كعبة المعالي، وَمن به حالُ الكمالِ حاليِ.
لا عيبَ فيه إلا أن لفظَه عطَّل الياقوتَ والدُّرَ، ولا عيبَ في نَداه إلا أنه يبعد كلَّ حُرّ.
فهو غُرةُ الجَمال، وصورةُ الكمال.
إذا نطق فما الروضُ زارَه الَحياَ، وإذا تهلَّل فما النهر حيَاه بَرقُ السَّما.
ولعَمَرْي غن جَده، أسعد الله بَجْمع شملِ الفضائِل جَده.
نفسُ عِصامِ سوَّدتً عصِامًا وعلَّمْته الكَرَّ والإقْداماَ
وهذا الحفيد عِقْدُ المناصِب به نضيد.
لم يفتخرْ بآبائِه، ولم يْبتهج بنضارةِ أصْلِه ونمائه لما اعْتصَم بعُرْوةِ الفضلِ الوُثْقَى، وصعَد إلى رَبْةِ المجد وترَقى وقال أنا عِصاميٌ لا عِظاميِ، وإن كنتُ لذِمار مآثرِي حامي.
فألَّف وصَّنف ونوَّع قرَى الأسْماعِ وأتْحَف.
[ ٤٢٥ ]
وأفاد الطلاَّب، وحلَّ بأسْنان قلمِه المُشْكلات الصّعاب.
وأقام في جوار بيتِ الله وِحمَاه، معتزِلًا عن الناس ولا بِدْع أن يُعتزِل جار الله.
وكان ممَّن وَرِىَ به زِناَدِى، ورَوِىَ من ورْده فؤادي.
وسُعّرتْ بالاستفادة منه نارِي وفكَّ من رِبقَة الجهل بفضْله أسارِى ولم يزل يُرسل إلى وُفودَ أخْباره، ويُهدِى نسيم نجدٍ إلى نَفَحاتِ آثاره.
إلى أن صُمّ الخَبر، وعمىَ قائُد الأثر.
وبيني وبينه مُكاتباتٌ.
منها، ما كتبتُه إليه مع سَمَك: مولايَ أطال اللهُ بقَاك، ورفعك على هام السِّماك.
أنهِى إليك، ناثِرًا للآلئ المَعْذِرة بين يديْك أني زرتُ البحرَ أخاك، ويدُ الرجاء مُدَّت لما بُهتتُ عيونُ الشّباك.
فأهدَى إلىَّ من المسَرَّة، ما كدتُ معه أصْطادُ حوت السّماك بشِباك المجرَّة.
وأرسلَ لزيارتي أمواجَه، فإنْساني الدهرَ وخَطْبَه فلا أدْري أأعْرض عنّى أمْ وَاجَه.
وأهْدَى إلىَّ حيتانًا كأنَّها خناجر، قطعَتْ من الجوع الغَلاصِم والخناصِر.
فصَّير جِيدَ أمالي حاليا، وأذْكرني وما كنت نَاسيِا بحرَ عَطاياك وهو أكبر، ولكنَّ الشيء بالشيء يُذْكَر.
[ ٤٢٦ ]
فأرسلتُ وإن كنتُ كمنُ أهْدى للجِنان غضَّ الزَّهَر، وأرسل الشَّمع للشمسِ والتَّمر لهَجَر:
أرسلتُ أسْماكًا إلى مَن مجْدُه حلَّ الفلَكْ
أرأيتَ قْبلي مُهْديًا أهْدَى إلى البحرِ السَّمكْ
وذكر مرَّة في درسه قولَ الرئيس ابن سينا في بعض كتبه حديث: إنَّ الحكْمةَ لَتَنزْل مِنَ السَّماءِ فلا تَدخُلُ قَلْبًا فيِه هَمُّ الْغَدِ.
فقلتُ: إنه لم يُسْنده، وهو بكلام النُّبوُّة أشْبَه.
وقد نظمْتُه فقلت.
مَن يَتْرك الدُّنياَ يسُدْ أهلَها ويْقتطِفْ زَهْرتها باليَدِ
لا تسكنُ التَّقوَى ولا حِكْمةٌ منْزلَ قلبٍ فيه هَم الغدِ
وللإمام الشافعي ﵁ قريبٌ منه:
كم ضاحكِ والمنايا فوق هامِته لوْ كان يعلم غَيْبًا مات مِن كَمَدِ
مَن كان لم يؤتَ عِلمًا في بقاء غدٍ ماذا تفكُّرُه في رِزْقِ بعد غدِ
[ ٤٢٧ ]