كان رجلا صالحا فاضلا، يروي (١) عن جماعة من الصحابة منهم أبو أيوب الأنصاري، وعبد الله بن عمرو، وعبد الله بن عمر، وعقبة بن عامر، وفضالة ابن عبيد، وغيرهم.
روى عنه جماعة من العلماء، وأدخله المصنفون في كتبهم (٢)، وأغرب «بحديث السجلات»:
عن أبي عبد الرحمن الحبلي أنه قال: سمعت عبد الله بن عمرو بن العاص، قال: قال رسول الله ﷺ (٣): يصاح برجل من أمتي على رءوس الخلائق يوم
_________________
(١) (*) مصادره: طبقات ابن سعد ٥١١: ٧، طبقات خليفة ص ٢٩٣، التاريخ الكبير ج ٣ ق ١: ٢٦٦، مشاهير علماء الأمصار ص ١٢١، طبقات أبي العرب ص ٢١، تاريخ رواة العلم بالأندلس (رقم ٦٣٣)، الاكمال ٢٢٩: ٣ - ٢٣٠، اللّباب ٣٣٧: ١ - ٣٣٩، المعالم ١: ١٨٠ - ١٨٤، الكاشف ١٤٤: ٢، تهذيب التهذيب ٨١: ٦ - ٨٢.
(٢) في (م): روى.
(٣) ينظر مثلا جامع ابن وهب. (القطعة المطبوعة ٤٩، ٤٠، ٣٠، ٢٤، ١٣: ١).
(٤) الحديث أخرجه الترمذي في صحيحه ١٣٤: ٤ (رقم ٢٧٧٦) وابن ماجة في سننه ١٤٣٧: ٢ (رقم ٤٣٠٠) والإمام أحمد في مسنده ٢١٣: ٢ وابن عبد الحكم في فتوح مصر ص ٢٥٤ والمعالم ١٨٢: ١.
[ ١ / ٩٩ ]
القيامة، فينشر له تسعة وتسعون سجلا، كل سجل منها مد البصر، ثم يقول له الله ﵎: «أتنكر من هذا شيئا؟» فيقول: «لا يا رب» فيقول الله ﷿:
«ألك عذر أو حسنة؟» فيهاب الرجل فيقول: «لا يا رب» فيقول الله ﷿:
«بلى، إن لك عندنا حسنات، وإنك لا ظلم عليك» فتخرج له بطاقة فيها:
أشهد أن لا إله إلاّ الله، وأن محمدا عبده ورسوله» فيقول: «يا رب، ما هذه البطاقة مع هذه (٤) السجلات؟» فيقول الله ﷿: إنه لا ظلم عليك» قال:
«فتوضع السجلات في كفة، والبطاقة في كفة، فطاشت السجلات، وثقلت البطاقة».
بعثه (٥) عمر بن عبد العزيز رضي الله تعالى عنه إلى إفريقية ليفقههم في الدين، فانتفع به أهل إفريقية، وبث فيها علما كثيرا. وتوفي بالقيروان سنة مائة من الهجرة، ودفن بباب تونس.
وكان الشيخ أبو الحسن بن القابسي، رضي الله تعالى عنه، إذا ترحم (٦) على والديه (٧) بباب تونس يحول وجهه إلى ناحية دبر القبلة من الجبانة منحرفا إلى الشرقي (٨)، ويقول: «رحمك الله يا أبا عبد الرحمن» ويذكر أن قبره بتلك الناحية.
أخبرنا (٩) أبو عقيل زهرة (١٠) بن معبد القرشي، قال: «كنت ضجيعا لأبي عبد الرحمن الحبلى في المركب في غزو إفريقية، فكنت أسمعه إذا انتبه من نومه يقول:
«لا إله إلاّ الله وحده لا شريك له» ثلاث مرات، [سبحان الذي يحيي الموتى وهو على كلّ شيك قدير-ثلاث مرات-] (١١) و«الحمد لله الذي أنام ليلي وهدّأ عروقي» ثلاث مرات. قال أبو عقيل: فقلت له: «رأيتك تلزم هذه الكلمات، فما بلغك
_________________
(١) في الأصل هذ. والمثبت من مصادر تخريج الحديث.
(٢) النصّ في تهذيب التهذيب نقلا عن المالكي.
(٣) في الأصل: رحم. والمثبت من (م) والمعالم.
(٤) عبارة (م): إذا خرج للترحم على والدته.
(٥) في المطبوعة: الشرق، وما في الأصل يوافق ما في المعالم.
(٦) النصّ في المعالم نقلا عن المالكي.
(٧) في الأصل والمطبوعة: زهير. وسيترجم له المؤلف تحت رقم ٥٨.
(٨) زيادة من (م) والمعالم.
[ ١ / ١٠٠ ]
فيهن؟» قال: «بلغني أنه ما يقولهن أحد حين ينتبه من نومه، إلا كان من الخطايا كيوم ولدته أمه».
قال أبو عقيل: «وسمعت أبا عبد الرحمن يقول أيضا: «إن الرجل إذا سلم على أخيه المسلم، فسأله: كيف أصبحت، فقال: أحمد الله إليك، كتبه الله ﷿ من الحامدين» فكان أبو عبد الرحمن إذا سئل: كيف أصبحت، قال: أحمد الله إليكم وإلى جميع خلقه.
ابن هبيرة (١٢) قال: سمعت أبا عبد الرحمن الحبلي يقول: «مثل الذي يجتنب الكبائر ويقع في المحقرات كمثل رجل لقيه سبع فاتقاه حتى نجا منه، ثم لقيه فحل إبل فاتقاه حتى نجا منه، ثم لقيه فحل خيل، فكذلك حتى نجا، ثم لدغته نملة، [فأوجعته] (١١) فتهاون بها وقد أوجعته، ثم أخرى ثم أخرى، ثم اجتمعن عليه فصرعنه، فكذلك الذي يجتنب الكبائر ويقع في المحقرات.
عمرو بن سعيد المعافري (١٣)، قال: سمعت أبا عبد الرحمن الحبلي يقول (١٤):
«لتركبن هذه الأمة سنن بني إسرائيل حذو النعل بالنعل» فقلت له: «وتتيه يا أبا عبد الرحمن كما تاهوا؟» فقال: «ثكلتك أمك، ومنذ متى أنتم في التيه؟».
قال اسماعيل بن زيد الأبلي (١٥): كنا نأتي عبد الله بن يزيد (١٦) الإفريقي وهو أبو عبد الرحمن فنجلس ونتحدث ونتخاصم في الشيء وهو معنا، وترتفع (١٧) أصواتنا، فنقول له: «ما عندك في هذا؟» فيقول: «ما سمعت ما قلتم، وإني لمشغول عن ذلك» للذي غلب على قلبه من محبة الله ﷿ والشوق إليه.
_________________
(١) في (م): ابن ميسرة. وعبد الله بن هبيرة ذكر في تلاميذ أبي عبد الرحمن الحبلي (ينظر: تاريخ رواة العلم). والنصّ بهذا الإسناد في المعالم.
(٢) كذا في الأصل والمعالم. وعرف ابن ماكولا (الاكمال ٢٣٠: ٣) ب: عمرو بن أسعد الحبلي المعافري. ونسب له رواية عن أبي عبد الرحمن الحبلي. فلعل اسم أبيه تصحف عند أحدهما.
(٣) كذا جاء الحديث في رواية المالكي والدباغ. وقد رواه الترمذي في صحيحه مسندا عن أبي عبد الرحمن الحبلي عن عبد الله بن عمرو عن النبي ﷺ. (صحيح الترمذي ١٣٥: ٤).
(٤) الخبر في المعالم بهذا الاسناد. ولم نقف على ترجمة لراوية الخبر. واسمه في المعالم: إسماعيل بن يزيد.
(٥) في الأصل: بن أبي يزيد.
(٦) في المطبوعة السابقة: ونرفع.
[ ١ / ١٠١ ]