أعلام الأفارقة:
نظرا للمادة الغزيرة التي احتواها كتاب «رياض النفوس» فقد أقبل طلبة العلم على روايته ودراسته. ولعل أقدم من وقفنا عليه من العلماء الذين تلقوه مباشرة عن مؤلفه هو الامام الشهير محمد بن علي المازري المتوفى سنة ٥٣٦ (٩٣).
_________________
(١) الرياض: فهرس الأعلام.
(٢) الرياض ٤٦٤، ٤٥١، ٢٢٩: ٢.
(٣) الرياض ٢٧٣: ٢.
(٤) نفسه ١٦٨: ٢.
(٥) الرياض ٢٣: ١.
(٦) الرياض ١٥٤: ١ - ١٥٨.
(٧) المعيار المغرب ٣٦٣: ١١، حيث نجد النص الذي أسنده عن المالكي بنصّه في الرياض ٤٩٧: ١ ويراجع الإمام المازري للمرحوم ح. ح. عبد الوهاب ص ٧٨ - ٨٠، (هامش ٢) فإلى شيخنا -رحمة الله عليه-يرجع الفضل في اطلاعنا على هذا النص.
[ مقدمة / ٢٦ ]
كما نجد معاصره أبا بكر محمد بن الوليد الطرطوشي المتوفى سنة ٥٢٥ يعتمده في كتابه «الحوادث والبدع» وينقل عنه (٩٤).
وفي نفس الفترة تقريبا نرى القاضي عياض بن موسى اليحصبي المتوفى سنة ٥٤٤ يعتمد الكتاب اعتمادا كليا في تراجم علماء المالكية من أهل افريقية.
وبعد هذا بيسير، وبالضبط سنة ٥٩٨، تطوّر الاهتمام بالكتاب إلى الاختصار فيعمد إلى اختصاره يحيى بن ابراهيم بن علي وهو المختصر الواصل إلينا وسنتحدث عنه بعد قليل.
وآخر من وقفنا عليه من المغاربة ينقل عن رياض النفوس: الحافظ محمد بن أبي بكر بن الابار البلنسي نزيل تونس المتوفى سنة ٦٥٩ وذلك في كتابه الشهير «التكملة لكتاب الصلة» (٩٥).
وإذا انتقلنا إلى المشرق يصادفنا اعتماد الكتاب من طرف عالمين كبيرين أولهما:
احمد بن عبد القادر بن مكتوم القيسي العالم والمؤرّخ المصري المتوفى سنة ٧٤٩ (٩٦) وبعده بقرن أو يزيد نرى الحافظ أحمد بن علي بن حجر العسقلاني ينقل عنه في كتابيه «تهذيب التهذيب» (٩٧) و«لسان الميزان» (٩٨).
وهنا لا يفوتنا أن ننبّه أن صاحبي المعالم-الدباغ وابن ناجي-لم يعتمدا نسخة تامة من الكتاب حتى في صورته الواصلة إلينا، بل إن مقارنتنا للنصوص المنسوبة للمالكي والواردة في المعالم تجعلنا نجزم انهما لم يطلعا إلا على المختصر الذي صنعه يحيى بن ابراهيم بن علي.
وهنا نصل إلى نقطة مهمة جديرة بالتوقف عندها هي: هل ان الواصل إلينا من الرياض هو مختصر للكتاب؟ وهل يمكننا القول بأن الأصول الواصلة إلينا كلها «قد أخذت عن أصل حاول صاحبه أن يختصره فلم يعرف» حسب تعبير الاستاذ مؤنس (٩٩)؟
_________________
(١) الحوادث والبدع ص ١١٧.
(٢) التكلمة ص ٤٣١، ٧٢ (ط.مدريد ١٨٨٧)، ص ٢٩٧ (ط.مدريد ١٩١٥).
(٣) وذلك في اختصاره لإنباه الرواة على أنباه النحاة (الإنباه ٢١١: ٢ (هامش ٢).
(٤) تهذيب التهذيب ٨٢: ٦.
(٥) ينظر تعليقنا رقم ٩.
(٦) الرياض (ط أولى) ٦٤ م.
[ مقدمة / ٢٧ ]
أم هل هناك مختصران للكتاب أحدهما أكبر حجما من الآخر كما يقول الأستاذ إدريس (١٠٠)؟
ويشير الأستاذان: إدريس ومؤنس إلى ما جاء في صفحة العنوان من مخطوطة باريس «صر كتاب رياض النفوس» ثم يتساءلان عمّا إذا كان الحرفان الأولان بقية من كلمة «مختصر».
وأمام هذه التساؤلات، وبعد اطلاعنا على نسخة المختصر ودراستها، ودراسة نقول المؤرخين عن الرياض الواصلة إلينا يمكننا تسجيل الملاحظات التالية:
١ - ان مؤلف الرياض ضعيف في تنسيق الأخبار وسرد الروايات فهو يخلط أخبار احمد بن معتب بأخبار عبد الجبّار بن خالد كما يخلط أخبار أبي عبد الله السدري بأخبار محمد بن بدر الجذامي. أما الخلط في مجال الوفيات فشيء لا يضبطه حصر. وضعف المؤلف في طريقة التأليف هو الذي يفسّر لنا إغفال المؤلف لأعلام مشاهير مثل: عيسى بن مسكين.
٢ - أما بالنسبة لوجود نصوص في المدارك والمعالم مسندة عن المالكي ولا نجدها في نسخة الرياض الواصلة إلينا فالإجابة عنها تتلخص في نقطتين:
أ) بالنسبة للنصوص الواردة في المعالم نعتبر أنفسنا قد فرغنا من أمرها بعد ما اكتشفنا أن نقول صاحبي المعالم هي عن مختصر الرياض ليحيى بن ابراهيم بن علي، وقد نقلا -خاصة ابن ناجي-حتى الأخطاء والتصحيفات التي وقع فيها صاحب المختصر.
نعم نجد في المعالم نصوصا مسندة عن المالكي-وهي قليلة لا تتجاوز الخمسة عشر-وبمقارنتها بما جاء في المدارك من نقول عن المالكي نجد أن أكثر هذه النصوص أخذها ابن ناجي عن رواية المدارك وليست عن الرياض مباشرة. وإذا وجدنا بضعة نصوص لا تتجاوز عدد أصابع اليد الواحدة مسندة عن المالكي في المعالم ولا أصل لها في ما وصلنا من الرياض ولا المدارك فإن التفسير الوحيد لذلك هو أن ابن ناجي قد نقل تلك النصوص بواسطة مصدر آخر-ولم يشر إليه-كالعواني مثلا.
_________________
(١) هـ.ر. إدريس. في دراسته عن الرياض (م. الدراسات الاسلامية (١٩٣٥) ص ١١٨ - ١١٩).
[ مقدمة / ٢٨ ]
ب) أما بالنسبة للنقول الواردة في المدارك فهي تستحق العناية والدراسة حقا وهي تتمثل في نصوص وتراجم موضعها الجزء الأول والثاني بينما خلت منها النسخ الواصلة إلينا، وهذا لا نفسّره إلا بوجود رواية ثانية أكثر تراجم وأكثر تفاصيل. ويبدو أنها كانت قليلة الانتشار ومحدودة النسخ، وممن وقف عليها القاضي عياض.
وإذا تتبعنا تراجم المدارك الافريقية الواردة في الجزءين السادس والسابع نجد عياض يسند عن المالكي أخبارا في تراجم أعلام توفوا في آخر القرن الرابع الهجري سنة ٣٩٥ ونظرا لوفرة هؤلاء الأعلام فاننا نرجّح أن هناك جزءا ثالثا من الرياض لكن لم نقف على أحد اطّلع عليه غير القاضي عياض.