مولى لهم، يعرف «بتاجر الله»، من أهل الفضل والعبادة والنسك والإرادة، كثير الصدقة والمعروف مع علم وفقه. صحب جماعة من الصحابة وروى عنهم وهم:
عبد الله بن عمرو عبد الله بن عباس وعبد الله بن عمرو [بن العاص] (٢) وروى عنه من أهل إفريقية بكر بن سوادة الجذامي وعبد الرحمن بن زياد [بن أنعم] (٢)، وروى عنه من أهل مصر عمران بن عوف الغافقي (٣) والحارث بن يزيد (٤) وعبيد الله (٥) بن أبي جعفر.
وكان من سكان القيروان. انتفع به خلق كثير من أهلها وغيرهم، وبث فيها علما كثيرا. وهو أحد (٦) العشرة التابعين، وكان رجلا صالحا يقال له «تاجر الله» وهو الذي
_________________
(١) الأثر في المعالم ١٨٦: ١.
(٢) الأثر في المعالم ١٨٦: ١.
(٣) في (م): عند جلسائه.
(٤) يقول الدباغ (المعالم ١٨٧: ١): وتوفي بالقيروان وأقبر بها. ويقول ابن عساكر (تهذيب تاريخ دمشق ١١٤: ٦): توفي في خلافة هشام بن عبد الملك. (*) مصادره: طبقات أبي العرب ص ٢٥، ٢٠، معالم الإيمان ١٩١: ١ - ١٩٥.
(٥) في (م): بن عبد الله.
(٦) زيادة من المعالم.
(٧) كذا ورد هذا الاسم أيضا في المعالم. ولم أقف له على خبر في المصادر التي اطلعت عليها.
(٨) هو أبو عبد الكريم الحضرمي، تابعي مصري غلبت عليه العبادة. حسن المحاضرة ٢٥٧: ١.
(٩) في الأصل والمعالم: عبد الله. والاصلاح من (م) وتقريب التهذيب ٥٣١: ١ (رقم ١٤٣٢).
(١٠) في الأصل: وهو من أحد. وقد حذفنا حرف الجرّ «من» كما في (م) والمعالم. ونلاحظ أن أبا العرب نفى ذلك بالنصّ: «ليس إسماعيل بن عبيد الأنصاري ممن أرسله عمر بن عبد العزيز إلى إفريقية».الطبقات ص ٢٠.وكأن سرد اسمه من طرف أبي العرب بين أفراد البعثة قد أوقع المؤرخين-كالمالكي والدباغ-في هذا الخطأ. ولم ينتبهوا إلى ملاحظة أبي العرب السالفة الذكر.
[ ١ / ١٠٦ ]
بنى «المسجد الكبير» (٧) بالقيروان (٨) الذي يعرف الآن «بمسجد الزيتونة»، وكان يصلي به ويعمره، وإليه ينسب السوق الذي بجواره (٩) يسمى «سوق إسماعيل»، ولم يزل مقيما بالقيروان حتى حضرته نية في الجهاد، فخرج في مركب (١٠) مطوعا في غزاة عطاء بن رافع (١١) فغرق رضي الله تعالى عنه وهو متقلد المصحف، وختم الله ﷿ أعماله بالشهادة، وكان ذلك في سنة سبع ومائة (١٢).
وعن (١٣) ابن أنعم، قال: قلت لابن المسيب: إن عندنا رجلا من الأنصار يقال له إسماعيل بن عبيد، من العباد إذا سمعنا نذكر شعرا صاح علينا، فقال سعيد:
ذاك رجل نسك نسك العجم/.وكان رحمه الله تعالى يلبس جبة من صوف وكساء من صوف وقلنسوة صوف. وإنما سمى تاجر الله ﷿ لأنه جعل ثلث كسبه لله تعالى يصرفه في وجوه الخير.
وكان (١٤) يوجه المولدات والأحمال إلى المشرق، فوجه رفقة كلها له، فخرج يشيعهم [إلى قصر الماء] (١٥) فسمع بكاء فقال: «ما هذا؟» فقيل له: «هؤلاء المولدات الذين وجّهت يبكون مع آبائهم وأمهاتهم وإخوانهم» فبكى إسماعيل وقال: «إن دنيا
_________________
(١) تحدث عنه الدباغ في مقدمته واعتبره من مساجد المدينة المشهورة (المعالم ٢٧: ١ - ٣٠).
(٢) أضاف الدباغ هنا تاريخ تأسيس الجامع «سنة إحدى وتسعين» بينما أرخ بناءه عند حديثه عنه في المقدمة سنة ٩٣.فلعل الأول تاريخ البدء والثاني تاريخ التمام.
(٣) تضيف رواية الدباغ هنا «من غربيّه».
(٤) في المطبوعة: موكب. والمثبت من الأصل والمعالم.
(٥) ينظر عن هذه الغزوة فتوح مصر ص ٢٠٩ - ٢١٠، والملاحظ أن ابن عبد الحكم يتحدث عن هذه الغزوة ويشير إلى وقوعها في ولاية موسى بن نصير على إفريقية. وكانت ولاية موسى بن نصير على إفريقية بين سنتي ٧٨ و٩٦.وكانت وفاته سنة ٩٨.وهذا ينافي ما ذكر هنا من حصول الغرق بالمركب سنة ١٠٧.
(٦) من أول الترجمة إلى هنا أورده الدباغ في المعالم ١٩١: ١ - ١٩٢ مع اختلاف يسير.
(٧) للخبر صيغة أخرى في طبقات أبي العرب ص ٢٠.
(٨) الحكاية في طبقات أبي العرب ص ٢٥ والمعالم ١٩٣: ١.ونلاحظ أن المالكي نقل هذا النصّ عن أبي العرب-وإن لم ينصّ على ذلك-آية ذلك أن أبا العرب تحدث عن المولدات بصيغة التذكير وتابعه المالكي على ذلك بينما حاول الدباغ إصلاح النصّ كما تقتضيه القواعد وكذلك فعل ناشر الطبعة السابقة. وقد رأينا الإبقاء على النصّ كما هو عساه يفيد غيرنا من الدارسين.
(٩) يفهم من الجمع بين نصّي الرقيق (تاريخ إفريقية ص ٨٦) وابن عذاري (البيان ٤٤: ١) أنه موضع يبعد عن القيروان مقدار ميل.
[ ١ / ١٠٧ ]
بلغت بي إلى أن أفرق بين الأحبة، إنها لدنيا سوء؛ أشهدكم أن من كان له أب أو أم أو أخ أو أخت في هذه الرفقة فهي حرة لوجه الله ﷿».قال: فأنزل من المحامل سبعين مولدة، فأعتقهن كلهن (١٦).
حدث (١٧) علي بن المطلب، وكان من فضلاء الناس، قال: بار على إسماعيل طيقان ساج (١٨) سبعمائة، وكان بالغرب (١٩) بإفريقية، فقال: «لأتجرن في هذه»، فاشترى مع كل ساج جبة وكساها المجاهدين في سبيل الله تعالى.
قالت (٢٠) امرأة من قريش من بني أمية لإنسان كان يتجر لها: «ما منعك أن تكون مثل إسماعيل؟» فقال: «أتريدين أن تجعلي (٢١) فلانا تاجر فلانة مثل إسماعيل تاجر الله؟».
كانت (٢٢) له جارية تخرج إلى السوق. وكان لها جار يتبعها إذا خرجت، فشكت ذلك إلى مولاها إسماعيل، فأرسل إليه فأحضره فقال له: «ما حملك على أن تتعرض جاريتي؟» فقال له: «سلها، هل كلمتها بكلمة قط؟» فسألها، فقالت:
«لا، صدق، ما كلمني بكلمة قط، إلا أني إذا خرجت أتبعني» فقال له: «ما حملك على هذا؟» قال: «المحبة لها» قال: فأمر بالجارية فأصلح من شأنها، ووهبها له، وأعطاه ثلاثين دينارا، وقال له: «إذا فرغت فارجع إليّ».
حدث (٢٣) غير واحد قالوا: كان بالقيروان رجل خياط له بنات، وكان ليس يقوم به عمله إلا عن جهد، فلما كان ليلة عيد الفطر دخل على بناته، فوجدهن في الظلام، وليس في البيت شيء يرد يده إليه، فخرج من بيته هائما محزونا، وشق
_________________
(١) عبارة: «فأعتقهنّ كلّهن».لم ترد في نصّ الطبقات.
(٢) الخبر في المعالم ١٩٣: ١. بدون إسناد.
(٣) جمع طاق. يطلق على ضرب من الثياب. ويطلق على الطيلسان. وهو المراد في هذا النصّ وكلمة «ساج» التي بعدها كأنها زيادة شرح وإيضاح لأن الطاق والساج اسم لمسمى واحد وهو الطيلسان وربما خص به ذي اللّون الأخضر. ينظر القاموس، المعجم الوسيط (طوق، سوج، طلس).
(٤) كذا في الأصل. ويقصد: المغرب.
(٥) الخبر في المعالم ١٩٣: ١.
(٦) في الأصل: تجعل. والاصلاح من المعالم.
(٧) الخبر في المعالم ١٩٣: ١ - ١٩٤.
(٨) الخبر في المعالم ١٩٤: ١ - ١٩٥.
[ ١ / ١٠٨ ]
عليه أن يرى بناته منكسرات القلوب بين أترابهن من بنات الجيران، اللاتي يلبسن يوم العيد الثياب الحسان والزينة مع ما عند آبائهن من كفاية العيش. فسولت له نفسه الخروج من القيروان حتى ينقضي العيد، فمر بمسجد إسماعيل تاجر الله، وقد حضرت صلاة العشاء الآخرة، فصلى معه. فلما انصرف الناس ولم يبق في المسجد إلا الرجل، رآه (٢٤) إسماعيل، فعلم أن له قصة. فمضى الشيخ إلى داره وبعث وراءه، فأدخله وسأله عن قصته، فذكرها له، فتوجع إسماعيل لذلك وبكى، وقال له:
«كم عندك من البنات؟» فقال: «خمس»؛ فصاح إسماعيل لأمهات (٢٥) أولاده وقال لهن: «ايتينني (٢٦) بحلى بناتكن وما صنعتن لهن في هذا العيد من الثياب والزينة»، فأتينه بجميع ذلك، وقال لهن: «ايتينني بمائدة العيد» فأتينه بها وفيها أنواع الأطعمة والحلوى، وقال لهن: «ايتينني بما عندكن من الطيب والحناء» فدفع جميع ذلك إلى الخياط، ودفع إليه دنانير كثيرة، وقال له: «اكس بناتك من هذه الثياب والحلى، وطيبهن بهذا الطيب وكل معهن هذه المائدة، وأوسع على نفسك وعليهن بهذه الدنانير».ثم أمر عبيده، فحملوا ذلك إلى دار الخياط، فضرب الباب عليهن ففتحن الباب، فوجدهن في الظلام على حالهن، فأدخل العبيد جميع ذلك إلى داره وذهبوا، ففرح بناته بذلك فرحا شديدا، وكان في داره سرور كثير (٢٧)، ولبس بناته الحلى النفيس والثياب الجليلة واجتمعن حول المائدة ووسع عليهن في النفقة.
_________________
(١) في الأصل: فرآه.
(٢) في الأصل: لأمهات. والمثبت من المعالم.
(٣) في الأصل: ايتونى. بصيغة المذكر وقد اضطرب النصّ بين التذكير والتأنيث وكذلك نص المعالم. وقد أصلحنا النصّ بما يوافق القواعد.
(٤) في الأصل: سرورا كثيرا. والاصلاح من المعالم.
[ ١ / ١٠٩ ]