قبل الحديث عن أبي بكر لا بدّ لنا من كلمة وجيزة عن والده أبي عبد الله محمد (٤١).
وخلاصة القول في شأنه انه فقيه ومحدث ومؤرّخ. أخذ عن علماء بلده واختص بصحبة أبي الحسن القابسي وخدمته الى حين وفاته سنة ٤٠٣ فرحل الى المشرق ولقي بمكة أبا ذر الهروي ورجع إلى بلده سنة ٤٠٨.
وكان يلقب بالشافعي فغيره شيخه القابسي ودعاه ب «المالكي» فعرف به واشتهر ونسي لقبه الأول.
أرّخ الدباغ وفاته سنة ٤٤٤ (٤٢) وعارضه ابن ناجي بالنقل عمن لم يسم من المؤرخين: انه توفي ليلة الجمعة ٢٨ شعبان سنة ٤٣٨ ثم دعمه بنقل ما جاء على نقيشة قبره. وهي توافق-حرفيا-نص الرواية التاريخية.
_________________
(١) ح. ح. عبد الوهاب: مقدمة مسائل الانتقاد.
(٢) رحلة التجاني ص ٨٣، ٣٢.
(٣) البيان المغرب ٢٧٧: ١ - ٢٨٨، ٢٨٠ - ٢٩٢.
(٤) معالم الايمان ٢١٥: ٣ - ٢١٧.
(٥) تصحف هذا الرقم في طبعة المعالم الأولى (٢١٦: ٣) إلى «أربع وتسعين وأربعمائة» وما أثبتناه عن الطبعة الجديدة (١٧٤: ٣) وعن نسختنا الخطية (٧٨: ٢ و) وهو ما جعل الأستاذ مؤنس وغيره من الباحثين يفترضون أن الدباغ أخطأ فأرّخ وفاة الأب بتاريخ وفاة ابنه. وأضاف شيخنا المرحوم ح. ح. عبد الوهاب إلى ذلك افتراضا ثانيا وهو حدوث تصحيف في الرقم «تسعين» وأن صوابه «سبعين» ثم جعله تاريخا لوفاة الابن «أبي بكر».وبعد التصحيح المشار إليه أصبحت هذه الافتراضات كلها غير ذات موضوع.
[ مقدمة / ١٩ ]
وبرز اهتمام أبي عبد الله بالتاريخ والتأليف من خلال تأليفه لكتابين في المناقب.
١ - مناقب أبي الحسن القابسي. نقل عنه الدباغ في ترجمة القابسي (٤٣).
٢ - مناقب محرز بن خلف المتوفى سنة ٤١٣.
ويجدر بنا هنا أن نلاحظ اقتفاء الابن أثر أبيه واتباعه لطريقه ومحاولته التوسّع والاستيعاب في هذا الاقتفاء.
وبعد هذا ننتقل للتعريف بابنه مؤلف الكتاب (٤٤).
المستخلص من أخباره انه ولد في العقد الأول من القرن الخامس الهجري. روى عن علماء عصره وخاصة أبا عبد الله الحسين بن أبي العبّاس الأجدابي وأخويه أبا محمد الحسن وأبا الحسن علي.
كما نصّ الدباغ أنه روى عن أبي بكر أحمد بن عبد الرحمن الخولاني المتوفى سنة ٤٣٥ وانه من خاصته وهو قارئ حلقته بين يديه. كما كانت له رواية عن أبي عبد الله محمد بن عباس الخواص الأنصاري المتوفى سنة ٤٢٨ (٤٥).
ويستفاد من نص جاء في ثنايا الرياض (٤٦) أنه أقام مدة في صقلية ودرس بها.
أمّا الآخذون عنه فقد وقفنا على شخصين أحدهما من جلّة علماء الاسلام في المغرب وهو الامام محمد بن علي المازري المحدّث والفقيه المشهور المتوفي سنة ٥٣٦،
_________________
(١) معالم الايمان ١٧٣، ١٤٣: ٣.
(٢) لا نعرف لأبي بكر المالكي غير ترجمة موجزة في المعالم ٢٣٦: ٣، وجاءت عنه إشارات في المصادر التالية: أخبار عن بعض مسلمي صقلية من «معجم السفر» ص ٨٤، المعيار المغرب ٣٦٣: ١١، الاعلان بالتوبيخ ص ٣٣٠، ٢٧٣، ٢٧١، ٢٥٠، ٢٠٤، ١٩٤. وجاءت عنه نبذ يسيرة في المراجع الحديثة، أهمها: شجرة النور الزكية ص ١٠٨.ح. ح. عبد الوهاب الإمام المازري ص ٧٩ (هامش ٢). مازيغ: معالم الدباغ وابن ناجي وأصولها القيروانية (مجلة الجامعة ١٩٣٧/ ١٣٥٦ ص ٨٤) بروكلمان: تاريخ الأدب العربي ٢٧: ٤، دوسلان: فهرس المخطوطات العربية بالمكتبة الوطنية بباريس ص ٣٨١، فهرس المتحف البريطاني ص ٧٣٢، فهرس دار الكتب المصرية ٢١٠: ٥، فهرس المخطوطات بدار الكتب المصرية ٤٤٦: ١.سزكين: تاريخ التراث العربي ٥٨٤: ١، فهرس المخطوطات المصورة بمعهد المخطوطات ج ٢ ق ٧٧: ٢ - ٧٨.الزركلي: الاعلام ٢٦٦: ٤، كحالة: معجم المؤلفين ١٢٩: ٦.
(٣) المعالم ١٦٩: ٣.
(٤) الرياض ١٩٨: ٢.
[ مقدمة / ٢٠ ]
فقد أسند المازري في إحدى فتاويه عن أبي بكر المالكي نصّا مهمّا-نجده بنصه في كتاب «الرياض» -وألحق اسم المالكي بعبارات الثناء عليه والاعتراف بفضله، وهذا نصّه: «وعن الشيخ أبي بكر المالكي-وقد شاهدنا من فضله ودينه وجلاله وعلمه بالأخبار ما يحصل الثقة في أنفسنا بما يحكيه» (٤٧).
أما الثاني-وهو صقلّي أيضا، لقيه بإفريقية وأخذ عنه-فهو أبو البهاء عبد الكريم بن عبد الله بن محمد المقرئ الصقلي المولود بصقلية سنة ٤٤٠ والمتوفى بالاسكندرية سنة ٥١٧ (٤٨).
أما عن وفاة المالكي، فان ابن ناجي (٤٩) يفيدنا أن أبا بكر المالكي كان من جملة العلماء الذين أقاموا بالقيروان بعد تخريبها من طرف الأعراب، وهذا يعني أنه توفي بعد سنة ٤٤٩.
والحقيقة أن لنا في رواية أبي البهاء عبد الكريم بن عبد الله المقرئ الصقلي عن أبي بكر المالكي ما يحملنا على القول بأنه توفي بعد سنة ٤٦٠ إذ يبعد أن يرحل عبد الكريم المذكور عن بلده قبل سن العشرين.
واذا أضفنا الى هذا ما جاء في تعليق المؤلف على فتح صقلية ودخولها للحضيرة الاسلامية بقيادة أسد بن الفرات وهو قوله (٥٠): «ثم شاء الله، بذنوب أهلها، أن أوقع بهم عدوهم، نسأل الله تعالى حلمه وأمانه وعافيته لمن بقي بها من المسلمين وارتداد الكرة لهم على عدوهم».
ندرك أن هذا الكلام قد كتبه المؤلف بعد زوال الحكم العربي الاسلامي عن صقلية واستيلاء النرمان على كامل الجزيرة وبقاء جالية كبيرة من المسلمين تحت حكمهم، يعني بعد سنة ٤٨٤ هـ (١٠٩١ م) أو على الأقل بعد سقوط الجزء الأكبر والأهم منها سنة ٤٦٤ هـ (١٠٧٢ م) (٥١).
_________________
(١) المعيار المغرب ٣٦٣: ١١ وح. ح. عبد الوهاب: الإمام المازري ص ٧٩ - ٨٠.
(٢) أخبار عن بعض مسلمي صقلية من «معجم السفر» ص ٨٢ - ٨٦.
(٣) المعالم ١٦٩: ٣.
(٤) الرياض ٢٧٣: ١.
(٥) تاريخ صقلية الاسلامية ص ٦١ - ٦٢.
[ مقدمة / ٢١ ]
ولا يفوتنا أن نلاحظ أن شيخنا المرحوم ح. ح. عبد الوهاب (٥٢) قد أرّخ وفاة المالكي سنة ٤٧٤ وهو مقبول بناء على ما قدمنا ولكنه﵀لم يذكر مستنده، ولا نظنه إلاّ متأولا ما جاء في مطبوعة المعالم من تاريخ وفاة أبيه «أبي عبد الله محمد» سنة ٤٩٤.
ويبدو أن شيخنا﵀قد تأول أمرين:
١ - ان هذا التاريخ «سنة ٤٩٤» هو تاريخ وفاة الابن وليس تاريخ وفاة الأب.
٢ - ان هذا التاريخ تصحف فيه اللفظ من «سبعين» الى «تسعين».
ونلاحظ أننا قد رددنا هذا من أصله فيما تقدم بناء على ما توفّر لنا من مصادر ومعطيات جديدة (٥٣).