٣٤،
[ ١ / ١٣٠ ]
وحضرناه يوم جمعة بعد الصلاة، فلما سألناه الحديث، نظر إلى الناس وأنا أصغرهم سنًا، فقال: "استملِ، فقلتُ: نعم، فاستمليتُ عليه" ا هـ.
وإذ كان يولي عنايته من تفرَّس فيه النباهة، وتوسم فيه التفوق، فقد كان بعض تلامذته من كبار العلماء، وأعلام الحفاظ فمنهم: أبو عبد الله الحاكم النَّيسابوريُّ، وأبو عبد الله محمد بن أبي يعقوب إسحاق بن محمد بن يحيى بن منده العبديُّ الأصبهانِيُّ، وأبو الحسن علي بن عمر بن أحمد بن مهدي الدَّارقطنيُّ، وأبو علي منصور بن عبد الله بن خالد بن أحمد الذُّهليُّ الخَالِدِيُّ"، وغيرهم ممن تقدم ذكره.
ويسجل التاريخ هنا مأثرة عظيمة لابن حِبَّان، كان له فيها فضل السبق والتقدم، فهو بالإضافة إلى قيامه ببذل علومه الغزيرة، وإقراء مصنَّفاته النفيسة لعدد لا يحصى من الطلاب، هو من أوائل - بل لعلَّه أوَّل - من حوَّل مكتبته الخاصة الأثيرة لديه، والتي أنفق في تحصيلها وجمعها عمره وماله، حولها إلى مكتبة عامة يفيد منها طلاب العلم كافَّة غنيهم وفقيرهم، ذكر ذلك مسعود السجزيّ كما نقل عنه ياقوت، فقال: "سَبَّل كتبه، ووقفها، وجمعها في دار رسمها لها"، ثمَّ عَمَد إلى داره فأوصى أن تُحوَّل إلى مدرسة لأصحابه، ومسكن للطلاب الغرباء الذين يفدون لطلب العلم من حديثٍ، وفقهٍ، وغير ذلك، ولم يكتف ابن حِبَّان بوقف المكتبة والمدرسة والمسكن، فقد بقي
[ ١ / ١٣١ ]
أمام الطلبة هَمُّ المعيشة، فكفاهم ذلك بأن وَقَف لهم جِراياتٍ يستنفقونها، ليتفرغوا لطلب العلم، ويتوجهوا إلى تحصيله بصفاء ذهن وراحة بال. انظر "معجم البلدان" (بُست)، و"مقدمة الأمير علاء الدين" للصحيح.
ويكون ابن حِبَّان بإنشائه هذه المدرسة قد سبق الملك العادل نور الدين الزنكيّ ﵁ بأكثر من قرنين وثلث القرن، ويمكن أن نصحِّحَ هنا ما أورده ابن الأثير في كتابه.
"التاريخ الباهر" ص (١٧٢)، وتابعه عليه المقريزيّ في "الخطط والاعتباره (٢/ ٣٧٥)، من أنَّ نور الدين أول من بنى دارًا للحديث.
ولخوف ابن حِبَّان على ضياع الكتب أو فقدانها من المكتبة التي وقفها - وهو يعلم أنَّ الإعارة مضيعة للكتب - فقد اشترط ألا تخرج من الدَّار التي وقفها فيها، أي منع الإعارة الخارجية التي تذهب بالكتب شيئًا فشيئًا، وجعل خزانة الكتب في يدي وصي سلمها إليه، ليبذلها لمن يريد نسخ شيء منها من غير أن يخرجه منها، هكذا أحكم ابن حِبَّان الأمر، وأحاط تلك المكتبة بسياج الصيانة والحفظ، إِلَّا أنَّ حوادث الدَّهر امتدت إليها على حين غفلة من أهلها، لتبعثرها وتبددها، وتخفي نفائسها وكنوزها، وذاك بعد قرابة مئة عام من موت واقفها ابن حِبَّان، ويذكر ذلك مسعود السجزيّ للخطيب البغداديّ
[ ١ / ١٣٢ ]
بحرقة، فيقول: "فكان السبب في ذهابها مع تطاول الزمان ضعف السلطان، واستيلاء ذوي العبث والفساد على أهل تلك البلاد".
"معجم البلدان" (بُست). فلا حول ولا قوة إِلَّا بالله.