كان فاضلا جليلا من جملة التابعين. يروي عن جماعة من الصحابة، رضي الله تعالى عنهم، فمنهم عمرو بن العاص وولده عبد الله وعقبة بن عامر وأبو هريرة وعائشة زوج النبي ﷺ. وروى عنه جماعة يكثر تعدادهم.
ذكره ابن وهب في تصانيفه (٣) وسحنون في «مدونته» (٤).
وقدم إفريقية غازيا مجاهدا وسكن القيروان واختط بها دارا ومسجدا، ومسجده عند باب نافع على يمين الخارج قبل أن يخرج. وانتفع به وتفقه على يديه [أهل القيروان] (٥)، وأدخله ابن سنجر في كتابه (٦).
وذكر (٧) أن موسى بن/نصير لما وصل من الأندلس إلى القيروان قعد يوما في مجلسه، فجاءه العرب يسلمون عليه فلما احتفل المجلس قال: «إنه قد صحبتني ثلاث نعم: أما واحدة فإن أمير المؤمنين كتب إلي يهنئني في كتابه»، وأمر بقراءة كتاب أمير
_________________
(١) (*) مصادره: طبقات خليفة ص ٢٩٣، الطبقات الكبرى ٥١٢: ٧، التاريخ الكبير ج ٣ ق ٢: ٢٧٤، المعرفة والتاريخ ٤٩٠: ٢ - ٤٩١، الجرح والتعديل ج ٣ ق ١٨٦: ١، طبقات أبي العرب ص ١٩، مشاهير علماء الأمصار ص ١٢١ - ١٢٢، تاريخ رواة العلم (رقم ٩١٥)، الإكمال ١٢: ٤، تهذيب الأسماء واللغات ٣٥٢: ١، معالم الإيمان ١٩٩: ١ - ٢٠١، الكاشف عن رجال الكتب الستة ٢٨٤: ٢، تهذيب التهذيب ٣١٩: ٧، تقريب التهذيب ٣٦: ٢ - ٣٧، حسن المحاضرة ٢٩٧: ١، نفح الطيب ٢٧٨: ١ - ٨: ٣، ٢٧٩.
(٢) زيادة من المصادر. في التقريب: والمشهور فيه «عليّ» بالتصغير.
(٣) في الأصول: نصير. والمثبت من المصادر. وتراجع ترجمة أبيه. «رباح بن قصير اللّخمي في الإكمال ٨: ٤ وأسد الغابة ٢٠٣: ٢.
(٤) تراجع القطعة المطبوعة من جامع ابن وهب ١٠٦، ٦، ٥، ٤، ٣: ١.
(٥) المدونة الكبرى ٤٢: ١.
(٦) زيادة من المعالم.
(٧) يعني مسنده في الحديث. وقد تقدّم التعريف به.
(٨) القصة في تاريخ إفريقية والمغرب ص ٨٨ - ٨٩، وبتصرف قليل في البيان المغرب ٤٤: ١.
[ ١ / ١١٩ ]
المؤمنين، فهنئ بذلك، «وأما الثانية فإن كتاب ابني (٨) قدم علي بأنه فتح له بالأندلس فتح عظيم»، فأمر بكتاب ابنه فقرئ فهنئ بذلك، «أما الثالثة فما صحبتني في مقدمي هذا من الأموال والسبي من الأندلس»، فهنئ بذلك، وعلي بن رباح اللّخمي التابعي ساكت (٩) وكان علي راوية ابن عباس وأبي هريرة. فقال له موسى: «مالك يا علي لا تتكلم؟» فقال: «أصلح الله الأمير، قد قال القوم» فقال:
«وقل أنت أيضا» فقال: «أنا أقول، وأنا أنصح القائلين لك، إنه ما من دار امتلأت حبرة (١٠) إلا امتلأت عبرة، وما انتهى شيء إلا رجع، فارجع قبل أن يرجع بك».قال: فانكسر موسى بن نصير وخشع. ثم التفت ففرق جواري (١١) عدة. فكان موسى بعد ذلك إذا مر بخربة عادية، أو مدينة من مدائن الأولين، نزل وركع ركعتين ومشى فيها وفكر في معالمها وفي آثارها ثم بكى بكاء كثيرا ثم يركب.
ذكر أن الناس قحطوا، فخرج موسى بالناس فاستسقى وأمر رجلا يصلي بالناس وخطب بهم ثم أخذ في الدعاء للوليد وأكثر، فأرسل إليه موسى: «إنا لم نأت لذلك، فاقبل على ما قصدنا إليه، وجلسنا من أجله»، فلم يلتفت إلى كلامه، وتمادى على حاله رجاء أن يبلغ ذلك الوليد فينال عنده منزلة، فأمر به موسى فسحب حتى أخرج من بين الناس، ثم قام موسى فأخذ في الدعاء والتضرع إلى الله ﷿ واللّجإ (١٢) إليه، فما برح الناس حتى أمطرت السماء بماء كأفواه القرب، قال: فأتي موسى بدابته فقال: «[لا] (١٣) والله لا أركب، ولكن أخوض في هذا الطين».
فانصرف ماشيا، ومشى الناس معه. قال: فسمع يومئذ وهو يقول: «أسألك شهادة في سبيلك، أو موتة في بلد نبيك»، يردّد ذلك. فاستجاب الله تعالى دعاءه، فتوفي بالمدينة متوجها إلى الحج، واستجاب الله ﷿ دعاءه ودفن بالمدينة. ونفعه الله ﷿ بموعظة أبي عبد الله بن رباح، فصغرت عنده الدنيا وما فيها ونبذها وانخلع مما كان فيه من الإمارة.
_________________
(١) في الأصول: أبي. والمثبت من المصدرين المذكورين.
(٢) جاء في الأصل: نسخة «وعلي بن رباح اللّخمي التابعي ساكت».وفي نسخة «وأبو عبد الله ساكت».
(٣) الحبرة: النعمة وسعة العيش. النهاية في شرح غريب الحديث (حبر).
(٤) في الأصل: جوائز. والمثبت من (م). وعبارة البيان: وفرق جواريه.
(٥) كذا في الأصل. وفي (م): الالتجاء. ومعناها واحد.
(٦) زيادة من (م).
[ ١ / ١٢٠ ]