[سبب غزو إفريقية] (١) وأما سبب غزوها واختطاط مدينة القيروان، فذكر الواقدي قال (٢): لما عزل عمرو ابن العاص عن مصر، وولى عبد الله بن أبي سرح في سنة خمس وعشرين، بعث المسلمين في جرائد الخيل-كما كانوا يعملون في ولاية عمرو-فأصابوا من أطراف إفريقية وغنموا، فجاءوا بالغنائم إلى عبد الله، فكتب إلى عثمان يخبره بما نال المسلمون من عدوهم، وقربهم من حوز المسلمين.
حدّث (٣) [الواقدي] (٤) عن المسور بن مخرمة بن نوفل الزهري (٥) قال:
«خرجت من منزلي بليل طويل أريد المسجد، فإذا عثمان رضي الله تعالى عنه في مصلى النبي ﷺ يصلي، فصليت خلفه، ثم جلس فدعا ليلا طويلا، حتى أذن المؤذن، ثم قام منصرفا إلى بيته، فقمت في وجهه فسلمت عليه، فقال: «يا ابن مخرمة»، واتكأ على يدي، «إني استخرت الله تعالى في ليلتي هذه في بعث الجيوش إلى إفريقية، وقد كتب إليّ عبد الله بن سعد يخبر بخبره مع المشركين وغلبهم وقرب حوزهم من المسلمين (٦)» فقلت: «خار الله لأمير المسلمين» قال: «فما رأيك يا ابن مخرمة؟» قلت: «اغزهم (٧)» قال: «اجمع اليوم الأكابر من أصحاب رسول الله ﷺ، وأستشيرهم، فما أجمعوا عليه فعلته، أو ما أجمع عليه أكثرهم فعلته،
_________________
(١) العنوان غير وارد في النص وأخذناه من العبارة التي استهل بها المؤلف كلامه.
(٢) النص في الطبقات ص ١٢ - ١٤، ومنه مقتبسات في: نهاية الأرب ٥: ٢ - ٦، معالم الايمان ٣٣: ١، صلة السمط ١١٠: ٤ و١١٠ ط،
(٣) في الأصل: فحدث.
(٤) زيادة من الطبقات.
(٥) في الأصل: من طريق الزهري قال المسور. وعبارة «من طريق الزهري» ليست في محلها وقد رجحت أن تكون محرفة عن اسم جد «المسور» وهو: «نوفل» تراجع ترجمة المسور في الاصابة ٤١٩: ٣.
(٦) عبارة الطبقات: يخبر بجرة المسلمين عليهم وقرب حوزهم من المسلمين.
(٧) في الأصل: أغزوهم. والمثبت من الطبقات.
[ ١ / ١٤ ]
فكن (٨) أنت رسولي إليهم، واحضر معهم» فقلت (٩): «لم (١٠) قلت لي اجمع ولم تسم لي من أجمع؟» فقال: «إيت عليا وطلحة والزبير والعبّاس»، وذكر رجالا، فخلا بكل واحد منهم في المسجد، ثم دعا أبا الأعور (١١) سعيد بن زيد، فقال له عثمان:
«ما (١٢) كرهت يا أبا الأعور من بعثة الجيوش الى إفريقية؟» فقال له: «سمعت عمر يقول: «لا أغزيها أحدا من المسلمين ما حملت عيناي الماء»، فلا أرى لك خلاف عمر (١٣)»، «والله ما نخافهم، وإنهم لراضون أن يقروا في مواضعهم [فلا يغزون] (١٤)» فلم يختلف أحد ممن شاوره غيره.
ثم (١٥) خطب الناس وندبهم إلى الغزو (١٦) إلى إفريقية، فخرج جماعة من الصحابة منهم عبد الله بن الزبير وأبو ذر الغفاري (١٧)، وعبد الله [ابن] (١٨) عباس ومسور بن مخرمة (١٩) ومقداد بن الأسود (٢٠) [وعبد الرحمن بن الأسود بن] (٢١) عبد يغوث وعبد
_________________
(١) في الأصل: ولكن. والمثبت من الطبقات.
(٢) في الأصل: فقال. والمثبت من الطبقات.
(٣) في الطبقات: انك.
(٤) في الأصل: بالأعور. وسيأتي على هذا النحو في هذه السطور وهو من مشاهير الصحابة.
(٥) في الأصل: لم. والاصلاح من الطبقات.
(٦) أضاف الناشر السابق هنا بين معقفين [فقال له عثمان] وبذلك يصبح الكلام الموالي من كلام عثمان بل هو بقية كلام أبي الأعور سعيد بن زيد كما في الطبقات.
(٧) زيادة من الطبقات. وعبارة أبي العرب: «وإنهم ليرضون أن يقرّوا في موضعهم فلا يغزون».
(٨) قارن هذا النص بما جاء في طبقات أبي العرب ص ١٣ - ١٤، ونهاية الأرب ٥: ٢، وصلة السمط ١١٠: ٤ و، البيان المغرب ٩: ١، الروض المعطار ص ٤٧.
(٩) في الأصل الغز. والمثبت من نهاية الأرب.
(١٠) ورد هنا عبارة «وفي نسخة: عبد الله بن عباس» وهي تفيد أن ناسخ هذه النسخة كان ينقل عن أكثر من أصل، كما تفيدنا أن بعض أصول الرياض قد أسقطت اسم ابن عباس من قائمة الصحابة الداخلين إلى إفريقية في هذه الغزوة. وعلى كل فهو مترجم في الرياض ضمن الصحابة وكذا في المعالم (١٠٧: ١) وذكره المؤرخون عند تعدادهم للصحابة الداخلين في هذه الغزوة ينظر: طبقات أبي العرب، نهاية الأرب (تعليقنا رقم ١٥).
(١١) زيادة من الطبقات ونهاية الأرب.
(١٢) في الأصل: مسور بن زهرة. والاصلاح من الطبقات ونهاية الأرب.
(١٣) كذا في الأصل. وفي نهاية الأرب: المقداد بن عمرو البهراني. وبهذا الاسم سيترجم له المالكي في قسم التراجم وسنفسر هناك التسميتين.
(١٤) زيادة من الطبقات ونهاية الأرب. وتراجع ترجمته في طبقات ابن سعد ٧: ٥.
[ ١ / ١٥ ]
الرحمن (٢٢) بن أبي بكر الصديق وعبد الرحمن بن صبيحة (٢٣) وعبد الله بن عمر بن الخطاب وأخواه عبيد الله وعاصم وعبد الرحمن بن زيد بن الخطاب وعبد الله بن عمرو بن العاص والمطلب بن السائب بن [أبي] وداعة والسائب بن عامر [بن هشام] (٢٤) وبسر (٢٥) بن أرطاة. ومع كل واحد منهم جماعة من قومه. وخرج من «أسلم» ثلاثمائة رجل، منهم حمزة بن عمرو (٢٦) [الأسلمي] (٢٧)، وسلمة بن الأكوع. وخرج من «مزينة» ثمانمائة، منهم بلال بن الحارث [المزني] (٢٨)، وكان اللواء بيده، وخرج من «بني سليم» أربعمائة وخمسون، وغيرهم من قبائل شتى (٢٩). خرج جميعهم مع عبد الله بن أبي سرح العامري سنة سبع وعشرين من الهجرة. وكانت هذه الغزاة تسمى «غزوة العبادلة».
وروى الواقدي (٣٠)، عن ربيعة الديلي، قال: «أغزانا عثمان إفريقية، فخرجنا،
_________________
(١) في الأصل عاصم والمثبت من الطبقات ونهاية الأرب.
(٢) في نهاية الأرب: عبد الرحمن بن طلحة. وهو تصحيف. وعبد الرحمن بن صبيحة بن الحارث من تيم بن مرة. تراجع طبقات ابن سعد (٧: ٥ - ٨) تجريد الصحابة (٣٤٩: ١).
(٣) زيادة من الطبقات ونهاية الأرب. يبدو أن هناك خطأ متداولا في كتب التاريخ المغربية بخصوص اسم هذا الشخص ذلك أن أبا العرب والنويري والمالكي ذكروه ضمن فرسان بني عامر بن لؤي الداخلين إلى افريقية (وهم قوم عبد الله بن أبي سرح أمير الجيش) ولكن كتب الانساب وتراجم الصحابة وتواريخ الفتوح لا تذكر شخصا بهذا الاسم. نعم ذكر ابن حزم (جمهرة الأنساب ١٧٠) عند تعريفه ببني حسل بن عامر بن لؤي: هشام بن عمرو بن ربيعة. وهو معدود في الصحابة مذكور في كتب السيرة (الاستيعاب ١٥٤١: ٤) ونسب له ابن عبد الحكم (فتوح مصر ص ٢٣٣ - ٢٣٤) ولدا سمّاه «السائب بن هشام بن عمرو» قال عنه: شهد فتح مصر وهو معدود في أهلها. كان على شرط ابن أبي سرح ثم ولاه عمرو بن العاص شرطه بعد خارجة بن حذافة. تجريد الصحابة (٢٠٧: ١) حسن المحاضرة (٢٠٣: ١).
(٤) في الأصل: بشر. والتصويب من الطبقات ويراجع الاكمال (٢٦٨: ١).
(٥) في الاصل حمزة وعمر. وكذا في الطبعة السابقة. والمثبت من الطبقات ونهاية الأرب.
(٦) زيادة من الطبقات. وفي نهاية الأرب: السلمي. وهو تحريف.
(٧) زيادة من الطبقات ونهاية الأرب.
(٨) تعتبر رواية طبقات أبي العرب ص ١٣ - ١٤ ونهاية الأرب ٥: ٢٢ - ٦ أو فى الروايات عن أسماء الصحابة الداخلين إلى افريقية وانتماءاتهم القبلية.
(٩) النص بهذا الاسناد في الطبقات ص ١٤ - ١٥ إلا أنّ أبا العرب اكتفى بجزء يسير من أول النص. وأوفى من رواية الطبقات ما جاء في نهاية الأرب ٧: ٢٢ ومعالم الإيمان ٣٣: ١ - ٣٤ وصلة السمط ١١٠: ٤ و-١١٠ ظ.
[ ١ / ١٦ ]
فقدمنا مصر، فخرج عبد الله بن سعد، وهو أميرنا، بمن كان معه في مصر ومن قدم إليه من المدينة، فكانوا عشرين ألفا، يريد إلى «البطريق جر جير» بإفريقية، [و] كان قد غلب على المغرب. فلما فصلنا من مصر تقدمت [الطلائع] (٣١) فوصلت «أطرابلس» (٣٢)، وإذا ثمّ مراكب (٣٣) قد أرست، فشدوا عليهم، فأقاموا ساعة ثم استأسروا، فكتفوا، وهم مائة، حتى لحق بنا (٣٤) ابن أبي سرح فقتلهم، وتحصن أهل أطرابلس، ولم يعرضوا لنا، ولم نهجهم، وأخذنا ما في السفن، فكانت هذه أول غنيمة أصيبت».
«ثم تمادينا إلى إفريقية، ونحرنا الإبل وذبحنا البقر، وأخذنا العلف والسّبد (٣٥) [وبثثنا السرايا] (٣٦) تضرب (٣٧) في كل جهة، وأقمنا أياما تجري بيننا وبين «جرجير» ملكهم الرسل، ندعوه إلى الإسلام، فكلما دعوناه إلى الإسلام، نخر، ثم استطال وقال:
«لا أفعل هذا أبدا!» فقلنا له: «فتخرج الجزية (٣٨) في كل عام» فقال: «لو سألتموني درهما لم أفعل!» فتهيأ الناس للقتال، وعبأ الناس عبد الله بن سعد ميمنة وميسرة [وقلبا] (٣٩)، وسار بأصحابه، فقال له رجل من القبط ممن كان معه: «إن القوم لا
_________________
(١) زيادة يقتضيها السياق. وقد وضع ناشر الطبعة السابقة في مكانها «سرية» وما أثبتناه استندنا فيه إلى نص أبي العرب: «فلما فصل عبد الله من مصر كان يقدم الطلائع أمامه» ومثله نص نهاية الأرب ومعالم الايمان وصلة السمط.
(٢) في الأصل: طرابلس. والمثبت من صلة السمط.وكذا كانت تكتب في الكتب العربية القديمة ينظر: فتوح مصر ص ١٧٣، ١٧٢، ١٧١، المقدسي وصف المغرب ص ١٢.
(٣) في الأصل: مركب، والمثبت من صلة السمط ونهاية الأرب ومعالم الايمان.
(٤) في الأصل: لحقهم، والمثبت من نهاية الأرب، وفي المعالم: لحقتا.
(٥) في الأصل: بدون إعجام. وضبطها ناشر الطبعة السابقة بدون أن يشرح معناها. وفي اللسان (سبد) السبد: الوبر، وقيل: الشعر، وفي المثل: ما له سبد ولا لبد أي ما له وبر ولا صوف. يكنّى بهما عن الإبل والغنم وقيل: عن المعز والضان، وبهذا سمي المال سبدا.
(٦) زيادة يقتضيها السياق، وقد وضع ناشر الطبعة السابقة مكانها: «وجعلنا» وما أثبتناه استندنا فيه إلى نص نهاية الأرب: «فسار (عبد الله بن سعد) وبث السرايا في كل وجه».وتراجع نصوص: صلة السمط ومعالم الايمان والبيان المغرب، فهي قريبة من نص نهاية الأرب.
(٧) في المطبوعة السابقة: نضرب.
(٨) في المعالم: تخرج خراجا، وفي نهاية الأرب: فخراج تخرجه، ولفظ الرياض أدق.
(٩) زيادة من المعالم ونهاية الأرب.
[ ١ / ١٧ ]
يصافّونك (٤٠)، هم أرعب منك من أن يصافوك، وهم يهربون منك، فاجعل لهم كمينا وفرقهم في أماكن»؛ ففعل ذلك عبد الله، وغدا بنا على تعبئة و[الروم] (٤١) قد رفعوا الصّلب (٤٢)، وعليهم من السلاح ما الله أعلم به، ومعهم من الخيل ما لا يحصى، فتصاولنا (٤٣) ساعة من نهار حتى صارت الشمس قدر رمحين، وحمل عبد الله بالناس، فكانت الهزيمة عليهم، وكر الكمين (٤٤) عليهم في كل مكان، فأكثروا فيهم القتل والأسر: لقد رأيت في موضع واحد ألف أسير. فلما أصابهم الأسر والقتل طلبوا الصلح، فصالحهم عبد الله بن سعد على خرج (٤٥).
قيل: صالحهم على ألفي ألف دينار وخمسمائة ألف دينار».
قال «شباب العصفري» (٤٦) في تاريخه (٤٧): غزا عبد الله بن سعد إفريقية مع جماعة من الصحابة، فلقي جرجير في «سبيطلة»، وهي مدينة مسورة/على سبعين
_________________
(١) في الأصل: لا يصافوك والاصلاح من المعالم، وفي المعجم الوسيط (صفف)، صاف الجيش عدوه: قاتله صفوفا.
(٢) زيادة من المعالم.
(٣) كذا في الأصل، وهو جمع صليب (المعجم الوسيط: صلب).
(٤) في الأصل: فتساولنا. والاصلاح من المعالم.
(٥) في الأصل: المسلمون، والمثبت من المعالم. وقد تقدم في أول النص أن القبطي نصح ابن أبي سرح بأن يجعل لهم كمينا يفرقه في أماكن.
(٦) في المعالم: الخراج وهما بمعنى واحد. في المصباح (خرج) الخراج والخرج: ما يحصل من غلة الأرض ولذلك أطلق على الجزية.
(٧) في الأصل والمطبوعة بدون إعجام. ولاحظ الناشر السابق أنه لم يرد ذكر هذا المؤرخ إلاّ عند المالكي. وشباب العصفري: لقب خليفة بن خياط، محدث صدوق، كان إخباريا علاّمة توفي سنة ٢٤٠، تقريب التهذيب ٢٢٧: ١.تبصير المنتبه ٧٦٧: ٢.له تاريخ مشهور عثر عليه أخيرا ونشر نشرتين الأولى في النجف سنة ١٩٦٧/ ١٣٨٦ بتحقيق أكرم ضياء العمري وتقع في جزءين أرقامهما متالية والثانية في دمشق (وزارة الثقافة) ١٩٦٨/ ١٩٦٧ بتحقيق سهيل زكار وتقع أيضا في جزءين. وقد اعتمدنا في إحالتنا على طبعه النجف بتحقيق الاستاذ العمري وذلك لتوفرها في السوق التونسية.
(٨) تاريخ خليفة بن خياط ١٣٤: ١ - ١٣٥ ويبدو أن المالكي اختصر نص خليفة.
[ ١ / ١٨ ]
ميلا من القيروان، فقتل جرجير (٤٨) وهو [في] (٤٩) مائة ألف (٥٠)، وصالح أهل المدائن والحصون على مائة ألف (٥٠) رطل ذهب.
قال (٥١) «أبو عثمان سعيد بن عفير (٥٢)» في تاريخه (٥٣): لما سمعت الروم والأزارقة (٥٤) بمخرج عبد الله ووصوله إلى إفريقية، خرجوا إليه ومعهم «جرجير» في جمع (٥٥) [كثير] (٥٦) من الروم، فلما التقوا بالمسلمين نادى «جرجير» بالبراز، فبرز إليه عبد الله بن الزبير ومروان بن الحكم، فقتله ابن الزبير، ومنهم من قال [قتلاه جميعا] (٥٦). ثم كانت الهزيمة، واتخذ المسلمون ذلك المنزل مسعكرا، وأصابوا لهم غنائم كثيرة، فأصاب الفارس في سهمه (٥٧) ثلاثة آلاف دينار، ثم ساروا إلى البلاد ففتحوها كل مدينة عنوة.
الواقدي (٥٨) بلغه أن عبد الله بن الزبير قال (٥٩): «أغزانا عثمان، رضي الله تعالى عنه، إفريقية. وكان بها بطريق يسمى «جرجير» كان سلطانه من أطرابلس (٦٠) إلى
_________________
(١) في الأصل: جرجيرا. والاصلاح من تاريخ خليفة والمعالم وتاريخ الاسلام للذهبي ٧٩: ٢.
(٢) زيادة من تاريخ خليفة والمعالم وتاريخ الاسلام.
(٣) كذا في المعالم أيضا. وفي تاريخ خليفة: مائتي ألف.
(٤) الخبر في المعالم ٣٥: ١ بهذا الإسناد.
(٥) هو أبو عثمان سعيد بن كثير بن عفير. مصري، من أصحاب مالك. كان علاّمة بأخبار الناس. ولد سنة ١٤٧ وتوفي ٢٢٦ هـ.ترتيب المدارك ٢٧٣، ٢٧٢: ٣.
(٦) ذكره أبو بكر بن خير في فهرسته ص ٢٢٨.
(٧) كذا في الأصل والمعالم. ويرى الاستاذ إبراهيم شبوح في تعليقه على نص المعالم أنه ربما كان مصحفا عن «الأفارقة» وهو اصطلاح قديم استعمله ابن عبد الحكم في فتوح مصر ص ١٨٥ وعبارته: «فبالافارقة سميت إفريقية» وينظر: البيان المغرب ١٢: ١، الروض المعطار ص ٤٨.
(٨) في الأصل: جميع، والمثبت من المعالم.
(٩) زيادة من المعالم.
(١٠) في الأصل: في سهم.
(١١) الخبر بنصه في فتوح البلدان ص ٢٦٧ - ٢٦٨ مسندا عن الواقدي. وتمام السند «حدثني محمد بن سعد عن الواقدي عن أسامة بن زيد بن أسلم عن نافع مولى آل الزبير عن عبد الله بن الزبير قال ».
(١٢) في الأصل: انه قال «وقد رأينا حذف (أنه) لأنها زائدة».
(١٣) في الأصل: طرابلس. والمثبت من فتوح البلدان.
[ ١ / ١٩ ]
طنجة، فسار عبد الله حتى حل به (٦١)، فقاتله أياما، فقتله الله ﷿، وكنت أنا الذي قتلته، فهرب جيشه. وقطّع ابن أبي سرح السرايا وفرقها في البلاد، فأصابوا غنائم كثيرة، فساقوا ما قدروا عليه (٦٢)، فلما رأى ذلك رؤساء أهل إفريقية، اجتمعوا وطلبوا أن يؤخذ منهم ثلاثمائة قنطار [من] (٦٣) ذهب، على أن يكف عنهم ويخرج من بلادهم، فقبل ذلك منهم ابن أبي سرح.
وذكر (٦٤) بعض أهل العلم بالسّير ومغازي إفريقية أن عبد الله بن سعد نزل بموضع يسمى «قمّونية»، وهو موضع مدينة القيروان (٦٥)، فسأل (٦٦) عن أشراف من بإفريقية من الروم، فقيل «جرجير» وهو صاحب مدينة سبيطلة. فزحف عبد الله إلى جرجير الملك، فلقيه في خلق عظيم من الروم، فقاتله عبد الله بمن معه، والتحم القتال، ووقع الصبر، حتى ظن الناس أنه الفناء. فانهزم «جرجير»، ولزمه عبد الله بن الزبير في عجاج الموت، فعرفه بمن معه من أشراف قومه، ففرق عنه أصحابه وقتله إلى جانب السور، وابنته تنظر من السور إلى قاتله؛ وسبقت خيول المسلمين الروم إلى باب الحصن، فحالوا بينهم وبين الدخول إلى حصنهم، فركبهم المسلمون يمينا وشمالا في السهل والوعر، فقتلوا أنجادهم وفرسانهم، ونزل عبد الله بن أبي سرح على باب المدينة وحصرها بمن معه حصارا شديدا حتى فتحها، وأخذ «ابنة جرجير» فوهبها لعبد الله بن الزبير. وهو صاحب الأفاعيل ذلك اليوم، وهو المستشهد (٦٧) في سبيل الله. ودخل عبد الله المدينة فوجد فيها سبيا كثيرا وأموالا جمة عظيمة، ووجد أكثرها
_________________
(١) رواية فتوح البلدان: حتى حلّ بعقوبة. ولعلها مصحفة عن: حل بقربه، أو قمودة أو قبودية.
(٢) عبارة فتوح البلدان: فاستاقوا من المواشي ما قدروا عليه.
(٣) زيادة من فتوح البلدان.
(٤) هذا النص انفرد به الرياض إلا أن بعضه وخاصة خاتمته قد وردت في أغلب المصادر، وقد أفدنا منها في تصحيح النص والتعليق عليه إفادات مهمة قارن ب: صلة السمط ١١١: ٤ و، الكامل في التاريخ ٩١: ٣، الروض المعطار ص ٤٨، نهاية الأرب ١٠: ٢، البيان المغرب ١٢: ١.
(٥) ردد ابن عبد الحكم (فتوح مصر ص ٢٦٠) وياقوت الحموي (معجم البلدان ١٨٦: ٧) هذه الرواية إلا أنهما جعلا مكان عبد الله بن سعد معاوية بن حديج وفيهما رسمت «قمونية» قونية.
(٦) في الأصل: سأل.
(٧) في الأصل: المشهر.
[ ١ / ٢٠ ]
ذهبا. وسرّى (٦٨) على الروم، فبلغت خيوله «قصور قفصة»، وبلغت موضعا يقال له «مرماجنّة (٦٩)» فسبوا وغنموا (٧٠) [فأذلّت] (٧١) تلك الواقعة الروم بأفريقية، ولجئوا إلى الحصون، وأصابهم رعب عظيم.
ثم اجتمعت خيول المسلمين، وأمر عبد الله بن سعد عبد الله بن عباس أن يقسم عليهم فيئهم، فبلغ سهم الفارس يومئذ ثلاثة آلاف دينار، وبلغ سهم الراجل ألف دينار.
وذكر (٧٢) أن ابنة الملك أشرفت على العرب في عسكرهم، فاستقلتهم، فقالت لأبيها: «لا تسرع بالقتل في هؤلاء، وانحلنيهم»، فقال: «قد انحلتكهم» (٧٣). فالتقوا وهي تنظر، فهزم الله المشركين، وقتل أبوها «جرجير» وهي تنظر، فتنازع الناس في قتله، فقالت: «ما للناس (٧٤) يتنازعون؟» فقيل لها: «في قتل أبيك» فبكت وقالت:
«قد رأيت الذي أدركه وقتله» فقال لها عبد الله بن سعد: «هل تعرفينه؟» قالت:
«إذا رأيته عرفته»، فأخذ عبد الله بن سعد الناس بالعرض، فمروا بين يديها وهي تنظر، حتى مر عبد الله بن الزبير، فقالت: «هذا قاتل أبي» فقال له عبد الله بن سعد: «كتمتنا يا أبا بكر قتلك إياه!» فقال له: «قد علمه الذي قتلته له» فنفله ابن أبي سرح ابنة الملك. وفي [ذلك] (٧٥) يقول ابن الزبير حين بلغه أنها سألت أباها أن ينحلها العرب:
_________________
(١) أي جرد السرايا (القاموس المحيط: سري) وعبارة المصادر (ينظر أعلاه) أوفى وأوضح «وبث ابن أبي سرح السرايا والغارات من مدينة سبيطلة فبلغت خيوله (قصور قفصة)
(٢) في المطبوع والمخطوط: قرطاجنة وهو تحريف، والاصلاح من الروض المعطار ونهاية الأرب. ومرماجنة: كانت مدينة كبيرة قديمة أزلية فيها آثار كثيرة للأول. الاستبصار ص ١٦٢ وقارن: الروض المعطار ص ٥٤٠، نزهة المشتاق ص ٢٩٥ مسالك البكرى ص ١٤٥.
(٣) في المطبوع والمخطوط: فسبى فيها ما يأتي (والكلمة الأخيرة غير واضحة) والثبت من المصادر.
(٤) زيادة من المصادر.
(٥) قارن بما عند الروض المعطار ص ٤٨، البيان المغرب ١٠: ١، صلة السمط ١١١: ٤ و، ١٣٨،، نهاية الأرب ١٠: ٢.
(٦) في الروض المعطار ونهاية الأرب: قد نحلتك إياهم.
(٧) في الروض المعطار والبيان المغرب والمعالم: ما للعرب.
(٨) زيادة من المعالم.
[ ١ / ٢١ ]
ابنة جرجير تلقي نحلتك (٧٦) لقيت بالنحلة ثكلا (٧٧) ابتك (٧٨)
لتأخذن (٧٩) في الطريق عقبتك لتسقين (٨٠) من قباء قربتك (٨١)
شر عجوز بالحجاز ربّتك
وقيل (٨٢) إنه لما حضر القتال أخرج جرجير ابنته، فألبسها حليها وثيابها وأسفر عن وجهها، فكان عدة خدمها اللاتي صعدن معها الديدبان (٨٣) أربعين (٨٤) خادما، فقال لهم [جرجير الملك] (٨٥): «أتدرون من هذه؟» فقالوا (٨٦): «نعم يا سيدنا، هذه ابنة الملك، وهؤلاء خدمها»، فقال لهم: «وحق المسيح والنصرانية، لا يقتل عبد الله بن سعد منكم رجل إلا زوجته ابنتي وسقت إليه ما معها من الحلى والخدم، وأنزلته المنزلة التي لا يطمع فيها (٨٧) أحد عندي!» فلم يزل يقول ذلك حتى أمرّه على مسامع أكثر رجاله، فحرض بذلك الروم تحريضا كثيرا، فلما انتهى إلى عبد الله [بن سعد] (٨٨) ما فعله وقاله «جرجير» نادى (٨٩) في عسكره، وأخبرهم بالذي كان من
_________________
(١) النحلة-بالكسر-: العطية. (القاموس: نحل).
(٢) كذا في الأصل، وصححها الناشر السابق عن المعالم: ثكلى.
(٣) في الأصل: أبكتك. والمثبت من المعالم.
(٤) في الأصل: لتأخذين. والمثبت من المعالم.
(٥) في الأصل: لتسبعن. بدون اعجام. وربما كانت قراءة صحيحة، ففي القاموس (سبع) أسبع: وردت إبله سبعا. والمقصود أنها تنقل الماء من قباء سبع مرات. واخذنا برواية المعالم.
(٦) رواية المعالم لهذا الشطر: «لتسقين شر ماء قريتك».
(٧) النص في المعالم ٣٨: ٣٧: ١، وبتصرف واختصار في الروض المعطار ص ٤٧، والبيان المغرب ١١.١٠: ١، وصلة السمط ١١٠: ٤ ظ، وفي الكامل ٩٠.٨٩: ٣، ونهاية الأرب ٩.٨: ٢، رواية تختلف عن رواية بقية المصادر الأخرى.
(٨) في الروض المعطار: وهو منظر من خشب، وفي صلة السمط: وهو من خشب. ثم شرحه ابن الشبّاط بعد ذلك بأنه (شكل يصنع من عود على هيئة البرج) وفي القاموس (ديدب) أنه معرب. وعده صاحب الألفاظ الفارسية ص ٦١، من المعرب عن الفارسية (ديد) و(بان).
(٩) في صلة السمط: خمسين.
(١٠) زياد من المعالم.
(١١) في الأصل: قالوا. والمثبت من المعالم والبيان المغرب.
(١٢) في الأصل: بها. والمثبت من المصادر.
(١٣) زيادة من المصادر.
(١٤) في الأصل: فنادى. والمثبت من المعالم والبيان المغرب.
[ ١ / ٢٢ ]
جرجير، ثم قال لهم: «وحق محمد رسول الله ﷺ، لا يقتل (٩٠) أحد منكم جرجير إلا نفلته ابنته وما معها!»، ثم زحف بمن معه من المسلمين، فضرب الله ﷿ وجوه الروم، وأدرك عبد الله بن الزبير جرجير فقتله.
قال (٩١) عبد الله بن الزبير: هجم علينا جرجير-في معسكرنا (٩٢) -في عشرين ومائة ألف، فأحاطوا بنا من كل مكان، وسقط في أيدي المسلمين، ونحن في عشرين ألفا، فاختلف الناس على ابن أبي سرح، فدخل فسطاطه (٩٣) [ورأيت غرّة (٩٤) من جرجير] (٩٥)، فرأيته خلف عساكره على برذون أشهب، ومعه جاريتان له تظللان (٩٦) عليه بريش الطواويس، وبينه وبين جنده أرض بيضاء (٩٧) ليس فيها أحد، فخرجت أطلب ابن أبي سرح، فقيل لي قد خلا في فسطاطه، فأتيت حاجبه، فأبى أن يأذن لي عليه، فدرت من كسر الفسطاط، فدخلت عليه، فوجدته مستلقيا على ظهره، فلما دخلت عليه استوى جالسا، /فقلت: «إيه، إيه! كلّ أزبّ نفور (٩٨)» فقال: «ما أدخلك علي يا ابن الزبير؟» [فقلت له] (٩٩): «إني رأيت غرة من العدو، فاخرج فاندب لي الناس!» قال: «وما رأيت؟» فأخبرته، فخرج معي
_________________
(١) في الأصل: لا قتل. والمثبت من المعالم.
(٢) النص في نسب قريش ص ٢٣٧ - ٢٣٩، والمعالم ٣٨.٣٧: ١، والبيان المغرب ١١.١٠: ١، وصلة السمط ١١٠: ٤ ظ، والروض المعطار ص ٤٧. في الأصل قال: فقال، وقد رأينا حذف «فقال» لاستغناء السياق عنها واتباعا لما في نسب قريش والمعالم.
(٣) في المعالم: في عسكرنا.
(٤) في الأصل: فسطاطا، والمثبت من المصادر.
(٥) كذا في نسب قريش والمعالم، وفي بقية المصادر: عورة.
(٦) زيادة من نسب قريش والمعالم وعبارة البيان المغرب أوفى: «فدخل فسطاطه مفكرا في الأمر. فرأيت عورة من جرجير، والناس على مصافهم، رأيته على برذون ..» وقريب من رواية البيان ما جاء في صلة السمط والروض المعطار.
(٧) في الأصل: تظلان، والمثبت من المعالم.
(٨) كذا في الأصل والمعالم وفي المطبوعة: فضاء.
(٩) في الأصل: كل أرب يفوت، بدون اعجام، واصلحها الناشر السابق عن المعالم «كل ازف يفوز» وكله محرف عما أثبتنا، وهو مثل ذكره الميداني في مجمع الأمثال ١٣٣: ٢، وقال: يضرب في عيب الجبان. وذكر في شرحه: أن البعير الأزب-وهو الذي يكثر شعر حاجبيه-يكون نفورا، لأن الريح تضربه فينفر. ويراجع نسب قريش ص ٢٣٨.
(١٠) زيادة من المعالم.
[ ١ / ٢٣ ]
سريعا فقال: «يا أيها الناس! انتدبوا مع ابن الزبير»، فاخترت ثلاثين فارسا، وقلت لسائرهم: «اثبتوا على مصافكم»، وحملت في الوجه الذي رأيت فيه «جرجير»، وقلت لأصحابي: «احموا ظهري!» فو الله ما لبثت أن خرقت الصف إليه، ولا يحسب هو وأصحابه إلا أني رسول إليه، وحين دنوت منه عرف (١٠٠) الشر، فثنى برذونه موليا، فأدركته مبادرا، فدفعت بالسيف عليه، فأصبت يدى إحدى الجاريتين فقطعتهما، واحتززت رأسه فنصبته في رمحي، وكبّرت. وحمل المسلمون في الوجه الذي كنت فيه: وارفضّ العدو في كل وجه ومنح الله تعالى المسلمين أكنافهم.
فلما أراد ابن أبي سرح أن يوجه بشيرا إلى عثمان، رضي الله تعالى عنه، قال: «أنت أولى من هنا بذلك، انطلق إلى أمير المؤمنين فأخبره بالخبر».فقدمت على عثمان، فأخبرته بفتح الله ونصره ووصفت له أمرنا كما كان».
ذكر (١٠١) عبد الله بن نافع (١٠٢) وعبد الملك بن حبيب (١٠٣) أنه وصل من إفريقية إلى المدينة في شهر. وذكر حسين (١٠٤) بن سعيد الخراط أنه وصل من سبيطلة (١٠٥) إلى المدينة في ثمانية عشر يوما، وكان يومئذ ابن بضع وعشرين سنة.
وذكر أنه كان يرتجز لابنة جرجير البطريق، ويقول:
_________________
(١) في الأصل: فعرف.
(٢) الخبر في المعالم ٣٩: ٤.
(٣) هو عبد الله بن نافع الأصغر الزبيري، أبو بكر من أحفاد عبد الله ابن الزبير. فقيه مدني من كبار أصحاب مالك، توفي سنة ٢١٦ المدارك ١٤٧.١٤٥: ٣.
(٤) من كبار فقهاء المالكية بالأندلس. له مؤلفات في الفقه والتاريخ والآداب كثيرة حسان توفي سنة ٢٣٨.تاريخ رواة العلم رقم ٨١٦، المدارك ١٤١.١٢٢: ٤.
(٥) في المعالم: الحسن. والمتحصل لدينا من مجموع ما أسنده عنه المالكي من روايات أنه: أبو عبد الله الحسين بن سعيد الخراط، مؤرخ قيرواني كان يعيش في أواسط القرن الرابع للهجرة. ويستفاد من خبر أسنده عنه المالكي في ترجمة أبي العرب (حوادث ٣٣٣) أنه حضر الاجتماع الذي تداول فيه شيوخ القيروان وعلماؤها أمر الخروج مع أبي يزيد. ويعتبر المالكي هو المؤرخ الوحيد الذي ينقل مباشرة عن الخراط دون تسمية كتابه. والمتتبع لنقول المدارك والمعالم المسندة للخراط يتبين أنها منقولة عن الرياض لذلك نستبعد أن يكون الخراط من مصادر المدارك كما جاء في مقدمة الاستاذ محمد الطالبي الفرنسية لتراجم أغلبية ص ٣٣ رقم ٣٠.
(٦) في الأصل: سبطة.
[ ١ / ٢٤ ]
يا ابنة جرجير تهنّي (١٠٦) عضبتك (١٠٧)
ستبصرين بالحجاز (١٠٨) ربتك
ما أحسن الوجه وأجلى مقلتك
لتحملنّ من بدير (١٠٩) قربتك
لتعظمنّ في الإماء لقمتك (١١٠)
فلمّا (١١١) وصل عبد الله بن الزبير المدينة وأخبر عثمان-رضي الله تعالى عنه- الخبر بما كان من الفتح، أمره عثمان أن يقوم بذلك خطيبا في مسجد رسول الله ﷺ، فقال له: أنا أهيب لك مني لهم، فقام عثمان-رضي الله تعالى عنه-في الناس خطيبا، فحمد الله ﷿ وأثنى عليه، ثم قال: أيّها الناس إن الله تعالى فتح عليكم إفريقية، وهذا عبد الله بن الزبير يخبركم خبرها إن شاء الله.
وكان عبد الله إلى جانب المنبر، وكان أول من خطب إلى جانب المنبر، فخطب (١١٢) ابن الزبير-رضي الله تعالى عنه-الناس خطبة (١١٣) تضمنت ما جرى في غزوهم وقتالهم للعدوّ، ووصف سيرة أميرهم فيهم، قال عنه:
_________________
(١) هنّ يهنّ هنّا، وهنينا: بكى بكاء مثل الحنين. وحنّ وأنّ (المعجم الوسط: هنن).
(٢) في الأصل غضبك والاصلاح يستوجبه الوزن والروي. وأما الغضب-بالغين المعجمة-فلا معنى له. ولعلّ الصواب ما أثبتناه. وعضب-بالعين المهملة-فلانا بالرمح: طعنه. (المعجم الوسيط: عضب).
(٣) كذا في الأصل. وفي المطبوعة: في الحجاز.
(٤) في الأصل: تدير. ولعل الصواب ما أثبتناه وبدير-تصغير بدر-وهو ماء معروف يبعد أربع مراحل عن المدينة، ينظر: تهذيب الأسماء واللغات ٣٧: ٣، الروض المعطار ص ٤٨.
(٥) رواية ابن عبد الحكم (فتوح مصر ص ١٨٥) وابن الأثير (الكامل ٩١: ٣): أنها صارت لرجل من الأنصار فأركبها بعيرا وارتجز بها: يا ابنة جرجير تمشي عقبتك ان عليك بالحجاز ربّتك لتحملن من قباء قربتك
(٦) قارن بما جاء في العقد الفريد ١٠٧: ٤ - ١٠٨ والمعالم ٧٩: ١.
(٧) في الأصل: خطبة. ولعل الصواب ما أثبتناه.
(٨) الخطبة بتمامها في العقد الفريد ١٠٨: ٤ - ١٠٩ والمعالم ٣٩: ١ - ٤١، وجمهرة خطب العرب ١٢٣: ١ - ١٢٥، والمجمل ص ٢٣ - ٢٤.
[ ١ / ٢٥ ]
إنه كان (١١٤) يسير بنا (١١٥) الأبردين (١١٦) ويخفض (١١٧) بنا في القرب (١١٨)، ويتخذ اللّيل جملا، يعجل الرحيل من المنزل القفر، ويطيل اللّبث في الموضع الخصب، فلم نزل على أحسن حالة نعرفها من ربنا حتى انتهينا إلى إفريقية، فنزلنا بها حيث يسمعون صهيل الخيل ورغاء الإبل وقعقعة السلاح، فأقمنا أياما نجمّ كراعنا ونصلح سلاحنا، ثم دعوناهم إلى الإسلام والدخول فيه، فأبعدوا منه، وسألناهم الجزية عن صغار أو الصلح (١١٩)، فكانت هذه أبعد، وأقامت رسلنا تختلف إليهم ثلاث عشرة ليلة تأتيهم (١٢٠) فلما يئس (١٢١) منهم قام خطيبا، فذكر الله ﷿ وأثنى عليه، ثم ذكر فضل الجهاد. فقاتلناهم أشد قتال، واستشهد الله ﷻ رجالا من المسلمين، فبتنا وباتوا، وللمسلمين دوي كدوي النّحل، وبات المشركون في ملاهيهم وخمورهم. فلمّا أصبحنا زحف بعضنا إلى بعض، فأفرغ الله تعالى علينا صبره، وأنزل علينا نصره، ففتحناها من آخر النهار».
وتمادى على خطبته في مثل هذا المعنى، وكان أول مقام قامه فانتهى ذلك إلى أبيه الزبير، فأقبل مسرعا وهو يقول: «غفر الله لأمير المؤمنين عرض هذا الغلام لهذا المقام بين أظهر الناس وهو حديث السن!» فلما دخل المسجد رآه قائما، فرمى بنفسه في آخر الناس، ثم سأل الله ﷿ تسديده وتثبيته، فلم يزل عبد الله موفقا في خطبته حتى فرغ، فعجب الناس لشأنه، وهنّئ بذلك الزبير، فقال
_________________
(١) في الأصل: ما كان. وحذفنا حرف (ما) كما في العقد والمعالم.
(٢) في الأصل: بهم. والمثبت من المصادر.
(٣) في الأصل: الا بريدين، والمثبت من المصادر، والابردان: طرفا النهار (المعجم الوسيط برد).
(٤) في الأصل: يحفظ، والمثبت من المصادر.
(٥) كذا في الأصل. وفي رواية المصادر: ويخفض بنا في الظهائر. وبها أخذ الناشر السابق اعتمادا على المعالم ولم يشر الى رواية الأصل. ونحن نرى أن رواية الرياض صالحة ولا حاجة لاستبدالها برواية أخرى. وفي القاموس (قرب) القرب والقرابة سير الليل لورد الغد. وطلب الماء ليلا، أو أن لا يكون بينك وبين الماء الا ليلة. أو إذا كان بينكما يومان فأول يوم تطلب فيه الماء: القرب.
(٦) في الأصل: وصلح، والمثبت من العقد والمعالم.
(٧) عبارة العقد: فأقمنا عليهم ثلاث عشرة ليلة نتأناهم وتختلف رسلنا اليهم.
(٨) يعني: أمير الجيش عبد الله بن سعد بن أبي سرح.
[ ١ / ٢٦ ]
بأبي وأمّي لقد سمعت من كلامه ما أذكرني فوّهات (١٢٢) جدّه الصديق، رضي الله تعالى عنه.
وأقام (١٢٣) ابن أبي سرح وهو الأمير بسبيطلة على عسكره، فلما رأى الروم الذين بالساحل ما حل «بجرجير» وأهل سبيطلة غارت أنفسهم وتجمعوا، وكاتب بعضهم بعضا في حرب ابن أبي سرح، فخاف منهم لما معه من الغنائم، فكتب إلى خليفته بمصر يأمره أن ينفذ إليه مراكب في البحر يجعل فيها غنائم المسلمين، فأخذ خليفته فيما أمره به، فاتصل بالروم قصد ابن أبي سرح إياهم واستقباله حربهم (١٢٤)، فخافوه وراسلوه، وجعلوا له جعلا على أن يرتحل بجيشه ولا يعترضوه بشيء، ووجهوا إليه مائة قنطار ذهبا، فأجابهم إلى ذلك، وانصرف عنهم راجعا إلى مصر، بعد أن أقام بإفريقية سنة وشهرين. فلما وصل إلى طرابلس وافته المراكب، فحمل فيها أثقال جيشه، وقصد هو وأصحابه إلى مصر سالمين. ووجه إلى عثمان رضي الله تعالى عنه بالأموال التي معه من الخمس وغيره.
فوقعت الفتنة على إثر ذلك، واستشهد عثمان رضي الله تعالى عنه، وولى بعده عليّ رضي الله تعالى عنه، وبقيت إفريقية على حالها إلى ولاية معاوية رضي الله تعالى عنه.
_________________
(١) في الأصل: هفوات، والمثبت من المعالم. وهو كناية عن البلاغة ومنه قولهم: فلان مفوّه منطيق. ينظر: الفائق في غريب الحديث ٢٦٨: ١، اللسان والأساس (فوه). وعبارة العقد توضح رواية الرياض «ما زلت تنطق بلسان أبي بكر حتى صمت».
(٢) النص في المعالم ٤٢: ١.
(٣) في الأصل: واستقتالهم حربهم. وأصلحها الناشر السابق واستقتاله في حربهم. والمثبت من المعالم (واستقبل الامر: استأنفه. المعجم الوسيط (قبل).
[ ١ / ٢٧ ]