ولاية مسلمة مصر والقيروان (١) فوجه (٢) مسلمة بن مخلد [خالدا] (٣) بن ثابت الفهمي إلى إفريقية، وكان من التابعين (٤)، فخرج في المحرم سنة أربع وخمسين، فانتهى إلى موضع (٥) منها وأصاب غنائم كثيرة.
ثم عزله مسلمة وولى (٦) أبا المهاجر مولاه، وكان من التابعين. فخرج أبو المهاجر من مصر سنة خمس وخمسين بجيوش أهل الشام ومصر إلى إفريقية فوصل إلى «قرطاجنة»، وفيها مجتمع الروم، ويقال: نزل بفحص بتونس (٧)، ويقال: نزل سبخة وبنى بها، ومنها حارب [أهل] (٨) «قرطاجنة» وصالحهم (٩)، ووجه حنش بن عبد الله الصنعاني (١٠) بجيش إلى «الجزيرة» (١١) فافتتحها، وكتب إلى أبي المهاجر بذلك، فرحل إليه واجتمع معه، وقسم الفيء هنالك بين جميع الجيش. ثم انصرف
_________________
(١) العنوان ورد في هامش الأصل.
(٢) قارن بما جاء في تاريخ خليفة ٢١١: ١، والمعالم ٤٦: ١.
(٣) زيادة من تاريخ خليفة والمعالم.
(٤) عده أبو العرب (الطبقات ص ١٩) في التابعين أيضا. وترجم له ابن حجر في الاصابة ٤٠٢: ١ وقال: «ذكرته في هذا اعتمادا على ما مضى أنهم ما كانوا يؤمرون في الفتوح إلا الصحابة».وينظر أيضا: تجريد الصحابة ١٤٩: ١.
(٥) في المعالم: الى مواضع.
(٦) في الأصل: وثم عزله مسلمة ولى. والمثبت من المعالم.
(٧) كذا في الأصل. وفي المطبوع: بفحص تونس.
(٨) زيادة من الناشر السابق.
(٩) في المطبوع والمخطوط: حاربهم. ولعلّ الصواب ما أثبتناه. قارن بما جاء في تاريخ خليفة ٢١٥: ١.
(١٠) في المطبوع والمخطوط: حسين بن عبد الله الصنهاجي، والتصويب من طبقات أبي العرب ص ١٨، وحنش الصنعاني: ترجم له المالكي في التابعين من هذا الجزء.
(١١) هي جزيرة شريك، كما نص عليه أبو العرب (الطبقات ص ١٨).
[ ١ / ٣١ ]
فنزل «بدكرور» (١٢) مدينة البربر بالقرب من موضع «القيروان».ووجه بالخمس إلى مصر [ثم إن معاوية بن أبي سفيان عزل مسلمة بن مخلد] (١٣) وولى سعيدا بن يزيد (١٤) الأنصاري، فلما بلغ ذلك أبا المهاجر لحق بمولاه.
ثم وجه (١٥) سعيد بن يزيد (١٦) عقبة بن نافع الفهري واليا على إفريقية بجيوش من قبله عددهم عشرة آلاف، سنة سبع وخمسين. فنزل حتى وصل إلى «قفصة» وقسطيلية (١٧) فافتتحها، وافتتح كل ما مر به في طريقه، حتى وصل إلى موضع «القيروان» فقال: «يا أهل الوادي، اظعنوا فإنا نازلون، وإنا من وجدناه قتلناه» - يعني من الوحش الذي بالوادي-فرئين يخرجن من أجحارهن هوارب، قال، فلم ير الناس حية بعد ذلك أربعين سنة.
وكان في موضع القيروان حصن لطيف للروم يسمى «قمونية» (١٨)، وكان فيه (١٩) كنيسة وفيها الساريتان الحمراوان اللتان هما اليوم في المسجد الجامع، كانت عليهما حنيتان (٢٠) مبنيتان أقامتا إلى أيام زيادة الله بن الأغلب، فهدمهما زيادة الله وحملهما إلى المسجد الجامع، فجعلهما في المكان الذي هما فيه اليوم (٢١).
_________________
(١) كذا في الأصل. ونحن نرجح أن الاسم مصحف عن مذكورة أو مذكور إحدى المدن الهامة في إقليم قمودة والوارثة لسبيطلة وخليفتها في صدارة الاقليم. ينظر: اليعقوبي (البلدان ص ١٠٧)، ابن حوقل (المسالك ص ٦٧) البكري (المسالك ص ٧٥) وتصحف الاسم فيه الى «مدكور»، الادريسي (نزهة المشتاق ص ٢٧٨)، الورقات ٣١١: ٣.
(٢) ما بين المعقفين زيادة يقتضيها سياق النص أضافها الناشر السابق رغم أن النصوص التاريخية المتواترة تخالفها. ينظر تعليقنا فيما سبق (ص ٢٨) في خصوص ولاية مسلمة بن مخلد على مصر.
(٣) في الأصل: زيد. والتصويب من كتاب الولاة للكندي ص ٤٠، والنجوم الزاهرة ١٥٧: ١، وتجمع هذه المصادر أن ولايته كانت من قبل يزيد بن معاوية وليست من قبل أبيه.
(٤) يتواصل خلط المؤلف واضطرابه في ضبط تواريخ الحوادث وتسلسلها وقد تقدم تعليقنا على ذلك.
(٥) في الأصل: زيد.
(٦) في الأصل: وقسيطلية. ولعلها مصحفة عما أثبتنا واللفظة سقطت من الطبعة السابقة.
(٧) قال ابن الشبّاط في صلة السمط ١٢١: ٤ و، ١٢٥ و: قمونية بفتح القاف وتشديد الميم وكسر النون وتخفيف الياء، أخت الواو،: اسم موضع القيروان. وينظر نهاية الأرب ١٥: ٢٢.
(٨) في الاصل: فيها.
(٩) لعلهما ما اشتهر في علم الآثار: حنية صدر الكنيسة: Abside ينظر معجم المصطلحات الاثرية ليحيى الشهابي، ولسان العرب المحيط (قسم المصطلحات العلمية: مادة حنا).
(١٠) يقول البكرى (المسالك ص ٢٢ - ٢٣) عند حديثه عن المسجد الجامع بالقيروان: ثم هدمه =
[ ١ / ٣٢ ]
ثم إن معاوية عزل سعيدا بن يزيد وولى مسلمة بن مخلد (٢٢) الأنصاري، فرد أبا المهاجر مولاه بجيش من قبله، فوصل إلى إفريقية سنة سبع وخمسين، وقيل (٢٣) إلى القيروان. فأخذ عقبة بن نافع فحبسه وضيق عليه، فبلغ خبره معاوية فكتب إلى أبي المهاجر يأمره بتخليته ويعفيه مما صنع من ذلك (٢٤)، فأطلقه أبو المهاجر وأرسله برسل من قبله حتى أخرجوه من قابس، [فمضى] (٢٥) وهو حنق على أبي المهاجر، فدعا الله ﷿ أن يمكنه منه، فلم يزل أبو المهاجر خائفا من دعائه (٢٦).
ثم إن أبا المهاجر صالح بربر إفريقية، وفيهم كسيلة الأوربي، وأحسن إليه (٢٧)، وصالح عجم إفريقية، وخرج بجيوشه نحو المغرب، ففتح كل ما مر عليه حتى انتهى إلى العيون المعروفة «بأبي المهاجر» (٢٨) نحو تلمسان، ولم يستخلف على القيروان أحدا، ولم يبق بها إلا شيوخ ونساء، ثم رجع إليها فأقام بها.
ولما (٢٩) [سرح عقبة من ثقافه وتوجه إلى الشام] قدم [على] معاوية [ابن أبي سفيان ف] وجده قد توفي-رحمه الله تعالى-وتولى بعده يزيد، فدخل عليه فأخبره بما صنع أبو المهاجر وما دخل عليه منه (٣٠)، وقال له (٣١): «لما فتحت (٣٢) إفريقية وبنيت
_________________
(١) = حسان [بن النعمان] حاشى المحراب وبناه وحمل إليه الساريتين الحمراوين الموشاتين بصفرة اللتين لم ير الراءون مثلهما من كنيسة كانت للأول في الموضع المعروف اليوم بالقيسارية بسوق الضرب، ويقولون: إن صاحب القسطنطينية بذل لهم فيهما قبل نقلهما الى الجامع، زنتهما ذهبا، فابتدروا الجامع بهما. وقريب من هذا النص ما جاء في الاستبصار ص ١١٤ والروض المعطار ص ٤٨٧.
(٢) في الأصل: مخلد بن مسلمة. والمؤلف يقصد عزل الأول عن ولاية مصر وتوليه الثاني وهو خلط منه ينظر تسلسل ولاة مصر في كتاب ولاة مصر للكندي والنجوم الزاهرة الجزء الأول.
(٣) كذا في الأصل ول علها: واقبل.
(٤) رواية الم عالم: ويعنفه فيما صنع به.
(٥) زيادة من ال معالم ٤٦: ١ فيما أسنده الدباغ عن المالكي.
(٦) تضيف رواية المعالم: وقال: هو عبد لا ترد له دعوة.
(٧) تضيف رواية المعالم بعد هذا: واتخذه صديقا.
(٨) رواية المعالم: حتى انتهى الى العيون التي تسمّى اليوم «عيون أبي المهاجر».
(٩) النص ف ي المعالم ٤٧: ١ وأسنده الدباغ عن المالكي. وعنه أكملنا النص وقومناه.
(١٠) رواية المعالم: وأخبره بما فعل أبو المهاجر بالقيروان وما حل به منه
(١١) تقول المصادر أن الخليفة المخاطب بهذا هو معاوية. ينظر: فتوح مصر ١٩٧، البيان المغرب ٢: ٢٢، نهاية الأرب ٢٢: ١٦.
(١٢) في الأصل: افتحتم. والمثبت من المصادر المذكورة في التعليق السابق
[ ١ / ٣٣ ]
مسجد الجماعة، بعثتم عبد الأنصاري (٣٣) فأهانني وأساء عزلي (٣٤)»، فغضب يزيد وقال: «أدركوها (٣٥) قبل أن يخربها» ورد عقبة إليها، وأزال مسلمة عنها، وأقره بمصر، وذلك سنة اثنتين وستين.
وقدم عقبة إلى القيروان بعشرة آلاف فارس، فأخذ أبا المهاجر فحبسه وقيده، وأخذ ما معه من الأموال، فكانت مائة ألف دينار. وجدد بناء (٣٦) [القيروان] (٣٧) وشيدها، ونقل الناس إليها، فعمرت وعظم شأنها.
ثم (٣٨) خرج بأصحابه وبكثير من أهل القيروان إلى المغرب، واستخلف عليها عمر بن علي القرشي وزهير بن قيس البلوي، وخرج بأبي المهاجر معه موثقا، فدعا بأولاده وقال لهم:
«إني (٣٩) بعت نفسي من الله، وما أدرى ما يأتي/عليّ في سفري»، ثم قال: «يا بني أوصيكم بثلاث خصال فاحفظوها ولا تضيعوها: إياكم أن تملئوا صدوركم بالشعر وتتركوا القرآن فإن القرآن دليل على الله ﷿، وخذوا من كلام العرب ما يهتدى به اللبيب ويدلكم على مكارم الأخلاق، ثم انتهوا عما وراءه، وأوصيكم أن لا تداينوا ولو لبستم العباء، فإن الدّين ذل بالنهار وهمّ بالليل (٤٠)، فدعوه تسلم لكم أقداركم وأعراضكم، وتبق لكم الحرمة في الناس ما بقيتم، ولا تقبلوا العلم من المغرورين المرخصين، فيجهّلوكم (٤١) دين الله ويفرقوا بينكم وبين الله تعالى؛ ولا
_________________
(١) في المصادر المذكورة: عبد الأنصار. ونص الرياض ينسبه الى سيده مسلمة بن مخلد الأنصارى.
(٢) في الأصل: وأسا على. والمثبت من المصادر.
(٣) في البيان المغرب ونهاية الأرب: أدركها.
(٤) في الأصل: البناء. والمثبت من المعالم.
(٥) زيادة من المعالم.
(٦) يسترسل نقل الدباغ عن الرياض (معالم ٤٧: ١ - ٤٨) وقارن بما جاء من روايات مقاربة لها في فتوح مصر ١٩٨ - ١٩٩، تاريخ إفريقية والمغرب ص ٤٠ - ٤١، الكامل في التاريخ ٤: ١٠٥، البيان المغرب ٢٣: ١ - ٢٤ صلة السمط ١١١: ٤ ظ -١١٢ و، نهاية الأرب ٢٢: ١٧.
(٧) ورد في هامش الأصل أمام هذا السطر: وصية عقبة بن نافع. وقد ورد أول هذه الوصية وخاتمتها في المصادر المذكورة أعلاه مع اختلاف قليل فيما بينها. مع استثناء المعالم التي تسترسل في النقل عن الرياض.
(٨) في الأصل: في الليل. والمثبت من المعالم.
(٩) في الأصل: فيجهلونكم. والاصلاح للناشر السابق.
[ ١ / ٣٤ ]
تأخذوا دينكم إلا من أهل الورع والاحتياط فهو أسلم لكم، ومن احتاط سلم ونجا فيمن نجا»، ثم قال: «عليكم سلام الله! وأراكم لا تروني (٤٢) بعد يومكم هذا»، ثم قال: «اللهم تقبل نفسي في رضاك، واجعل الجهاد رحمتي ودار كرامتي عندك».
ثم سار (٤٣) لا يدافعه أحد حتى انتهى [إلى] (٤٤) «باغاي» (٤٥) والروم يهربون من طريقه يمينا وشمالا (٤٦)، فحاصرها وقد اجتمعوا بها، فقاتلهم قتالا شديدا، ثم انهزم العدو فقتلهم قتلا ذريعا وغنم أموالهم (٤٧).
ثم رحل فنزل على «لميس» (٤٨) وهي من أعظم مدائنهم، وانضم إليها من حولها،
_________________
(١) كذا في الأصل وفي سائر المصادر المذكورة في الهامش (رقم ٣٨) وقد أصلحها الناشر السابق «لا ترونني» وفق قواعد العربية. وقد رأينا احترام النص المجمع عليه من سائر المصادر.
(٢) يتواصل نقل الدباغ عن الرياض (المعالم ٤٨: ١ - ٤٩) إلاّ أن أوفى النصوص المتوفرة لدينا عن حركة عقبة نحو المغرب وأقربها لرواية الرياض هو ما نشر أخيرا بعنوان «تاريخ افريقية والمغرب» تراجع ص ٤٠ - ٤٢، ويليه في الأهمية ما جاء في نهاية الأرب ١٧: ٢٢، وفي بقية المصادر نتف ومقتطفات. ينظر: مسالك البكرى ص ١٤٥، صلة السمط ١١٢: ٤ و-١١٢ ط، الكامل في التاريخ ١٠٥: ٤ - ١٠٦، البيان المغرب ٢٤: ١، تاريخ ابن خلدون ١٨٦: ٤.
(٣) زيادة من المعالم. ونص تاريخ افريقية والمغرب أدق: حتى أشرف على مدينة باغاية.
(٤) كذا في المعالم أيضا. وفي سائر المصادر: باغاية. وهما وجهان صحيحان في رسم هذا الاسم فقد جاء رسمه على الصورة التي جاءت في الرياض والمعالم «باغاي» عند كل من: المقدسي (أحسن التقاسيم ص ٢٢٧) والادريسي (نزهة المشتاق ص ٢٧٦). وجاء رسمه على الصورة الثانية «باغاية» عند كل من البكري (المسالك ص ١٤٤، ٥٠) والاستبصار ص ١٦٣ والحميري (الروض المعطار ص ٧٦).
(٥) تضيف رواية تاريخ افريقية والمغرب بعد هذا عبارة نصها: «واحتصر صاحب قلعة مجانة فلجأ النصارى الى مدينة باغاية».
(٦) تؤكد المصادر المشار اليها على ما أصابه الفاتحون من جياد الخيل في هذا الفتح.
(٧) في الأصل والمعالم: تلمسان، وتلمسان بعيدة عن باغاي مسافة كبيرة، ثم يستبعد أن يرحل عقبة الى تلمسان ولا يجد أية مقاومة من طرف معاقل الروم وحصونهم في المغرب الاوسط، كما يستبعد أن يرحل عقبة الى حدود المغرب الأقصى ثم يعود الى الزاب وهو أول المغرب الاوسط.وقد اضطربت المراجع التاريخية في كتابة هذا العلم الجغرافي اضطرابا كبيرا ففي تاريخ إفريقية والمغرب ص ٤٢، وردت الكلمة مأروضة فقرأها المحقق «المسن» وفي البيان المغرب ٢٤: ١ «المنستير» وجاء الاسم في نهاية الأرب ١٧: ٢٢، «بليش» أو «مليش» كما في مخطوطة باريس رقم ١٥٧٥ ورقة ٥ وو يقول ابن الشبّاط في صلة السمط ١١٢: ٤ ظ: إن هذا الاسم ورد في بعض النسخ باللام والميم والياء ويقع في بعض النسخ مصححا من الأول بمميس، وهو يقصد بالنسخ-نسخ المصدر الذي ينقل عنه وهو تاريخ افريقية والمغرب للرقيق، ويبدو أن ابن الشبّاط يعتمد عدة نسخ منه، ثم =
[ ١ / ٣٥ ]
فخرجوا إليه في عدة لا يعلمها إلا الله ﷿، [فقاتلهم قتالا شديدا] (٤٩) حتى ظن المسلمون أنه الفناء، فضرب الله ﷿ في وجوه الروم، فقاتلهم (٥٠) إلى باب حصنهم، وأصاب الناس منهم غنائم كثيرة.
ثم رحل يريد «الزاب» (٥١)، فسأل عن أعظم مدينة لهم، فقيل له «أذنة» (٥٢) وهي دار ملكهم، و[كان] (٥٣) حولها ثلاثمائة وستون قرية كلها عامرة. فلما بلغهم قدوم المسلمين عليهم هربوا إلى حصنهم وإلى الجبال، فنزل عقبة على واد منها على ثلاثة أميال أو أكثر، فلقوه في عدة عظيمة في وقت المساء، [وكان] (٥٤) وقت نزوله، فكره منازلتهم وقتالهم في الليل، فتواقف (٥٥) القوم الليل كله، لا راحة ولا فترة ولا نوم،
_________________
(١) = عقب على ذلك بقوله: «ويشبه أن يكون الأول هو الصواب والله أعلم. فان لميس بمقربة من مدينة باغاية» ثم أورد وصف لميس وممس معا. واذا استبعدنا «ممس» وهي قرية قريبة من القيروان حسب نص البكري (المسالك ص ١٤٦) لم يبق لدينا إلا رواية ابن الشبّاط الأولى «لميس» التي قال عنها: «بينها وبين قسنطينة مرحلتان وهي بين جبل قسنطينة وجبل اوراس» ثم وصف قلعتها ومناعتها، وتؤيد رواية ابن خلدون (العبر ١٨٦: ٤) ما رجحه ابن الشبّاط قبله. ويبدو أن ما جاء في نهاية الأرب لا يعدو أن يكون تصحيفا ل «لميس».
(٢) زيادة من صلة السمط والبيان المغرب. وعبارة نهاية الأرب والكامل: «فقاتلوه » وفي تاريخ إفريقية والمغرب: فقاتلوهم.
(٣) في الأصل: فقتلهم. والاصلاح من تاريخ إفريقية والمغرب والمعالم.
(٤) الزاب: مقاطعة من الغرب الأوسط (بلاد الجزائر اليوم) ينظر تحديدها وضبط المدن الراجعة إليها عند الجغرافيين القدامى. اليعقوبي (البلدان ص ٣٥٠) المقدسي (أحسن التقاسم ٢٢١) الاستبصار ص ١٧١ وما بعدها، الروض المعطار ٢٨١ - ٢٨٢، معجم البلدان (الزاب).
(٥) ورد في الأصل بدال مهملة. وكذا هو عند البكري (المسالك ص ١٤٤) إلا أن الناقلين عنه وهما الحميري (الروض المعطار ص ٢٠) وابن الشبّاط (صلة السمط ٤: ١١٢ و-١١٢ ظ) قد أوردا نص البكري بالذال المعجمة ولم يشيرا إلى خلاف في ضبط هذا الاسم. وجاء بهذا الضبط في تاريخ إفريقية والمعالم. وقد جاء هذا الاسم في مصادر أخرى بالدال المهملة كما في أحسن التقاسيم ص ٢٢١ وتاريخ ابن خلدون ٤: ١٨٦. وفي روايهّ أخرى انقلبت داله راء ونونه باء "أربة" كما في كامل ابن الاثير ٤: ١٠٥ ونهاية النويري ٢٢: ١٧. وقد أخذنا برواية المعالم وهي تعتبر رواية ثانية لنص الرياض وهو مدعم برواية البكرى المصححة بنقل كل من ابن الشبّاط والحميري.
(٦) زيادة من المصادر.
(٧) زيادة من المعالم.
(٨) في الأصل: فتاقف (بدون اعجام) وفي تاريخ افريقية: فوقف. والثبت من المعالم.
[ ١ / ٣٦ ]
فسماه الناس، إلى اليوم، «وادي سهر» (٥٦)، لأنهم سهروا عليه، فلما صلّى عقبة الصبح أمر المسلمين بقتالهم، فقاتلوهم قتالا ما رأى المسلمون مثله قط، حتى يئس المسلمون من أنفسهم، ثم أعطاهم الله ﷿ النصر والظفر، فانهزم الروم [وقتل فرسانهم وأهل النكاية والبأس منهم] (٥٧) واستولت الهزيمة على بقيتهم. وفي هذه الغزوة ذهب عز الروم من «الزاب» وذلوا وتحصنوا (٥٨)، [فكره عقبة المقام عليهم وقد تحصنوا] (٥٧).
ورحل منها يريد المغرب حتى نزل «تاهرت»، فاستغاث الروم بالبربر، فأجابوهم ونصروهم، فقام عقبة في الناس خطيبا، فحمد الله تعالى وأثنى عليه، وقال (٥٩):
«أيها الناس! إن أشرافكم وخياركم، الذين رضي الله تعالى عنهم وأنزل فيهم كتابه، بايعوا رسول الله ﷺ «بيعة الرضوان» على [قتال] (٦٠) من كفر بالله إلى يوم القيامة، وهم أشرافكم والسابقون منكم إلى البيعة، باعوا أنفسهم من رب العالمين بجنته بيعة رابحة. وأنتم اليوم في دار غربة [وإنما بايعتم رب العالمين، وقد نظر إليكم في مكانكم هذا، ولم تبلغوا هذه البلاد إلا طلبا لرضاه وإعزازا لدينه. فأبشروا! فكلما كثر العدو كان أخزى لهم وأذل، إن شاء الله تعالى. وربكم﷿لا يسلمكم، فالقوهم بقلوب صادقة، فإن الله﷿جعلكم [أولي] (٦٠) بأسه الذي لا يرد عن القوم المجرمين، فقاتلوا عدوكم على بركة الله وعونه] (٦١). فالتقى المسلمون معهم، فقاتلوهم قتالا شديدا، [فلم يكن لهم بقتال العرب من طاقة] (٦٢) فولّى الروم هاربين، ومات منهم ومن البربر [عدد عظيم] (٦٣) وقتلوا قتلا ذريعا.
_________________
(١) هو وادي المسيلة كما في البيان المغرب ٢٤: ١، ومسالك البكرى ص ٥٩، ٥٤.
(٢) زيادة من المعالم وقارن بعبارة تاريخ إفريقية ونهاية الأرب فهي قريبة منها.
(٣) عبارة تاريخ إفريقية ونهاية الأرب: «فذهب عزهم من الزاب وذلوا آخر الدهر» وفي صلة السمط «وذلوا إلى آخر الدهر».
(٤) تراجع هذه الخطبة في المعالم ٥٠: ١، وفي تاريخ إفريقية والمغرب ص ٤٣. رواية قريبة منها.
(٥) زيادة من تاريخ إفريقية.
(٦) وردت هنا في الأصل عبارة: والله لا يرد بأسه عن القوم المجرمين. فرأينا حذفها والاستغناء عنها بما تقدم في آخر الخطبة. وما بين المعقفين أضفناه من المعالم وقارن بتاريخ إفريقية والمغرب.
(٧) زيادة من المعالم وقارن بتاريخ افريقية والمغرب.
(٨) زيادة يقتضيها السباق.
[ ١ / ٣٧ ]
ثم رحل (٦٤) حتى نزل طنجة، فنزل على البحر المحيط [وهو بحر الأندلس] (٦٥) فقال له الناس (٦٦): «هذا بحر لا ترومه، وعليه ملك عظيم الشأن».فقال لهم: «دلوني على رجال البربر والروم»، فقالوا: «[الروم] (٦٧) خلفك منهم خلق، وأمامك في السوس أنجاد البربر».فأمر عقبة العسكر بالرحيل على بركة الله وعونه، فرحل إلى «السوس الأدنى»، فلقي البربر في عدد لا يعلمه إلا الله تعالى، فانهزموا فقتلهم قتلا ذريعا، وأمعنت خيل المسلمين في البلاد والسواحل.
[ثم رحل إلى السوس الأقصى، فاجتمع عليه البربر في عدد لا يحصى، فاقتتلوا قتالا شديدا حتّى كثر القتلى في الفريقين، ثم إن الله بمنّه وكرمه وفضله ضرب في وجوههم، فهزمهم المسلمون وقتلوهم] (٦٨) وسبوا النساء وغنموا الأموال، فبلغت الجارية الرومية (٦٩) بالمشرق منهم ألف دينار، وهربوا بين يديه.
ثم (٧٠) رحل يريد البحر المحيط، فانتهى إليه وأقحم فرسه فيه، لا يقف بين يديه
_________________
(١) يتواصل نقل المعالم (٥٠: ١) عن الرياض. وقارن بما جاء في تاريخ افريقية والمغرب ص ٤٤ - ٤٥، ونهاية الأرب ١٧: ٢٢، والكامل في التاريخ ١٠٦: ٤، ونص جديد عن فتح المغرب ص ٢٧ - ٢٨، والبيان المغرب ٢٥: ١ - ٢٦ وصلة السمط ٤: ١١٢ ظ -١١٣ و، تاريخ ابن خلدون ١٨٦: ٤.
(٢) زيادة من المعالم.
(٣) عبارة المعالم: فقيل له. وهو تخلص ذكي من صاحب المعالم. إذ يبدو لنا أن كلمة «الناس» مصحفة عن «يليان» أمير منطقة طنجة الذي استقبل عقبة ولا طفه وهاداه ونزل على حكمه كما تقول المصادر المشار إليها في التعليق على أول النص. ونلاحظ أن المالكي ينقل النص التاريخي المتداول في كتب التاريخ المغربي بتصرف كبير فيحذف ما يشاء بدون أن يراعي ترابط النص واتصاله بما قبله وما بعده.
(٤) زيادة من المصادر المشار إليها. ورواية المعالم أوفى وأدق: فقالوا له: قد تركت خلفك الروم وقد أفنيتهم، وما أمامك إلا البربر وهم في عدد لا يعلمه الا الله وهم أنجاد البربر».
(٥) زيادة من المعالم. وقريب منه نص تاريخ إفريقية والمغرب. وقد أضفنا الفقرة الموضوعة بين معقفين لأن المصادر المشار إليها آنفا تجمع أن الجواري الجميلات اللاتي وقع بيعهن في المشرق بثمن مرتفع هنّ من سبي السوس الأقصى.
(٦) كذا في الأصل. ولعلّ الصواب أن يقول: البربرية.
(٧) الخبر في المعالم بنصه (٥١: ١) وقارن بما جاء منه في بقيّة المصادر: الكامل في التاريخ ١٠٦: ٤، صلة السمط ١١٣: ٤ ظ، البيان المغرب ٢٧: ١، نهاية الارب ١٨: ٢٢، تاريخ ابن خلدون ١٨٦: ٤.
[ ١ / ٣٨ ]
أحد، ثم نادى بأعلى صوته وهو يشير بسوطه: «السلام عليكم ورحمة الله!» فقال له بعض أصحابه: «على من تسلم يا ولي الله؟» فقال لهم: «على قوم يونس وهم من وراء هذا البحر، ولولاه لوقفت بكم عليهم»، ثم رفع يديه إلى السماء، ثم قال:
«اللهم اشهد، أني قد بلغت المجهود، ولولا هذا البحر لمضيت في البلاد أقاتل من كفر بك حتى لا يعبد أحد من دونك».
ثم (٧١) رجع إلى إفريقية. فلما دنا منها (٧٢) أذن لمن معه من أصحابه أن يتفرقوا ويتقدّموا (٧٣) فوجا فوجا إلى إفريقية، فلما انتهى [إلى] (٧٤) ثغر إفريقية وهي «طبنة» أذن لمن بقي معه بالانصراف إلى القيروان، ومال في خيل يسيرة يريد «تهودة» (٧٥) لينظر قدر ما يكفيها من الخيل، [فلما انتهى إليها نظر الروم إلى قلة من معه من الخيل] (٧٤) فقالوا: إن في [قتل] (٧٤) هذه الخيل (٧٦) قتل أهل الأرض، وظنوا أن ذلك عسكره فأغلقوا باب حصنهم ورموه بالحجارة وشتموه، وهو يدعوهم إلى الله وإلى رسوله، فلما توسط (٧٧) البلاد نزل، فبعثت الروم إلى «كسيلة (٧٨) الأوربي» فأعلموه بقلة من معه، فجمع له جمعا كبيرا من الروم والبربر، وزحف إليه ليلا حتى نزل بالقرب
_________________
(١) الخبر باختلاف يسير في المصادر المذكورة في التعليق السابق. ويضاف اليها مسالك البكري ص ٧٤ والاستبصار ص ١٧٥، الروض المعطار ص ١٤٢.
(٢) في الأصل: فلما انتهى إلى ثغر إفريقية وهي عبارة سترد بعد قليل في موضعها. وقد أثبتنا ما يناسب السياق اعتمادا على ما جاء في المصادر وخاصة المعالم ومسالك البكري والاستبصار والروض المعطار.
(٣) في الأصل: ويقدمونها. وأصلحها الناشر السابق: ويقدموها. والمثبت من الكامل ونهاية الأرب وصلة السمط.
(٤) زيادة من المعالم.
(٥) اختلفت المصادر المشار إليها في كتابة هذا الاسم فهو في بعضها بالدال المهملة «تهودة» وفي بعضها الآخر بالذال المعجمة «تهوذة» وفي قسم آخر استعيض عن التاء أو الهاء التي في آخره بألف مع اختلافها في إعجام الدال «تهوذا» أو إهمالها «تهودا».
(٦) في الأصل: هذا الجيل. والمثبت من المعالم.
(٧) في الأصل: توسطت. والمثبت من المعالم وبقية المصادر.
(٨) يرى الاستاذ أ. ل. بروفنسال: أن ضبط اسم كسيلة بصيغة التصغير «كسيلة» هو من اختراع النساخ المحدثين، وربما كان الأصح أن يقرأ «كسيلة» على وزن كبيرة (نص جديد عن فتح العرب للمغرب ص ١٨) وينظر قراءة ابن الأبار لهذا الاسم (الحلة السيراء ٣٢٧: ٢).
[ ١ / ٣٩ ]
منه، وأحاط (٧٩) بعسكر عقبة، حتى أصبح، فلما رأى ذلك عقبة استعد له، وأمر أصحابه ألا يركب منهم أحد، ويئس المسلمون من أنفسهم، فقاتلوا قتالا شديدا حتى بلغ بهم البلاء (٨٠)، وكثرت (٨١) فيهم الجراح، فاستشهد عقبة ﵁ وجميع من كان معه ﵃ أجمعين، واستشهد معه أبو المهاجر، وكان موثقا في الحديد.
وقيل (٨٢) [إن] (٨٣) «كسيلة» إنما أتى ناصرا لأبي المهاجر، لأنه كان صديقه، فقتل أبو المهاجر في التحام القتال ولم يعلم به.
وقيل (٨٤) إن أبا المهاجر قاتل «كسيلة» مع البربر حتى ظفر به، فعرض عليه الإسلام، فأسلم، وأحسن إليه أبو المهاجر واستبقاه (٨٥)، وكان في عسكر المسلمين حتى عزل أبو المهاجر، وقدم عقبة، فأراد أن ينهض إلى «طنجة»، فقال له أبو المهاجر: «ليس بطنجة عدو لك، لأن الناس قد أسلموا، وهذا رئيس البلاد- يريد كسيلة-فابعث معه واليا»، فأبى عقبة إلا أن يخرج (٨٦) بنفسه، فخرج فلم ير كيدا حتى نزل «ماسة» (٨٧) بمكان من السوس الأقصى فبنى بها مسجدا (٨٨)، ثم أتى بذود غنم للعسكر، فذبح الذود، فأمر عقبة «كسيلة» أن يسلخ مع السلاّخين (٨٩) فقال
_________________
(١) في الأصل والمطبوع: واختلط.والمثبت من المعالم.
(٢) كذا وفي البيان المغرب وصلة السمط: حتى بلغ منهم الجهد.
(٣) في الأصل: وكثر. والمثبت من صلة السمط.
(٤) قارن بالمعالم ٥٢: ١.
(٥) زيادة من المعالم.
(٦) النص مع اختلاف يسير في المعالم ٥٢: ١ - ٥٣ والبيان المغرب ٢٩: ١.
(٧) في الأصل واستعفاه. والمثبت من البيان المغرب.
(٨) في الأصل: إلا أن خرج. والمثبت من المعالم.
(٩) وترسم أيضا «ماست» وينسب اليها «وادي ماسة» ينظر عنها: مسالك البكري ص ١٦١ - ١٦٢، الاستبصار ص ٢١١ - ٢١٢، الروض المعطار ص ٥٢٢، ٣٣٠.
(١٠) ينظر عن المساجد التي ينسب بناؤها لعقبة بالمغرب رأي الشيخ أبي علي صالح بن أبي صالح. نصّ جديد عن فتح المغرب ص ٢٣، البيان المغرب ٢٧: ١.
(١١) كذا في الأصل وكافة المصادر. وأصلحها الناشر السابق: السالخين
[ ١ / ٤٠ ]
له: «أصلح [الله] (٩٠) الأمير، هؤلاء فتياني وغلماني يكفوني» (٩١)، فنقره (٩٢) عقبة وقال له: «قم!» فقام كسيلة مغضبا، فكان كلما دحس في الشاة مسح يده بلحيته مما علق بيده من بلل ذلك، وجعل العرب/يمرون عليه وهو يسلخ، ويقولون له (٩٣): «يا بربري (٩٤)، ما هذا الذي تصنع؟» فيقول: «هذا جيد للشعر!» فمر به شيخ من العرب فقال: «كلا، إن البربري ليتوعدكم» فقال أبو المهاجر لعقبة: «أصلح الله الأمير، ما هذا الذي صنعت؟ كان رسول الله ﷺ يتألّف (٩٥) جبابرة العرب، كالأقرع بن حابس التميمي وعيينة بن حصن (٩٦)، وأنت تجيء إلى رجل هو خيار قومه في دار عزه، قريب عهد بالكفر فتفسد قلبه (٩٧)؟ توثّق من الرجل فإني أخاف فتكه!» فتهاون به عقبة، فلما انصرف نكث البربر ما كانوا عليه (٩٨)، وأقبلت النّفرة (٩٩) إلى عقبة، فقال له أبو المهاجر: «عاجله قبل أن يجتمع أمره» فزحف إليه عقبة، فتنحى من بين يديه، فقالت البربر لكسيلة: «لم تهرب من بين يديه ونحن في خمسين ألفا وهو في خمسة آلاف؟». [فقال: «إنكم كل يوم في زيادة، وهو في نقصان، ومدد الرجل قد افترق عنه، فإذا طلب إفريقية زحفت إليه»] (١٠٠). فغشى «كسيلة»
_________________
(١) زيادة من المصادر.
(٢) كذا في الأصل وصلة السمط ونهاية الأرب. وفي كامل ابن الأثير: يكفونني. وبها أخذ ناشر الطبعة السابقة. وعنه أصلحها ناشر الطبعة الجديدة من المعالم.
(٣) كذا في الأصل. وفي المعالم: فنهره. وفي الكامل: فشتمه. وفي النهاية: فسبّه. وفي القاموس (نقر) نقره: ضربه وعابه.
(٤) عبارة ابن الشبّاط في صلة السمط ١١٤: ٤ و: «وجعل العرب يهزءون به ويقولون له».
(٥) تكررت هنا في الأصل عبارة: «وهو يسلخ» ولا معنى لها.
(٦) في الأصل: يستألف. والمثبت من صلة السمط والمعالم.
(٧) كتب الناسخ فوقها: بن بدر. وهو جدّ أبيه «عيينة» بن حصن بن حذيفة بن بدر الفزاري».تجريد الصحابة ٤٣٢: ١.
(٨) رواية ابن الشبّاط (صلة السمط): رجل جبار في دار قومه ومكان عزّه وهو قريب عهد بالشرك فتهينه وتذلّه. وقريب منها رواية النويري في نهاية الأرب.
(٩) عبارة المعالم: نكث البربري ما كان عليه.
(١٠) النّفرة: القوم ينفرون معك ويتنافرون في القتال، أوهم الجماعة يتقدمون في الأمر. (القاموس: نفر).
(١١) ما بين المعقفين أضيف من نهاية الأرب ١٩: ٢٢ - ٢٠.وقريب منه ما جاء في صلة السمط ١١٤: ٤ ظ ونصّه: «فقال لهم: نعم لأنكم في الزيادة والرجل قد افترق عنه عسكره وليس =
[ ١ / ٤١ ]
عقبة بقرب «تهودة» في كثرة لا يعلمها إلا الله ﷿، فنزل عقبة عن فرسه، وركع ركعتين وقال: «اطلقوا أبا المهاجر!» ثم قال [له] (١٠١): «الحق بالمسلمين فقم بأمرهم (١٠٢)، وأنا أغتنم الشهادة» فقال: «وأنا أغتنم الشهادة مثلك» فكسر كل واحد منهما (١٠٣) غمد سيفه، وكسر المسلمون أغماد سيوفهم، وقاتلوا حتى قتلوا [جميعا] (١٠٤).
وقيل (١٠٥) إن عقبة أمر بتخلية أبي المهاجر، فأعجله القتال، فقاتل وهو موثوق بالحديد، فذكر أن أبا المهاجر تمثل بقول أبي محجن (١٠٦):
كفى حزنا (١٠٧) أن تمرغ (١٠٨) الخيل بالقنا (١٠٩) وأترك مشدودا عليّ وثاقيا
[إذا] (١١٠) قمت عناني الحديد وغلقت مصارع (١١١) أبواب تصم (١١٢) المناديا
_________________
(١) = عنده من يمدّه، فلما سار عقبة يريد إفريقية زحف إليه البربر. وكان أكثر المسلمين بالقيروان مع زهير بن قيس».
(٢) زيادة من المصادر.
(٣) عبارة الأصل والمعالم: الحق وقم بأمر المسلمين. وأخذنا بما اتفق عليه المؤرخون: ابن الشبّاط وابن الأثير والنويري.
(٤) في الأصل: منهم. والمثبت من المعالم وصلة السمط والبيان المغرب.
(٥) زيادة من المعالم.
(٦) النصّ في المعالم ١: ٥٤. وقارن: نهاية الأرب ٢٢: ١٩ - ٢٠، كامل ابن الأثير ٤: ١٠٧.
(٧) أبو محجن بن حبيب الثقفي. اختلف في اسمه. شاعر مخضرم، شهد القادسية. الأغاني ١٩: ١ - ١٣ (دار الكتب)، الشعر والشعراء ١: ٤٢٣ - ٤٢٤، قطب السرور ١٢٠ - ١٢٣، الاستيعاب ٤: ١٧٤٦ - ١٧٥١، أسد الغابة ٦: ٢٧٦ - ٢٧٨، الاصابة ٤: ١٧٣ - ١٧٦، خزانة الأدب ٣: ٥٥٠ - ٥٥٦. وورد البيتان في كامل ابن الأثير ٤: ١٠٧ ونهاية الأرب ٢٢: ٢٠، وديوانه ص ٣٧ - ٣٨.
(٨) في الأصل: أليس عظيمًا، والمثبت من المصادر الآنفة الذكر.
(٩) في الأصل: تقرع. وفي أصول المعالم: تقنع. ورواية الديوان وبعض المصادر تطعن، وفي بعضها الآخر: تردي، ترتدي. وأخذنا برواية الكامل ونهاية الأرب. وفي القاموس مَرَغَ، كمنَع: أكل العشب. وفي العشب: أقام.
(١٠) قَنَاء الحائط -كسَمَاء-: الجانب يفيء عليه الفيْء (القاموس: قنا).
(١١) زيادة من المصادر.
(١٢) في الأصل: مصاريع. والاصلاح من المصادر.
(١٣) رواية قطب السرور والكامل والنهاية: "مصارع من دوني تصم". وفي بقية المصادر، "مصارع دوني قد تصم ".
[ ١ / ٤٢ ]
قال وهب بن منبه وشهر بن حوشب (١١٣): إن هذه البقعة الملعونة التي يقال لها «تهودة» كان النبي ﷺ ينهى عن سكناها، وقال: «سوف يقتل بها رجال (١١٤) من أمتي على الجهاد في سبيل الله تعالى، ثوابهم ثواب (١١٥) أهل بدر وأحد (١١٦)، وا شوقاه إليهم!
[قال شهر بن حوشب: سألت التابعين عن هذه العصابة؟ فقالوا: ذلك عقبة وأصحابه قتلهم البربر والنصارى بتهودة] (١١٧) فمنها يحشرون يوم القيامة.
وقيل (١١٨) إن عقبة مر بعبد الله (١١٩) بن عمرو بن العاص وهو بمصر وقت عودته إلى إفريقية فقال له عبد الله (١٢٠): «لعلك من الجيش الذين يدخلون الجنة برحالهم»، فمضى فقاتل بجيشه البربر وهم كفار فقتلوا [جميعا] (١٢١).
قال مؤلف الكتاب الشيخ أبو بكر (١٢٢) عبد الله بن محمد المالكي: «حدثني بهذا الفقيه «أبو عبد الله الأجدابي (١٢٣) عن ولد أبي العرب عن أبيه، يقول: «ولما (١٢٤)
_________________
(١) الخبر بهذا الاسناد في الطبقات ص ٩ - ١٠، والمعالم ٥٤: ١ - ٥٥ ونصّ الرياض والمعالم منقول عن الطبقات بتصرف مخلّ. وقارن برواية مسالك البكري ص ٧٣ - ٧٤، والاستبصار ص ١٧٤ - ١٧٥، والروض المعطار ص ١٤٢ - ١٤٣.
(٢) في الأصل: رجل. والمثبت من المصادر.
(٣) في الأصل: «ثوابهم وثواب».وقد حذفنا حرف «الواو» كما في المصادر.
(٤) في الأصل واحد. والاصلاح من المعالم. وعبارة المصادر: وأهل أحد.
(٥) ما بين المعقفين أضفناه من الطبقات ص ١٠ ومسالك البكري ص ٧٣ والاستبصار ص ١٧٤. والروض المعطار ص ١٤٢.وذلك حتى يقع التفريق بين ما هو منسوب لرسول الله ﷺ وما هو من كلام شهر بن حوشب.
(٦) الخبر في فتوح مصر ص ١٩٩ والطبقات ص ٩ والمعالم ٥٥: ١.
(٧) في الأصل: بعمرو. والمثبت من المصادر.
(٨) في الأصل: عبد الملك. والمثبت من المصادر.
(٩) زيادة من المصادر.
(١٠) في الأصل: أبي بكر.
(١١) في الأصل: الأجداني. وهو أبو عبد الله الحسين بن أبي العباس عبد الله بن عبد الرحمن الأجدابي. شيخ المالكي، فقيه ومؤرخ له عدّة كتب في التاريخ. توفي سنة ٤٣٢.المدارك ١٠٠: ٧ - ١٠١، المعالم ٢١٢: ٣.
(١٢) الخبر في المعالم ٥٥: ١ مسندا عن المالكي. وقريب منه نصّ البيان ٣١: ١ والكامل ١٠٨: ٤.
[ ١ / ٤٣ ]
استشهد عقبة وأصحابه، جمع كسيلة جميع [أهل] (١٢٥) المغرب (١٢٦)، وزحف إلى القيروان. فانقلبت إفريقية نارا، وعظم البلاء على المسلمين، فخرجوا هاربين لعظم ما اجتمع من البربر والروم مع كسيلة، ولم يبق فيها إلى الشيوخ الهرمى (١٢٧) والنسوان والأطفال وكل مثقل بالعيال (١٢٨). وحار الناس، وأرسلوا إلى كسيلة يسألونه الأمان، ووثقوا بدعوة عقبة رحمه الله تعالى، فأجابهم إلى ذلك، ودخل القيروان، وجلس في موضع عقبة، وبقى بقية المسلمين تحت يديه. ومضى الذين هربوا حتى قدموا على يزيد فوجدوه توفي سنة أربع وستين».
ذكر أبو العرب (١٢٩) أن «زهير بن قيس البلوي» خليفة عقبة لما بلغه ما جرى على عقبة رعب رعبا شديدا، وأراد الانصراف إلى مصر، فأبى «ابن حيان الحضرمي» (١٣٠)، وقال: «لا تفعل، فإنها هزيمة إلى مصر» فكان أول من برز فضرب خباءه مبارزا للعدو، فلما رأى زهير عزمه، عزم معه (١٣١)، وكان مع المسلمين في عسكرهم تبيع (١٣٢) ابن امرأة كعب الأحبار فقال له زهير: «لمن تراها؟»
_________________
(١) زيادة من المعالم.
(٢) في الأصل: العرب. والمثبت من المعالم.
(٣) في المخطوط والمطبوع: الهرم. ويزيد المخطوط شدّة فوق الراء. والمعروف أن جمع هرم: هرمى وهرمون.
(٤) عبارة المعالم، على اختصارها، أوفى وأدق: «وبقي بها أصحاب العيال وكل مثقل من التجار وأهل الذمّة».
(٥) النصّ في المعالم ٥٥: ١ - ٥٦ بنفس الإسناد. ويبدو أن المالكي نقله عن أحد كتب أبي العرب التي لم تصلنا.
(٦) لعله العلم المذكور في سند أبي العرب (طبقات ص ١٨) وكذلك المالكي (رياض ٨: ١) والدباغ (معالم ٦: ١) واسمه «خالد بن حيان بن الأعين الحضرمي».
(٧) كذا في الأصل. وهو خلط من المؤلف تابعه عليه صاحبا المعالم لأن المصادر التاريخية تجمع على القول بأن زهيرا لم ينازل كسيلة ولم يلتق معه في هذه المرّة بل اضطرّ إلى اللّحاق ببرقة بعد انفضاض أصحابه عنه، كما أن واقعة «ممسّ» المذكورة في هذا النصّ هي نفسها التي سيذكرها المؤلف عند حديثه عن عودة زهير بن قيس واليا من قبل عبد الملك بن مروان وقتله كسيلة. ينظر: صلة السمط ١١٤: ٤ ظ، كامل ابن الأثير ١٠٨: ٤ - ١٠٩، البيان المغرب ٣٠: ١ - ٣١، نهاية الأرب ٢٠: ٢٢ - ٢١، نصّ جديد عن فتح المغرب ص ٢٩.
(٨) في الأصل: يتبع. وهو تبيع-مصغّرا-بن عامر الحميري ابن امرأة كعب الأحبار توفي سنة ١٠١.الكاشف ١٦٧: ١، تبصير المنتبه ١٩٥: ١.
[ ١ / ٤٤ ]
فقال: «أراها لرجل من غسان وأنت رجل من بليّ» (١٣٣) قال: فاستهل زهير، فحمد الله تعالى وقال: «أنا والله من نواقل (١٣٤) العرب، وأنا من غسان، جنى جدي جناية [في قومه] (١٣٥) فلجأ إلى «بليّ» فغلب علينا نسبهم» وقال لتبيع: «ما علامة الفتح لنا؟» قال: يطيش (١٣٦) رجل من أصحابك فيستشهد».فلما تدانت الخيول طاش رجل من أمداد (١٣٧) اليمن فقتل، وكان اللقاء «بقصر أبي عبيد» ويقال إنه كان «بممس» (١٣٨). ويقال إن تبيعا قال لزهير: «علامة صاحب الفتح أن يفتض ذلك اليوم بكرا»، قال: فأدنى إليه زهير (١٣٩) رأسه وقال إنه لم يجف بعد، و«إنما تطهرت من افتضاض بكر الساعة» فقال له تبيع: «اخرج على بركة الله الساعة»، فثبت زهير بالقيروان حتى زحف إليه كسيلة في جمع عظيم من البربر والروم.
ونقض الروم العهد، وخرجوا من حصونهم، ووافق جميعهم عيد الأضحى فاعتدّ زهير ومن معه ستة آلاف: ألفين (١٤٠) من البربر وأربعة آلاف من العرب، فلما رأى زهير ما حل به من الروم والبربر، أرسل إلى الروم وقال لهم: «إنا وإياكم أهل كتاب، وقد حضرنا يوم نعظمه، فأخروا حربنا حتى ينقضي العيد»، فأجابوه إلى ذلك. فلما انقضى العيد زحف إلى كسيلة وقاتله قتالا شديدا، فانهزم كسيلة وقتل من أصحابه ما لا يحصى، وتفرقوا. فأقام زهير بالقيروان يسيرا ثم خرج إلى مصر، فوصل
_________________
(١) نسبة لبليّ بن عمرو احد بطون قبيلة قضاعة من قبائل اليمانية المعروفة. الاشتقاق ص ٥٥٠، جمهرة أنساب العرب ٤٤٠ - ٤٤٢.
(٢) في الطبعة السابقة والمعالم: نوافل-بالفاء-والمثبت من المخطوط وفي القاموس: (نقل): النواقل: قبائل تنتقل من قوم الى قوم.
(٣) زيادة من المعالم وصلة السمط.
(٤) في الأصل: يطيح. والمثبت من المعالم. وانظر قوله بعد هذا. «طاش رجل ».
(٥) في الأصل: من مداد. والمثبت من المعالم.
(٦) وتعرف ب «ساقية ممس» قرية عامرة قريبة من القيروان على الطريق الرابط بينها وبين سبيبة. مسالك البكري ص ١٤٦.أما قصر أبي عبيد فلم نجد له ذكرا في المصادر المتوفرة لدينا.
(٧) في الأصل: البعير. وهو خطأ واضح.
(٨) في الأصل: ألفان.
[ ١ / ٤٥ ]
إلى لوبيا ومراقية (١٤١) وذلك سنة خمس وستين، فوجد يزيد قد توفي وعبد الله بن الزبير خليفة بمكة، ومروان بن الحكم أميرا بالشام [فأقام هناك مرابطا] (١٤٢).
[ولمّا ولي عبد الملك بن مروان واشتدّ سلطانه واجتمع إليه أكابر المسلمين] (١٤٣) فسألوه أن يبعث الجيوش إلى إفريقية لخلاص من فيها من المسلمين من يد «كسيلة»، وأن يعز بها الإسلام كما كان في أيام عقبة، فقال لهم: «ومن للأمر مثل عقبة؟» فاتفق رأيهم ورأي المسلمين على زهير بن قيس البلوي، وكان من رؤساء العابدين وأشراف المجاهدين، فوجه إليه عبد الملك بن مروان، يأمره (١٤٤) بالخروج على أعنة الخيل فيمن معه من المسلمين لغزو إفريقية.
فلما اتصل ذلك بزهير سره وسارع إلى الجهاد، وكتب إلى عبد الملك يخبره بقلة من معه من الرجال والأموال، فأرسل [عبد الملك] (١٤٥) إلى أشراف العرب ليحشدوا (١٤٦) إليه الناس من الشام (١٤٧)، وأفرغ عليهم أموال مصر، فسارع الناس إلى الجهاد، واجتمع منهم خلق عظيم، فأمرهم أن يلحقوا بزهير، فلما وصلوا إليه خرج بهم إلى إفريقية، فلما دنا من القيروان [نزل بقرية يقال لها «قلشانة»] (١٤٨) وذلك في سنة تسع وستين، فبلغ ذلك كسيلة وكان في خلق عظيم من الروم والبربر، فدعا
_________________
(١) يقول ياقوت (معجم البلدان ٦: ٧) إذا قصد القاصد من إسكندرية إلى إفريقية فأول بلد يلقاه «مراقية» ثم «لوبية».ينظر: معجم البلدان اللّيبية (مادة: لوبية ومرمريكا).
(٢) يبدو أن المؤلف حاول تلخيص النصّ المتداول في كتب المؤرخين واختصاره فأحلّ بالمعنى وما يقتضيه سياق الكلام، فحاولنا ترقيعه مستفيدين من جميع المصادر المعروفة والمذكورة أسفله.
(٣) عبارة الأصل: فاجتمع إلى مروان وفي المعالم: فاجتمع المسلمون إلى مروان. وقد حوّرناها بما يناسب السياق، لأن المالكي نفسه وكذلك الدباغ يذكران في خاتمة هذا النصّ أن عبد الملك هو الذي وجه إلى زهير بالولاية. ينظر تاريخ إفريقية والمغرب ص ٤٧، كامل ابن الأثير ١٠٨: ٤، صلة السمط ١١٤: ٤ ط، نهاية الأرب ٢٠: ٢٢، البيان المغرب ٣١: ١، نصّ جديد عن فتح المغرب ص ٢٩، عبر ابن خلدون ١٨٦: ٤.
(٤) في المطبوع والمخطوط: فأمره. والمثبت من تاريخ إفريقية وصلة السمط والمعالم والبيان.
(٥) زيادة من المعالم.
(٦) في الأصل: ليحشدون.
(٧) رواية المعالم تختلف قليلا عما هنا، ونصّها: «فأرسل عبد الملك رجال العرب وأشرافهم يحشدون عليه الناس من مدائن الشام.
(٨) زيادة من المعالم. وقد جاء اسم القرية هناك «قرشانة» حرفه الثاني راء. والتصويب من مسالك البكري ص ٢٩ والروض المعطار ص ٤٦٦.
[ ١ / ٤٦ ]
كبارهم وأشرافهم وشاورهم وقال لهم: «أرى أن ننزل بممس لئلا يركبنا من بالقيروان إذا التحم القتال فنهلك، فيكون عسكرنا بممس لأن ماءها كثير، فإن هزمناهم دخلنا معهم طرابلس وقطعنا آثارهم، وإن هزمونا كان الجبل منا قريبا فتحصنا به» فأجابوه إلى ذلك، فنزل ممس. وانتظره زهير أن يخرج إليه من القيروان، فلما رآه نزل ممس رحل زهير إليه ونزل بالقيروان وأقام بها ثلاثة أيام حتى استراح وأراح، وأراح أصحابه خيلهم، وزحف إلى كسيلة يوم الأربعاء (١٤٩) صباحا.
فأشرف على عسكر (١٥٠) [كسيلة] (١٥١) في آخر النهار، فنزل، وبات الناس على مصافهم، فلما أصبح صلّى زهير غلسا [ثم زحف إليه بمن معه] (١٥٢) فالتقى القومان، فاقتتلوا قتالا شديدا حتى كثر البلاء في الفريقين، فضرب الله في وجه كسيلة فانهزم هو وأصحابه، وقتلوا قتلا [ذريعا] (١٥٢) وقتل كسيلة بممس وتمادت العرب في طلبهم حتى سقوا خيلهم من «ملويّة» (١٥٣)، وادي طنجة.
وفتح «شقّبنارية» (١٥٤) وقلاعا أخر، ورجع وقد فزع منه (١٥٥) جميع الروم والبربر.
ثم إن زهيرا رأى بإفريقية رفاهة العيش وملكا عظيما فأبى من المقام، وقال:
«إنما قدمت للجهاد، ولم أقدم لحب الدنيا»، فأراده رؤساء أصحابه على المقام فأبى، ورجع إلى المشرق (١٥٦)، ونزل ببرقة فكانت له بها وقائع كبيرة.
ولما (١٥٧) بلغ الروم أن زهيرا خرج من برقة أمكنهم ما يريدون فخرجوا إليها في مراكب كثيرة وقوة عظيمة، فأغاروا عليها، فسبوا وقتلوا، فوافق ذلك قدوم زهير من
_________________
(١) كذا في الأصل والمعالم. ولعلّ صوابها: في اليوم الرابع كما في بقية المصادر.
(٢) في الأصل: العسكر. والمثبت من البيان والمعالم.
(٣) زيادة من المصدرين المذكورين.
(٤) زيادة من المعالم.
(٥) نهر كبير مشهور بين أنهار المغرب: الاستبصار ص ١٩٣، ١٧٧.
(٦) هي مدينة «الكاف» اليوم. وشقبنارية، تعريب لاسمها الروماني: Sicca Vaneria ينظر: دروس الجغرافية ص: ١١٦ والروض المعطار ٣٤٨ - ٣٤٩.
(٧) في الأصل: وخرج. والمثبت من المعالم. وقريب منه عبارة صلة السمط والبيان وتاريخ إفريقية.
(٨) في الأصل: الشرق. والمثبت من المصادر.
(٩) النصّ في المعالم ٥٩: ١ وعبارتها أدق وأوفى: «وكانت الروم لما بلغهم أن زهيرا خرج غازيا إلى افريقية لقتال الروم والبربر، وأيقنوا أنه خرج من برقة أمكنهم » وقارن بما جاء في تاريخ =
[ ١ / ٤٧ ]
إفريقية إلى برقة، فأخبروه بخبرهم، فأمر عسكره أن يمضي على الطريق، وعدل هو إلى الساحل في خيل يسيرة (١٥٨) من فرسان أصحابه، وطمع أن يدرك العدو فيستنقذ منه أسارى المسلمين، فلما وصل إلى الساحل أشرف على الروم، فإذا هم خلق عظيم، واستغاث ذراري المسلمين وصاحوا، والروم يدخلون بهم في المراكب وعسكر الروم [بوفرة] (١٥٩) في البر، فنادى زهير في أصحابه: «انزلوا رحمكم الله!» فنزل المسلمون، وبرز الروم لقتالهم، فاقتتلوا حتى عانق بعضهم بعضا، وتكاثر عليهم الروم فاستشهد زهير وكل من كان معه من المسلمين ﵃، ولم يخلص منهم سوى رجل واحد، فأدخل الروم خيلهم وسلاحهم والسبي الذي كان معهم إلى المراكب. فلما بلغ عبد الملك والمسلمين (١٦٠) الخبر اشتد عليهم ذلك، وكانت المصيبة بزهير وأصحابه مثل المصيبة بعقبة بن نافع وأصحابه رضي الله تعالى عن جميعهم.
وسأل أشراف المسلمين عبد الملك أن ينظر إلى أهل إفريقية ويؤمنهم من عدوهم ويبعث الجيوش إليهم، فقال عبد الملك: «ما أعلم أحدا أكفأ بإفريقية من حسان ابن النعمان الغساني»، فبعثه أميرا سنة تسع وستين في ستة آلاف، وهو أول من دخل إفريقية من أهل الشام في زمن بني أمية، فسار حسان إلى إفريقية، فسأل عن أعظم من فيها من الملوك، فقالوا: «صاحب قرطاجنة» فرحل إليه [حسان] (١٦١)، وفي بلده من الروم ما لا يعلمه إلا الله تعالى، وهي على شاطئ البحر تسمى ترشيش (١٦٢) [وهي من مدينة القيروان على مائة ميل] (١٦١) فنزل عليها، وضيق عليهم، وتواقف القوم واقتتلوا، فقتل رجالهم وفرسانهم، واجتمع رأى الروم على العبور إلى جزائر البحر، وكانت لهم سفن، فهربوا إلى «صقلية» وإلى الأندلس. فدخلها «حسان» بالسيف،
_________________
(١) = افريقية والمغرب ص ٥٢ - ٥٣، كامل ابن الاثير ١٠٩: ٤، نهاية الأرب ٢١: ٢٢، البيان المغرب ٣٣: ١، صلة السمط ١١٥: ٤ ظ، نصّ جديد عن فتح المغرب ص ٢٩.
(٢) في الأصل: كثيرة. والمثبت من المعالم.
(٣) زيادة من المعالم.
(٤) في الأصل: والمسلمون.
(٥) زيادة من المعالم. وجاء فيها ت حديد المسافة: مائة ميل وميل. وأخذنا برواية مسالك البكري ص ٣٦ وصلة السمط ونصّ جديد عن فتح المغرب.
(٦) نقل ياقوت (معجم البلدان ٢٧٦: ٢) عن ابن رشيق القيرواني: أن «ترشيش» اسم مدينة تونس بالرومية.
[ ١ / ٤٨ ]
فسباها، وغنم ما فيها وأرسل إلى ما حولها من العمران، فاجتمعوا إليه مسرعين، فأمرهم بهدم قرطاجنة وقطع القناة عنها.
ثم جمّع عليه الروم، وعقدوا (١٦٣) عليه عسكرا عظيما لا يعلمه إلا الله تعالى، وأمدهم البربر وذلك في بلد تسمى «صطفورة» (١٦٤)، فزحف إليهم حسان فقاتلهم قتالا عظيما، وأصيب من أصحابه رجال كثيرون (١٦٥)، رضي الله تعالى عنا وعنهم.
[ثم] (١٦٦) إن الله ﵎ ضرب في وجوه الذين كفروا من الروم والبربر فانهزموا بعد بلاء عظيم، [فقتلهم حسان قتلا عظيما] (١٦٦) واستأصلهم وحمل بأعنة الخيل عليهم، فما ترك في بلادهم موضعا إلا وطئه بخيله، ولجأ بقية الروم خائفين هاربين إلى مدينة «باجة» فتحصنوا بها، وهرب البربر (١٦٧) إلى إقليم «بونة».
وأخرق (١٦٨) حسان البحر فاحتفره، وجعل دار الصناعة، وأخرق (١٦٩) البحر إليها ثم انصرف، إلى مدينة القيروان فأقام بها حتى برئت جراح أصحابه.
ثم سأل (١٧٠) حسان فقال: «من أعظم ملوك إفريقية؟» وعمن إذا قتل أو قهر
_________________
(١) في المخطوط والمطبوع: وغدوا. والمثبت من المعالم.
(٢) عبارة الكامل: في «صطفورة» و«بنزرت» وهما مدينتان. والمعروف أن «صطفورة» -بالصاد أو السين-اسم يطلق على الاقليم الذي يضم ولاية بنزرت اليوم تقريبا وليس علما على مدينة بعينها. ينظر: الروض المعطار ص ٣١٨.
(٣) في الأصل: كثير.
(٤) زيادة من المعالم. وقارن بنصّ البيان.
(٥) في الأصل: البربري. والمثبت من المصادر.
(٦) كذا في الأصل. وفي المعالم: اخترق. ولم تذكر المعاجم صيغة «أخرق» بالمعنى المراد هنا. ورواية المصادر لهذه العبارة أدق: «وأمر عبد الملك حسانا أن يخرق البحر إلى تونس من جهة رادس» ينظر: رحلة التجاني ص ٦ - ٧، تاريخ الرقيق ٤٦، وقارن برواية صلة السمط ١١٩: ٤ و: «خرق المجرى بتونس إلى دار الصناعة».أما البكري (المسالك ص ٣٨) فعبارته أكثر دقة: «فاجرى [حسان] البحر من مرسي رادس إلى دار الصناعة».وقارن بالروض المعطار ص ٢٦٦. ولا أستبعد أن يكون في نقل صاحب الرياض تصحيف وتحريف لما جاء في رواية البكري.
(٧) كذا في الأصل أيضا. وفي المعالم: وأخرج. ولعله مصحف عن «أنفذ» وفي رواية أخرى:» أن عبيد الله بن الحبحاب بنى دار الصناعة وأنفذ إليها البحر» ينظر: الروض المعطار ص ١٤٣، الاستبصار ص ١٢٠.
(٨) قارن ب: تاريخ إفريقية ص ٥٥، المعالم ٦١: ١، صلة السمط ١١٦: ٤ و، كامل ابن الأثير =
[ ١ / ٤٩ ]
دانت إفريقية لقاتله ويئس الروم والبربر من أنفسهم، فقيل له امرأة يقال لها الكاهنة، وهي في جبل أوراس، وجميع من بإفريقية خائفون (١٧١) منها، والروم سامعون لها مطيعون (١٧٢) «فإن قتلتها يئس الروم والبربر أن يكون لهم ملجأ».فلما سمع ذلك حسان عزم على قصدها، فخرج إليها بجيوشه، فلما بلغ مجانة (١٧٣) نزل بها، وكانت قلعة مجانة (١٧٣) لم تفتح، فتحصن بها الروم، فمضى وتركهم، وبلغ الكاهنة أمره فزحفت (١٧٤) من جبل «أوراس» في عدد لا يعلمه إلا الله ﷿، فنزلت بمدينة «باغاي» (١٧٥)، فأخرجت من بها وهدمتها، وظنت أن حسان يريد حصنا (١٧٦) [يتحصن به] (١٧٧) ثم أقبل حسان حين بلغه الخبر إلى وادي «مسكيانة (١٧٨)»، فقيل له إنها قد أقبلت في عدد لا يحصيه (١٧٩) إلا الله تعالى، فقال لهم: «دلوني على ماء يسع العسكر الذي أنا فيه»، فمالوا به إلى نهر (١٨٠)، فنزل (١٨١) عليه، وزحفت إليه الكاهنة حتى أتت أسفل النهر فنزلت عليه، فكان يشرب هو وأصحابه من أعلاه وتشرب هي وأصحابها من أسفل النهر. فلما دنا بعضهم من بعض وتواقفت الخيل-[وذلك آخر
_________________
(١) = ٣٧٠: ٤ - ٣٧١، نهاية الأرب ٢٣: ٢٢ - ٢٤، البيان المغرب ٣٥: ١ - ٣٦، الروض المعطار ص ٦٥ - ٦٦، نصّ جديد عن فتح المغرب ص ٣٠.
(٢) في الأصل: خائفين. والاصلاح من الروض المعطار.
(٣) في الأصل: سامعين لها مطيعين. والاصلاح من الروض المعطار والمعالم.
(٤) في الأصل: بجاية. والتصويب من المصادر. وينظر عن مجانة -وتعرف بـ "مجانة" المطاحن- وعن قلعتها وحصانتها وتأخر فتحها. مسالك البكري ص ١٤٥.
(٥) في الأصل: فرجعت. وكذا في الروض المعطار. وفي تاريخ الرقيق والبيان المغرب: فرحلت. وفي صلة السمط: فارتحلت. والمثبت من المعالم.
(٦) ويرسمها القدماء: باغاية. أيضًا.
(٧) في المطبوعة: حصنها. وما في المخطوط موافق لما في المعالم والروض المعطار.
(٨) زيادة من المعالم والروض المعطار.
(٩) في الأصل والمعالم: مكناسة. (والاصلاح من الناشر) ومكناسة في أقصى المغرب بينما المعركة تدور في الطرف الغربي من بلاد إفريقية. وينظر عن مسكيانة وواديها: مسالك البكري ص ٥٠، ١٤٥. الروض المعطار ص ٥٥٨.
(١٠) في المخطوط والمطبوع: لا يحصى ما هم. ولعل الصواب ما أثبتناه.
(١١) في الأصل: فنزلوا. والاصلاح من المصادر.
(١٢) يقول الرقيق (تاريخه ص ٥٦): إن هذا النهر يسمى بلسان البربر "بلي" بينما يسمه ابن الأثير والنويري "نهر نيني" ويسميه ابن عبد الحليم (نصّ جديد ص ٣٠) "وادي ترضى".
[ ١ / ٥٠ ]
النهار] (١٨٢) -أبى (١٨٣) حسان أن يقاتلهم بالليل، فوقف كل قوم على مصافهم، فلما أصبحوا زحف بعضهم إلى بعض، فاقتتلوا قتالا شديدا، فعظم البلاء، وظن المسلمون أنه الفناء، وانهزم حسان بعد بلاء عظيم، وقتل من العرب خلق كثير، فسمى ذلك النهر «نهر البلاء» (١٨٤). فاتبعته الكاهنة بمن معها، حتى خرج من حد «قابس» فأسلم إفريقية ومضى على وجهه، وأسرت من أصحابه ثمانية رجال، وقيل ثمانين رجلا، منهم خالد بن يزيد العبسي (١٨٥)، /وكان رجلا مذكورا.
فلما فصل من قابس كتب إلى أمير المؤمنين يخبره الخبر بما نزل بالمسلمين من الكاهنة، وأقبل يرفق في سيره طمعا فيمن نجا من أصحابه [أن يلحقوا به] (١٨٦)، إلى أن بلغ [أنطابلس] (١٨٧)، ثم إن أمير المؤمنين [عبد الملك بن مروان] كتب إليه: «إنه قد بلغني أمرك وما لقيت وما لقي المسلمون، فانظر حيث لقيت كتابي هذا، فأقم ولا تبرح حتى يأتيك أمري»، فلقيه الكتاب وهو نازل بمكان يقال له اليوم «قصور حسان» فبنى هنالك قصرا لنفسه، وأقام بذلك الموضع هو ومن معه ثلاث سنين، وملكت الكاهنة إفريقية كلها.
_________________
(١) زيادة من تاريخ الرقيق وصلة السمط.
(٢) في الأصل: فأبى.
(٣) عبارة الاصل: فسمى ذلك اليوم «يوم البلاء» والتصويب من فتوح مصر ص ٢٠٠، وتاريخ الرقيق والمعالم والروض المعطار. وعبارة الرقيق: فسمي ذلك الوادي «وادي العذارى» وسمي أيضا «نهر البلاء» وبينه وبين باغاية ثمانية عشر ميلا.
(٤) كذا في المعالم أيضا. وقد ورد في الأصل بدون إعجام. وقد جاء هذا النسب بعد أسطر يسيرة معجما «القيسي» وقد ترددت المصادر في رسمه بين «العبسي» و«القيسي» كما اضطربت المصادر في اسمه واسم أبيه فهل هو خالد بن يزيد أو يزيد بن خالد أما نسبه فقد كفانا ابن عبد الحكم مؤونة التخمين حين صرح بأنه من «عبس».أما القلب الذي حدث في اسمه واسم أبيه فيبدو أنه قديم، فقد جاء في تعريف أبي العرب به عند تعداده للتابعين الداخلين إلى افريقية: «يزيد بن خالد القيسي الذي كانت الكاهنة أسرته لما هزمت حسان بن النعمان. وكان خالد من أذكر ما كان. وقول أبي العرب: «وكان خالد من أذكر من كان» يفيد أن اسمه «خالد» ويدعم هذا الرأي أن ابن عبد الحكم (فتوح ص ٢٠٠ - ٢٠١) لم يذكره الا باسم «خالد بن يزيد» وكذلك فعل صاحب الروض المعطار ص ٦٥ - ٦٦.ويراجع صلة السمط ١٤٠: ٤ و.
(٥) زيادة من المعالم. وقارن بالروض المعطار.
(٦) بياض مقدار كلمة في الأصل. وقد سددناه اعتمادا على ما جاء في فتوح مصر ص ٢٠٠: «وأفلت حسان ونفذ من مكانه إلى انطابلس فنزل قصورا من حيّز برقة ».
[ ١ / ٥١ ]
وكانت الكاهنة حين أسرت ثمانين رجلا من أصحاب حسان أحسنت (١٨٨) إسارهم إلا رجلا واحدا وهو خالد بن يزيد العبسي (١٨٩)، وكان أذكر من كان مع حسّان، فحبسته عندها (١٩٠)، ثم عمدت إلى دقيق شعير مقلوّ، فأمرت به فلتّ بزيت-والبربر تسمّى ذلك «البسيسة» (١٩١) -ثم دعت خالد بن يزيد وابنين لها فأمرتهم فأكلوا ثلاثتهم (١٩٢) منها، وقالت لهم: أنتم [الآن] (١٩٣) قد صرتم إخوة. وذلك عند البربر من أعظم العهد في جاهليتهم إذا فعلوه.
ثم إنّ حسّان بعث رسولا إلى خالد-وخالد عند الكاهنة-يقول له: قال لك حسّان: مالك لا تكاتبنا بخبر الكاهنة؟ فكتب خالد كتابا (١٩٤) إلى حسان مع رسوله في خبزة ملّة (١٩٥)، قد أنضجها، ثم دفعها إلى الرسول ليخفي الكتاب، وليظنّ من رأى الخبزة أنها زاد ذلك الرجل فلم يغب شخص الرجل الرسول [عنهم] (١٩٦) حتى خرجت الكاهنة ناشرة شعرها (١٩٧) [وهي تقول: يا معشر بنيّ] (١٩٨)، هلاككم فيما يأكل النّاس فكرّرت ذلك ثلاث مرّات، ومضى الرسول حتى قدم على حسان بالكتاب، وقد افترق الناس يمينا وشمالا يطلبون من قالت فيه، فستره الله ﷿
_________________
(١) في المعالم: أساءت. وهو خطأ. وقد فسرت المصادر هذا الإحسان بأنه إطلاق سراحهم.
(٢) ينظر تعليقنا رقم ١٨٥.
(٣) في الأصل: عنده. والاصلاح من المصادر.
(٤) ينظر عن البسيسة. ملحق القواميس ٨٢: ١ - ٨٣.
(٥) في الأصل: ملاتهم. والمثبت من المعالم والروض المعطار.
(٦) زيادة من المعالم والروض المعطار.
(٧) في المطبوعة السابقة: خطابا. وأثبتنا ما في الأصل والمعالم والروض المعطار.
(٨) في الأصل (مخطوطا ومطبوعا): في ملة خبز. والاصلاح من المصادر. وفي اللّسان (ملل): ويقال: هذا خبز ملّة. ولا يقال للخبز ملّة، إنما الملّة الرماد الحار.
(٩) زيادة من المعالم والروض المعطار.
(١٠) من هنا إلى تعليقنا رقم ٢٠٦، أغفله الناسخ ثم تداركه بالهامش ويبدو أن ضيق المكان قد اضطره إلى الاختصار والتصرف والحذف وقد استكملنا النقص مستعينين بالمصدرين الأساسيين وهما معالم الايمان ٦٣: ١ - ٦٥، والروض المعطار ص ٦٥ - ٦٦، مع الاستفادة من بقية المصادر وخاصة فتوح مصر ص ٢٠٠ - ٢٠١، تاريخ إفريقية والمغرب ص ٥٨ - ٦١ وقد وضعنا ما أخذنا من المصادر بين معقفين أما ما جاء في هامش الأصل فقد اعتبرناه من أصل الكتاب.
(١١) زيادة من المعالم والروض المعطار.
[ ١ / ٥٢ ]
عنها. وفي الكتاب جميع ما يحتاج إليه من خبر الكاهنة، ويقول في آخره (١٩٩): وإذا وقفت على الكتاب فاطو (٢٠٠) المراحل، فإن الأمر لك، ولست أسلمك إن شاء الله تعالى.
ثم إن خالد كتب بعد ذلك إلى حسان يخبره بما قبله، ثم عمد إلى قربوس (٢٠١) فنقره، [ثم وضع فيه الكتاب وأطبق عليه القربوس، وأخفى مكان النقر منه، ثم حمل رسولا على دابة إلى حسان، فلمّا فصل الرسول بالكتاب، خرجت الكاهنة ناشرة شعرها وهي تقول: يا بني] (٢٠٢) هلاككم في [شيء من] (٢٠٣) نبات الأرض، [وهو] (٢٠٣) بين خشبتين-وكانت من أعلم أهل زمانها بالكهانة-[ومضى الرسول حتّى قدم على حسان] (٢٠٣).
فلمّا بلغ الكاهنة أن حسانا مقيم (٢٠٤) بقصوره لا يبرح، قالت للبربر والروم: إنّما طلب حسّان من إفريقية المدائن والذهب والفضة [والشجر] (٢٠٣) ونحن إنّما نريد المراعي والزرع، فما أرى لكم إلاّ خرابها، فوجّهت البربر يقطعون الشجر ويهدمون الحصون. قال ابن أنعم (٢٠٥): وكانت إفريقية من طرابلس إلى طنجة ظلاّ واحدا متّصلة الشجر، فأخربت ذلك كلّه؛ فخرج من النصارى ثلاثمائة رجل [يستغيثون بحسان فيما نزل بهم من الكاهنة من خراب] (٢٠٣) الحصون وقطع الشجر، وفي أثناء ذلك وصله كتاب عبد الملك يأمره (٢٠٦) [بالنهوض إلى إفريقية قبل أن تخربها الكاهنة، فوافق ذلك وصول الروم إليه وقدوم رسول خالد بن يزيد عليه، فرجع بجميع عسكره إلى إفريقية.
فيقال: إنه لمّا رحل من قصوره بجميع عسكره إلى إفريقية، خرجت الكاهنة
_________________
(١) رواية المعالم والروض المعطار للكتاب أوفى وأتمّ.
(٢) في الأصل تطوي. والمثبت من المصادر.
(٣) كحلزون. حنو السرج (القاموس: قربس).
(٤) زيادة من المعالم والروض المعطار. ولبقية المصادر رواية تختلف يسيرا عن روايتنا.
(٥) زيادة من المعالم والروض المعطار.
(٦) في الأصل: مقيما. والاصلاح من الروض المعطار والمعالم.
(٧) هو عبد الرحمن بن زياد بن أنعم. كما نصّ عليه الرقيق في تاريخه ص ٦١ وابن الشبّاط في صلة السمط ١١٦: ٤ ظ.
(٨) إلى هنا ينتهي النصّ المخرج بالهامش. ينظر التعليق رقم ١٩٧.
[ ١ / ٥٣ ]
ناشرة شعرها [فقالت] (٢٠٧): يا بني انظروا ماذا ترون في السماء؟ قالوا نرى شيئا من سحاب أحمر. فقالت: لا وإلهي، ما هو إلاّ رهج خيل العرب قد أقبلت عليكم، ثم قالت لخالد بن يزيد، الذي كانت أسرته: إنما كنت تبنّيتك لمثل هذا اليوم، أما أنا فمقتولة ولكني أوصيك بأخويك هذين خيرا-تريد ولديها-فانطلق بهما إلى العرب فخذ لهما أمانا، فانطلق بهما خالد إلى العرب فأخذ لهما أمانا، ولقي حسان وهو مقبل يريد «الكاهنة» فأخبره خبرهما وأخذ لهما أمانا، وكان مع حسان جماعة من البربر يقال لهم «البتر» (٢٠٨) فولّى عليهم الأكبر من ولدي (٢٠٩) الكاهنة وأكرمه وقرّبه (٢١٠)، ثم مضى حسان ومن معه يريد الكاهنة، فوصل إلى «قابس» (٢١١)، فلقيته الكاهنة في جيوش عظيمة، فقاتلهم حسّان، فهزمهم الله ﷿، وهربت الكاهنة تريد «[قلعة] بسر» (٢١٢) لتتحصّن بها، فأصبحت القلعة لاصقة بالأرض (٢١٣)، فهربت تريد جبال أوراس، ومعها صنم عظيم من خشب كانت تعبده، يحمل بين يديها على جمل، فتبعها حسان حتى قرب من موضعها، فلما كان اللّيل قالت لابنيها:
_________________
(١) زيادة من المعالم والروض المعطار.
(٢) عن البربر «البتر» ينظر تاريخ ابن خلدون ١٧٦: ٦ - ١٧٨.
(٣) في الأصل: من بني. والمثبت من المعالم والروض المعطار.
(٤) هذا خلط وتكرار من المؤلف تابعه عليه صاحبا المعالم والروض المعطار. ذلك أن المؤلف سيعيد بعد قليل خبر اتصال حسان بخالد بن يزيد وولدي الكاهنة بتفصيل أوفى من هذا وهو النصّ الذي تجمع عليه بقية المصادر.
(٥) هنا نقص وبتر للنصّ الذي تكاد تجمع عليه أغلب المصادر التاريخية: «ومضى [حسان] حتى وصل قابس، فخرج إليه أهلها، وكانوا قبل ذلك يتحصنون من كل أمير مرّ بهم، فاستأمنوا إليه وأدخلوا عامله فأمنهم على مال معلوم، فاستطال طريق القيروان، فمال إلى طريق قفصة وقصطيلية ونفزاوة، وبعثوا إليه أيضا يستغيثون به من أمر الكاهنة، فسره ذلك، وبلغ الكاهنة قدومه، فرحلت من جبل أوراس تريده في خلق عظيم » ينظر: تاريخ افريقية والمغرب ص ٦١ - ٦٢، صلة السمط ١١٦: ٤ ظ -١١٧ و. وقارن بما جاء في كامل ابن الأثير ٣٧١: ٤ ونهاية النويري ٢٣: ٢٢.
(٦) زيادة من المعالم والروض المعطار. وفي المطبوعة والروض المعطار: بشر. بشين معجمة والصواب إهمال السين. نسبة لفاتحها بسر بن أبي أرطأة العامري ينظر: فتوح مصر ص ٢٠٥. مسالك البكري ص ١٤٥، فتوح البلدان ص ٢٦٨.
(٧) كذا في المعالم والروض المعطار أيضا. ولعل المراد أنها هدّمت.
[ ١ / ٥٤ ]
إني مقتولة وأرى رأسي (٢١٤) تركض به الدواب مقطوعا (٢١٥) تمضي به إلى المشرق من حيث تطلع الشمس، وأراه موضوعا بين يدي الملك-ملك العرب (٢١٦) الأعظم- الذي بعث إلينا بهذا الرجل، فقال لها خالد بن يزيد وولداها: فإذا كان الأمر هكذا عندك (٢١٧)، فارحلي [وخلّي] (٢١٨) له البلاد»، فقالت له: «وكيف [أفرّ] (٢١٨)، وأنا ملكة من الملوك، والملوك لا تفر من الموت، فأقلد قومي عارا إلى آخر الدهر» قالوا لها: «أفلا تخافين (٢١٩) على قومك؟» فقالت: «إذا أنا مت فلا أبقى الله أحدا منهم في الدنيا » فقال لها خالد بن يزيد وولداها: «فما نحن صانعون؟» فقالت: «أما أنت يا خالد فستنال ملكا عظيما عند الملك الأعظم، وأما أولادي فسيدركون ملكا بإفريقية مع هذا الملك الذي يقتلني» ثم قالت (٢٢٠) لهم: «اركبوا واستأمنوا (٢٢١) إليه» فركب خالد بن يزيد وولداها في الليل وتوجهوا إلى حسان.
فلما أصبح حسان زحف إليها، وأقبلت الكاهنة زاحفة إليه، فلقيت [أعنّة] (٢١٨) الخيل خالدا وولديها (٢٢٢) فسلّموا عليهم، ومضوا بهم إلى حسان، فدخل خالد بن يزيد على حسان وأخبره بما قالت الكاهنة، وأنها وجهت إليه بولديها، فأمر بهما حسان، فأدخلهما في عسكره، ووكل بهما أقواما (٢٢٣). وقدم خالد بن يزيد على أعنّة الخيل، فالتقى القوم، ووضعوا السلاح بعضهم على بعض، وصبروا حتى ظن القوم من المسلمين أنه الفناء، فانهزمت الكاهنة وقتلت عند بئر فسماه المسلمون «بئر الكاهنة» فنزل حسان على الموضع الذي قتلت فيه. ويقال إنها (٢٢٤) قتلت عند
_________________
(١) في الأصل: رأس. والمثبت من المعالم والروض المعطار.
(٢) في الأصل: مقطعة. والصواب ما أثبتناه.
(٣) في الأصل: المغرب. والمثبت من المصادر.
(٤) عبارة الأصل: الأمر عندك هكذا عندك. وقد رأينا الاستغناء عن كلمة «عندك» الأولى اقتداء بالمعالم والروض المعطار.
(٥) زيادة من المعالم والروض.
(٦) في الأصل: أفلا تخافي. والمثبت من المعالم والروض.
(٧) تكررت في الأصل عبارة «ثم قالت».
(٨) في الأصل: وأسلموا. والمثبت من المعالم والروض.
(٩) في الأصل: وولداها. والاصلاح من المعالم والروض.
(١٠) في الروض المعطار: قوما.
(١١) في الأصل: إنما. والمثبت من المعالم والروض.
[ ١ / ٥٥ ]
«طبرقة» (٢٢٥) فعجب الناس من خلقها (٢٢٦)، وكانت الأترجة، تجري فيما بين عجيزتها (٢٢٧) وأكتافها.
ثم إن الروم والبربر تحزّبوا بعد ذلك، واجتمعوا على قتال حسان وقاتلوه، فهزمهم الله تعالى، فخافوه، فاستأمنوا إليه، فلم يقبل أمانهم حتى أعطوه-من جميع قبائلهم-اثني عشر ألف فارس يكونون (٢٢٨) مع العرب مجاهدين، فأجابوه وأسلموا [على يديه] (٢٢٩)، فعقد لولدي الكاهنة-بعد إسلامهما-لكل واحد منهما على ستة آلاف فارس من البربر (٢٣٠)، وأخرجهم مع العرب يفتحون إفريقية ويقتلون الروم ومن كفر من البربر، فمن ذلك صارت الخطط للبربر بإفريقية، فكان يقسم الفيء بينهم والأرض وحسنت طاعتهم فدانت له إفريقية ودوّن الدواوين.
ثم قدم (٢٣١) «القيروان» فأمر بتجديد بناء «المسجد الجامع»، فبناه بناء حسنا، وجدده في شهر رمضان سنة أربع وثمانين.
ثم رحل (٢٣٢) يريد «قرطاجنة» فانتهى إلى طنبذة (٢٣٣)، فوجه «أبا صالح» مولاه
_________________
(١) في الأصل: طرفة. والمثبت من المعالم والروض. وتراجع مادة «طبرقة» في الروض ص ٣٨٧.
(٢) في المعالم: خلقتها.
(٣) في المعالم: عجرتها. وهو تصحيف. والشارح لم يحالفه التوفيق.
(٤) في الأصل والمعالم: تكون. والمثبت من الروض المعطار وتاريخ الرقيق وصلة السمط.
(٥) زيادة من المعالم والروض المعطار.
(٦) ورد بعد هذا في الأصل والمعالم عبارة: «واليا عليهم» وقد رأينا الاستغناء عنها اقتداء بما جاء في الروض المعطار وتاريخ الرقيق وصلة السمط والبيان المغرب.
(٧) النص في المعالم ٦٧: ١.وينظر عن تجديد حسان لجامع عقبة مسالك البكري ص ٢٢ والروض المعطار ص ٤٨٧.
(٨) يتساوق نص المعالم ٦١: ١ - ٦٩ مع نصّ الرياض. ويبدو أن الأمر اختلط على مؤلف الرياض أو المصدر الذي ينقل عنه وتابعه على تخليطه صاحبا المعالم ذلك أن ما ذكره هنا عن غزو حسان لمدينة قرطاجنة بعد فراغه من أمر الكاهنة هو نفسه ما ذكره باختصار وايجاز في أول أخبار حسان واعتبره من غزواته الأولى بعد قدومه إلى افريقية وهو أمر أجمعت عليه كافة المصادر التاريخية الأخرى ينظر كامل ابن الاثير ٣٦٩: ٤، نهاية النويري ٢١: ٢٢، البيان المغرب ٣٥: ١، صلة السمط ١١٦: ٤ و.
(٩) في الأصل طبنة. والتصويب مما سيرد في النصّ. وينظر عن طنبذة معجم البلدان مادة (طنبذة). الروض المعطار ص ٣٨٧، صلة السمط ١٤٣: ٤ ظ.
[ ١ / ٥٦ ]
إلى قلعة «زغوان» (٢٣٤)، فنزل بموضع فسمى «فحص أبي صالح» (٢٣٥)، فقاتل أهلها ثلاثة أيام، فلم يقدر عليهم، فخلى حسان عسكره بطنبذة ورحل إلى «زغوان» في خيل مجرّدة، فافتتحها ثم انصرف إلى «طنبذة» ثم سار يريد «قرطاجنة»، فنزل بموضع دار الصناعة، وهو الذي أخرق (٢٣٦) البحر وجعلها دار صناعة [فأخرج (٢٣٧) إليها الماء، وأجراه من البحر إليها] (٢٣٨)، فخرج إليه أهل قرطاجنة فحاربوه حربا شديدة (٢٣٩) فهزمهم الله تعالى، وملك [حسان] (٢٣٨) فحص تونس وقرطاجنة، فلما رأت الروم [شدّته] (٢٣٩) وقهره (٢٤٠) [لهم، وعلموا] (٢٣٨) أنهم لا قوام لهم به سألوه الصلح وأن يضع عليهم الخراج، فأجابهم إلى ذلك، وأدخلوا ثقلهم في مراكب كانت عندهم معدة في البحر وهربوا من باب يقال له «باب النساء» في الليل، وحسان لا علم عنده بذلك، وتركوا المدينة خالية لا أحد فيها، ونزلوا بجزيرة صقلية وبعضهم بالأندلس، فدخلها حسان فأخربها وأحرقها/وبنى بها مسجدا.
ورجع إلى «مدينة القيروان»، وأقام بها، وعمرها المسلمون وانتشروا وكثروا فيها وأمنوا، وولى حسان على صدقات الناس والسعي عليهم «حنش بن عبد الله الصنعاني» (٢٤١) التابعي رضي الله تعالى عنه.
ثم رحل حسان بمن معه من السبي والغنائم والأموال إلى عبد الملك بن مروان وكان معه خمسة وثلاثون ألف رأس (٢٤٢) من سبي البربر، وكان معه من الذهب ثمانون ألف دينار قد جعلها في [قرب الماء، حياطة عليها] (٢٤٣). واستقامت إفريقية كلها، وأمن أهلها وقطع الله ﷿ مدة أهل الكفر منها وصارت دار إسلام إلى وقتنا هذا، وإلى آخر الدهر إن شاء الله ﷿.
_________________
(١) عن زغوان وخبر فتحها ينظر الروض المعطار ص ٢٩٤.
(٢) ينظر الروض المعطار ص ٤٣٦.
(٣) ينظر تعليقنا رقم ١٦٨ المتقدّم.
(٤) ينظر تعليقنا رقم ١٦٩ المتقدّم.
(٥) زيادة من المعالم.
(٦) في الأصل: شديدا. والصواب ما أثبتناه.
(٧) في الأصل: وقهرته. والمثبت من المعالم.
(٨) سيترجم له المؤلف رقم ٤١.
(٩) يقارن هذا النصّ بما جاء في تاريخ الرقيق ص ٦٧.
(١٠) ما بين المعقفين بياض في الأصل أضفناه من المعالم. وقارن: تاريخ الرقيق.
[ ١ / ٥٧ ]
أبواب التراجم
[ ١ / ٥٩ ]