فلقيني منه حبر مجيد، وأديب يضع القلادة في الجيد.
له فضل لم تنظر عين الدهر لمنافيه، بل كلما أجال طرفه رأى كل المنى فيه، فإذا واد خصيب النوى والثمر، وحديقة منمنمة الأطراف والطرر، سقتها غمائم نداه، وباكرها صيب جدواه، بلا منة لحوامل السحائب، ولا انتظار لقوافل الصبا والجنائب.
صرف نقد أوقاته، وراس مال عمره وحياته، في تحصيل ربح الفضل والعبادة،) وترك فضل العيش وفضول الناس لما رأى في تركهما من السعادة
[ ٢٦٩ ]
(،) وراى في (كل بكرة وعيشة، حبلى جنين نوائبهما في مشيمة المشية.
ولما شمت كرمه وسيبه، وردت ربيعًا زر عليه جيبه، انتدب لملاقاتي، وابتدر وخير أنوار الربيع ما بكر.
وكتب إلى مادحًا، ولزند فكري قادحًا قوله:
أرَى الشَّهْباءَ للعَليا قِبابًا ألم تَر أُفْقَها أبْدَى شِهاباَ
وقبلُ كسَتْ معالِمَها الدَّياجِي مُسَرْبِلةً ذُرَاها والهِضاباَ
وكدَّرَ صَفْوَ منهلِها قَتامٌ أحال شرابَها الصَّافِي سَراباَ
وجرَّعَها كُؤوسَ الجَوْرِ صِرْفًا ولو سُقَىِ الغرابُ بها لشاَباَ
وكان الجهلُ مُتَّسِعَ الفَيافِي يَضِلُّ الألمِعيُّ بها الصَّواباَ
وضاق العلمُ ذَرْعًا حين سُدَّتْ مناهِجُه وضاق بها رِحاباَ
تُعلَّلُها المطامِعُ كاذباتٍ وكم عادتْ سحائبُها ضَباباَ
إلى أن حَلَّها رُوحُ المعالِي وطَوَّقَ عِقْدَ مِنَّتِه الرَّقاباَ
إمامُ العلمِ بحْثًا واكْتسابًا مُشِيدُ الفضْلِ إرْثًا وانْتشاباَ
فَواصَلها بغيرِ سباقِ وَعْدٍ وفاجَأَها بنِعمتِه احْتساباَ
فأهْلأ بالذي منه اسْتنارَتْ معالُمها وقد عَزَّتْ جَناباَ
وقد وَطِئتْ على هَامِ الثُّريَّا ونظَّمتِ النُّجومَ لها نِقاباَ
فقَرَّ بِها وقَرَّ بها وِدادًا وقَرَّ عُيونَ أهْليها اقْتِراباَ
[ ٢٧٠ ]
وقد ظفِرتْ بكَنْزِ المجدِ حتَّى أحال التَّبْرَ للذَّهبِ التُّراباَ
وفاضَ بحارُ كفَّيْهِ علومًا وأتْبَعها بمنْطقِه عُبابًا
ونَصَّر وجْهَ روض الفضل لَّما سقاهُ من فوائدِه رَباباَ
قد ازْدحَمتْ بمَوْردِه عُفاةُ ال فضائلِ حين ما ساَل انْصِباباَ
وقد ملأُوا رَكاياهُم ورَامُوا ذخائرَه انْتهازًا وانتْهابًا
إذا جال السُّؤالُ بفكرِ شخْصٍ قُبَيلَ النُّطقِ لَبَّاهُ جواباَ
فيا ذُخْرَ العلومِ فدَتْكَ نفْسِي ونادَتْك العُلا تَبْغى الثّضوَاباَ
أقِلْ قلَمي عِثارًا زلَّ فيه فما وَفَّى المديحَ ولا أصاَباَ
وكنتُ نبَذْتُ شِعْرِي في قِفارٍ نسيتُ الأُنْسَ منه حين غاَباَ
إذِ الأيَّامُ قد رفَعتْ بُغاثًا فحالَت أنّها تُرْقِى العُقاباَ
وظنُّوا أنهمْ كنَزُوا علومًا وأيْمُ اللهِ ما ملَكوا نِصاباَ
أأمْدحُ مَن بنَظْمِي ليس يَدْرِي حَبيبًا قد أردْتُ أم الحَبْاباَ
وكان القصدُ من قَصْدِي تُجازَي من الممدوحِ لو فهِم الخِطاباَ
لولا أنَّك السَّامي مقامًا له الأفْلاكُ طَأْطَأتِ الرَّقاباَ
وكان بمَدْحِك العالي افْتِخارِي لما ذَهَّبْتُ بالمدحِ الكِتاباَ
[ ٢٧١ ]
فدُمْ يا زِينةَ الدُّنْيا بمجْدٍ تقنَّعت العُلا منه احْتجاباَ
ثم كتب بعدها: لقد طفحت أفئدة العلماء بشرا، وارتاحت أسرار الكاملين سرًا وجهرا، وأفعمت من المسرة صدور الصدور، وطارت الفضائل بأجنحة السرور، بيمن قدوم من اخضرت رياض التحقيق بأقدامه، وغرقت بحار التدقيق من سحائب أقلامه، وتلألأت غرر المباحث اشراقًا، واجريت مسائل الطالبين في ميادين التوضيح سباقًا.
أعنى به جهينة أخبار العلوم، وخازن أسرار المنطوق والمفهوم، المؤسس لدعائم الأحكام فرعًا واصلًا، والسابق في مضمار التحقيقات منذ كان طفلًا.
وقد خدمته بهذه القصيدة التي كتبتها عجلًا، وكنت أضمرت إلا أفوه بكلمة منها خجلًا،) لكن ظننت بالمولى كل جميل، ورأيت سترها بذيلي السماح والصفح) من فضله الجزيل.
هذا وان العبد كتب تاريخًا سماه) معادن الذهب، في الأعيان) المشرفة بهم حلب سيعرض بعضه عليكم، ويؤتي بأنموذج منه لديكم، وجل القصد أن تكتبوا إلى نسبكم وأشياخكم، ومقروآتكم، وبعض شيء من المنظوم والمنثور، لنطرز حلله بطراز المأثور. والسلام.
[ ٢٧٢ ]
وأنشدني من شعره قوله:
بوَرْدِ الخدّ رَيْحانٌ مُحِيطٌ وتَرْكِي حُبّه لا أستطِيعُ
وقلتُ النفسُ خَضْرًا يا عَذُولي كما قد قلت والزّمن الرّبيعُ
وهذا مثل عامي، يقولون:) النفس خضراء، تشتهي كل شيء (.
وقولهم:) تشتهي (الخ، جملة مفسرة لخضراء.
وكان اصله ما ورد في الحديث:) أرواح الشهداء في أجواف طيور خضر.
[ ٢٧٣ ]