فاضل نجيب حسيب، صحبني وبرد سبابه قشيب، وغصنه في رياض المعالي رطيب:
إذ غُصنُ ذاك الشبابِ مُعْتدِلٌ لم تطْمَعِ الحادثاتُ في مَيَلِهْ
ومخايل النجابة عليه لائحة، وطيور البلاغة في قفص سطور خطه صادحة، بكل ما هو اسر من التهاني، وأمان الظافر بالأماني، وحلل فضله زاه بآدابه طرازها، وعدات الدهر فيه قد حان انجازها، وقد يجود البخيل الشحيح، وكم لاح تحت الرغوة من لبن صريح.
فلم تضل فيه الظنون، لما قضت ما في ذمته من الديون، وفكت ما عندها من مغلقات الرهون.
فأنشدني من مقطعاته، واهدي إلى من مخبآته قوله:
لم أزلْ من صَحيفةِ القلبِ أمْليِ في دُجَى الاغْتِرابِ سَطْرَ مِثالِكْ
[ ٢٧٤ ]
ناصبًا هُدْبَ جَفْنِ عْيني شِباكًا فعسَى أن أصِيدَ طَيْفَ خيالِكْ
وقوله:
يا ليلةً طَالَتْ على عاشقٍ باتَ من الوجْدِ على جَمْرِ
كليلةِ الميلادِ في طُولها تسِحُّ فيها العينُ بالقَطرِ
كأنها ثِكْلَى جَنِينٍ لها أغرَّ قد سمَّتْه بالفجْرِ
وقوله أيضًا:
ارْفُقُوا فالْفؤادُ ليس بجَلْدٍ وارْحموا ذلَّتي وطولَ عَوِيلي
أنا شحَّاذُ حُسنِكم وعيونِي يا غُناةَ الجَمالِ كالكَشْكُولِ
وقوله أيضًا:
قال لي الحبُّ لِمْ وضعْتَ على الأنْ فِ عُيونًا وفي عُيونِك مَقْنَعْ
قلتُ مذ خَطَّ كاتِبُ الحسنِ نُونًا فوقَ ثَغْرِ كحاجبْين وأبْدَعْ
فجعلْتُ العيونَ أرْبَعَ عَلَّى أن أرَى يا رَشًا حواجبَ أرْبَعْ
[ ٢٧٥ ]
وقوله أيضًا:
ما قَصُرتْ تلك الليالي التي في جُنْحِها بِتُّ سَمِيرَ المِلاحْ
لكنَّ أشْواقِي لذاك الرَّشا قد عَالَجَنْتِي خوْف وِشْكِ البَراحْ
شقِقْتُ جَيْبًا كالدُّجَى حالِكًا عن صَدْرِه فانْجابَ عنه الصَّباحْ
وقوله أيضا:
قد رَماني بالهُونِ ساقِي زَمانِي فكأنَّي دِرْدِىُّ كاسِ المُدامِ
فأرَاقَتْنَي النَّدامى بُظلْمٍ في الزَّوايا ومَوْطِئَ الأقْدامِ
وقوله أيضًا:
عاب قومٌ شُرْبَ المُدامِ ولم يَدْ رُوا بأنَّ التَّعْييب عَيْنُ العُيوبِ
جَبْرُ قلبِ الأقْداح بالرَّاحِ خَيْرٌ في اعْتقادِي من كسْرِ كأسِ القلوبِ
وقوله:
إن ذاكَ الرَّشَأ الخِشْفَ الذي مات عنه وَالِدٌ فهْوَ كَظِيمْ
زادَه مَوْتُ أبيهِ قِيمَةً كان دُرَّا فغَدا اليومَ يتيمْ
[ ٢٧٦ ]
وقوله أيضًا:
قد زَهِدْنا عِشْقًا لدِينارِ خَدٍّ سَبَكَتْهُ حُسْنًا يمينُ البَارِي
وتركْتُ النَّوالَ والمالَ علَّى أن أرَى فيه مَالِكَ الدَّينارِ
وقوله أيضًا:
كان عهْدِي بالرُّوم فيها يَضُوعُ ال عِلْمُ والآن ضاع فيها العُلومُ
شَّيبتْ فَوْدَ سيَّدِ الرُّسْلِ هُودٌ ولقد شَّيَبتْ فؤادِي الرُّوم
وقوله:
كأني وآمالي إذا ما تقَهْقَرتْ وبَرْقُ أمانِيّ سَرابٌ وخُلَّبُ
عَروسٌ تُجِيد الرَّقْصَ حينًا إلى وَرَا وحينًا إمامًا وهْيَ بالبَيْنِ تَلْعَبُ
وقوله مُضمنًا:
السَّيفُ لَّما حكاه لْحَظُ ناظِرِه ناديْتُه بِلسان في الهوِى لَهِجِ
لكِ البِشارةُ فاخْلَعْ ما عليك فقد ذُكِرت ثمَّ على ما فيك من عِوَجِ
وقوله:
أيُّها الرَّيمُ هل تَرِيمُ بنَظْرَةْ عَلَّ يصحُو الفؤادُ مِن بَعْدِ سَكْرَهْ
بأبي أنْتَ غُصنُ باَنٍ تثَنَّي وغدَا يمزُجُ الدَّلالَ بخَطْرَهْ
[ ٢٧٧ ]
ألِفُ القَدَّ زانَها نُقْطةُ الخْا ل فأضْحَى وواحدُ الحسنِ عَشْرَةْ
عارِضٌ أخضرٌ وبِيضُ ثَنايَا سَوَّدَا وجهَ عِيشَتي بعد خُضْرَهْ
أنت زَهرٌ غضٌّ وقلبي كَمامٌ فلماذا أوْقَدْتَ بيْتَكَ جَمْرَةْ
زرَعتْ مقلتِي بخدَّيْكَ وَرْدًا فأجِنْيِ قِطافَ زَرْعِيَ زَهْرَةْ
يا أبا عُذْرةَ الملاحةِ إني بين مَوْتَي هَواكَ من حَيَّ عُذْرَهْ
كَعْبةُ الحسنِ كلَّ وقتٍ إليها في ركابِ الُمنَى أحُجُّ بِفِكْرَةْ
[ ٢٧٨ ]
ووالد هذين الفاضلين الحبر، علامة زمانه، شيخ الإسلام