الجركسي أصلا ومحتدًا، الشامي منشأً ومولدا.
أديب أريب، ونجيب ابن نجيب.
أورق عوده بالشام وأثمر، فإذا عدت السجايا عرضًا فسجاياه جوهر.
نشأ بها والدهر ابيض أقمر، ونادم العيش والعيش اخضر.
وللبقاع تأثير في الطباع، والعرق كما قيل لمغرسه نزاع، ومن كان جار الرياض لبس طبعه برد نسيمها الفضفاض، كما لبس النهر الجاري، درع النسيم الساري؟
[ ٢٣٢ ]
وقد نسَجتْ كَفُّ النَّسيم مُفاضَةً عليه وما غيرُ الحُبابِ لها حَلَقْ
وقد صحبني بجلق، ونسيمه سجسج، وخيوط شبيبته بيد الكهولة لم تنسج، ولا زمني إذ رأى انعطافي عليه، وشبه الشيء منجذب إليه.
ومدحني بمدائح أطال فيها واطاب، وغنم الصحبة ولم يرض من الغنيمة بالإياب.
ومما كتبه إلى من شعره، وقد طلبت منه ما ودعه في الرحلة.
صورة ما مدحت به مطلع نجوم المعالي، وفلك شموس الموالى، المولى عبد الرحمن حين، قلد صارم الأحكام بدمشق الشام، صينت عن حوادث الأيام:
آلَى الزَّمانُ عليه أن يُوالِيكاَ يُثْنىِ عليْكَ ولا يأْتيِ بثاَنِيكاَ
إذا سطاَ فبأحْكامٍ تُنفَّذُها وإن سخَا بفضلٍ من مساعِيكاَ
لِيَهْنِ ذَا العيدَ حَظٌّ مِنْكَ حينَ غَدَتْ عُلاهُ ثم حُلاَهُ من أياَدِيكاَ
هِلالُه نال فوقَ البدْرِ مَنزلةً مُقبَّلًا وجهُه أعْتابَ نادِيكاَ
مُجمَّلًا بأياَدٍ منكَ فائِقةٍ مُعطَّرًا بَغوالٍ من غَوالِيكاَ
[ ٢٣٣ ]
وافَى يُهَنَّى بكَ الدنياَ ونحنُ به يا بَهْجةَ الدَّينِ والدنيا نُهَنَّيكاَ
مَن ذا يُضاهِيك فيما حُزْتَ من شَرَفٍ ومن يُدانِيكَ في حِلْمٍ ويْحكِيكاَ
فالشمسُ مهْماَ ترقَّتْ فهْيَ قاصِرةٌ عن بعضِ أيّسرِ شيءٍ من مَراقِيكا
والبدرُ لَمْحةُ نُورٍ منكَ نُبْصرُها والبحرُ قطرةُ ماءٍ من غَوادِيكا
وكلُّ طَوْدٍ تَسامَى فْهو مُحتقَرٌ إذا بدَتْ وَهْدةٌ من نحوِ وَادِيكاَ
وكلُّ مْجدٍ فمن عَلْياكَ مُكتسَبٌ وكلُّ فَخْرٍ نَراهُ في حواشِيكا
وما حكَى السَّلفُ الماضَي وحدَّثنا من السَّجايا بهِ إحْدى التي ِفيكا
تعنُو لعِفَّتِك الزُّهَّادُ مُذعِنَةً ويحسُد الفَلكُ الأعْلى مَغانِيكاَ
يا ابنَ الُحساِم الذي للدَّينِ نُصْرتُه أنتَ الُمفدَّى وكلُّ الناسِ تَفْدِيكاَ
أعيادُنا كلُّها يومٌ نراكَ به وليلةُ القدْرِ وَقْتٌ من لَيالِيكا
ومما مدحت به أيضا المولى المذكور، دام في رغد عيش وسرور:
الناسُ كلُّهمُ شِراءُ عَطائِهِ والعِيدُ والنُّورُوزُ من آلائِهِ
يخْتالُ ذَا باَلحلْىِ مِن عَلْيائِه شرَفًا وذا بالوَشْى مِن نَعْمائِهِ
[ ٢٣٤ ]
قرَّتْ به عينُ الغزالةِ واغْتدَتْ مكحولةً في أُفْقِها بضِيائِهِ
ما أنبتَ الأدْواحَ بعد ذُبولِها إلا سقُوطُ الطَّلَّ من أَنْوائِهِ
سَلْسالُها ونسيمُها من لُطْفِهِ وعَبِيرُها من بعضِ طِيبِ ثَنائِهِ
مولًى أقلُّ هِباتِه الدنيا فقلْ ما شئتَ في معروفِه وسَخائِهِ
عَدْلٌ له ما زال يُورِقُ عُودُه حتى استظَلَّ الأمْنُ في أَفْيائِهِ
غيثٌ أغاثَ به الُمهْيمِنُ خلْقَهُ مُتفضَّلًا وقضَى لهم بقَضائِه
نَجْلُ الذي الأفْضالُ من ألْقابِهِ وحُسامُ دينِ اللهِ من أسْمائِهِ
السَّعدُ من خُدَّامِه والعِزُّ من أتْباعِه والمجدُ من نُدَمائِهِ
تسْعَى المواسمُ كُلُّها لِرِحابِهِ إذ لا بَهاءَ لها بغيْرِ بَهائَهَ
ومما مدحت به إمام الأئمة، موضح المشكلات المدلهمة، يوسف ابن أبى الفتح أمام حضرة السلطان، دام منصورًا مظفرًا في كل ان ومكان:
قمرٌ إذا فكَّضرتُ فيه تعتَّباَ وإذا رآني في المنام تحجَّباَ
صادفْتُه فتناولَتْ لحظاتُه عقلى وأعْرضَ نافرًا مُتحجَّباَ
مُتورَّد الوجَناتِ خَشْيةَ ناظرٍ أضْحى برَيْحانِ العِذارِ مُنقَّبًا
ساومْتُه وَصْلًا فأعْجَم لفظُه وأظنُّه عن ضِدَّ ذلك أعْرَباَ
أنا مِنْه راضٍ بالصُّدودِ لأنَّنيِ أجِد الهوانَ لدى الهوَى مُستعذَبَا
[ ٢٣٥ ]
شيئانِ حدَّثْ باللَّطافةِ عنهما عَتْبُ الحبِيب وعَهْدُ أيَّامِ الصَّباَ
وثلاثةٌ حدَّثْ بطِيب ثنائِها زَهرُ الرياض وخلْقُ يُوسفَ والصَّباَ
علاَّمةُ الآفاقِ من أشْعارُه لعلومِه أضْحَتْ طِرازًا مُذهَبَا
مَن لو رآه البحرُ يومًا مُغضَبًا لرأيتَه من خَشْيةٍ مُتلهَّباَ
مَن لو أصابَ البرَّ أيسرُ قطْرةٍ من راحَتَيْهِ لعاد رَوْضًا مُخْصِباَ
مَن لو نظَمْتُ الشُّهبَ فيه مدائحًا لظَننْتُ فِكرِي قد أساءَ وأذْنَباَ
ما نسْمَةٌ سَحَرِيَّةٌ شِحْرِيَّةٌ باتَتْ تُعَلُّ من الغَمامِ الأعْذباَ
نَشْوانةٌ وافَتْ تجرَّرُ في الرُّبَى ذيْلًا بِمسْكِيَّ الرياضِ مُطيَّباَ
يومًا بأحْسنَ من صِفاتِ جَنابِه أنَّى تَداوَلها اللسانُ وأطْيَباَ
مَن ذا يُقاسُ بماجدٍ جُعِلتْ له أرْضًا رِقابُ الحاسدين وقدْ أبَى
ومما مدحت به المبرز في العلوم، المالك أزمة المنطوق والمفهوم، والبارع في المنثور والمنظوم، المرحوم عبد الرحمن العمادي، مفتى دمشق الشام:
بانَ الخَلِيطُ ضُحًى عن الجَرْعاءِ فمَن المُقِيمُ لِشِدَّةٍ وعَناءِ
اللهُ يعلمُ أن صُبْحِى في الهوَى سِيَّان بعد رَحِيلِهم ومَسائِي
تُطْوَى علىَّ النائِباتُ كأنَّني سِرُّ الهوَى وكأنها أحْشائي
وأشدُّ ما يشْكو الفؤادُ مُمنَّعٌ في لحْظِةِ دائي ومنهُ دَوائي
[ ٢٣٦ ]
رَيْحانةُ الحسنِ التي لعِبتْ بها رِيحُ الصَّبا لا رَاحةُ الصَّهْباءِ
تجْري مِياهُ الحُسنِ في أعْطافِه جَرْىَ الصَّبابةِ منه في أعْضائي
قمرٌ إذا حسَر القِناعَ مُخاطِبًا شخَصتْ إليه أعْيُنُ الأهْواءِ
ملكَتْ وِلايةَ كلَّ قلبٍ مُولَعٍ لَحَظاتهُ من عالمِ الإنْشاء
إن يُخْفِه ليلُ النَّوى فجبِينُه صُبْحٌ ينِمُّ عليه بالأضْواءِ
كم بِتُّ مَطْوِىَّ الضُّلوعِ على جَوّى أُغْضِى الجُفونَ به على الأقْذاءِ
فإلى مَ فيه تَهُّتكِى وتَنَسُّكِى وعَلى مَ فيه تبسُّمِي وبُكائي
عَلَّ الزَّمانَ يُفيدُني حْملَ الُمنَى حيثُ الْتجأْتُ لأوْحدِ العُلماءِ
نَجْلُ العِماد ومَن بنَتْ عزماتُهُ بيْتًا دعائِمهُ على العَلْياءِ
مجدٌ سماَ بجَنابِه حتى لقد بلغَ السَّماءَ وفاتَها بسَماءِ
تَنْدَى أنامِلُه ويُشرِقُ وجُهه فيجودُ باْلآلاءِ والَّلأْلاءِ
يقِظٌ بأعْقابِ الأمُورِ كأنَّما جُلِيتْ عليه حقائقُ الأشْياءِ
سُبْحانَ من جَمع الفَراسةَ والهُدَى لِجَنابه السَّامِي على النُّظَراءِ
ومَهابَةٌ ساد الوُلاةَ وَلاؤُها مَحْفُوفَةٌ بجَلالةٍ وبَهاءِ
وشَمائِلٌ رقَّتْ كما خطَرتْ على زَهْرِ الرَّبيعِ بَواكِرُ الأنْداءِ
[ ٢٣٧ ]
مولايَ بل مَوْلَى البريَّةِ في صَفَا صِدْقِ الطَّوِيَّةِ من بَنى حَوَّاءِ
أنت الذي ما زلْتَ تِرْبَ وِلايةٍ وأبو الورَى في طِينِة والماءِ
تتْلُو على سْمعِ المحامدِ والثَّنَا آياتِ مدْحِك ألسُنُ النُّعْماءِ
للهِ أمٌّ ما غُذِيتَ بثَدْيِها إلا لِبانَ العِزَّةِ القَعْساءِ
أطْلَعتَ شمسَ الفخْرِ في فلَك العُلا وحفَفْتَها بكَواكِبِ الأبْناءِ
المالِئُونَ قلوبَ أهلِ زمانِهم حُبًّا وأكْنافُ الرَّجا بغَناءِ
والضَّارِبونَ خيامَ سُؤددِهمْ على هاَمِ السَّماك ومَفْرِقِ الجوْزاءِ
يا مَورِدًا حامَتْ عليه غُلَّتي مُذ جِئْتُه مُستسقِيًا ورَجائِي
وافَتْكَ من صَوْغِ القريضِ فَرائدٌ نُظِمَتْ بأيْدِي الفْهمِ والآراءِ
لا بل سَقَيتَ رياضَ فكرٍ ما حِلٍ منَّى بفضْلِك صَيَّبَ الآلاءِ
فهصَرْتُ غُصْنَ معارفٍ ومآثرٍ وجنَيْتُ نَوْرَ محامدٍ وثَناءِ
هيْهاتَ ما شِعْرُ الأنام مُقارِنًا شِعْرًا تشرَّفَ منك بالإصْغاءِ
ومما مدحت به أيضًا المرحوم عبد الرحمن العمادي المذكور:
يا ابنَ الأماجدِ أنتَ مِنْ أيَّ الأفاضلِ وابنُ مَنْ
كذَبَ الذي حسِب الزَّما نَ أتى بمْثِلكُم وظَنّ
[ ٢٣٨ ]
أيُقاسَ ما غرس العُلاَ يومًا بخَضْراءِ الدَّمَنْ
والآلُ بالغْيثِ المُغِي ثِ إذا تَوالى أوْ هَتَنْ
العِلمُ سِرُّ اللهِ لْي سَ عليه غيرُكَ يُؤتَمَنْ
والمجدُ سار إلى جَنا بِكَ مِن أبيكَ على سَنَنْ
وبك المناصبُ فخرُها دون الورَى من قبْلِ أنْ
فإلْيك منَّى روْضةً بالشُّكرِ يانِعةَ الفَنَنْ
لِمَ لا يطِيرُ بِىَ الرَّجا ء إلى حِماكَ مدَى الزَّمَنْ
وبذَرْتَ لي حَبَّ المُنَى ونصَبْتَ لي شَرَكَ المِنَنْ
وملَكْتَ رِقَّ مدائِحِي بالخَلْقِ والخُلُقِ الحسَنْ
ومما مدحت به) شيخ الإسلام علم العلماء الأعلام (العلامة قدوة المحققين، وعمدة الفقهاء والمحدثين المرحوم الشيخ احمد المقري المغربي، سقى الله ثراه سحائب الغفران:
فخرًا دِمَشْقُ على كلَّ البلادِ بَمن أوْلَى البريَّةَ معروفًا وعِرفاناَ
المَقَّرِيُ الذي في بعض أيْسرِ ما حوَى من الفضلِ كلٌّ راحَ حَيْراناَ
[ ٢٣٩ ]
شمسٌ من الغرْبِ قد كانتْ مشارقُها بل دونَها الشمسُ يوم الفخرِ بُرهاناَ
أغَرُّ ما أحْدَقَتْ أيدِي الفِطام به إلا وأضْحَى بماء المجْدِ رَيَّانَا
تكاد تقْرأُ في لأْلاَءِ غُرَّتِه من سُورةِ العِزَّةِ القَعْساءِ عُنواناَ
له من الفكرِ ما تحْنُو لأيسرِه ثواقِبُ الزُّهْرِ إرْشادًا وإذْعاناَ
وسِيرةٌ عن أبى حفْصٍ تلقَّنها إلى وَقارٍ يُضاهِي هَدْى سَلْماناَ
مُصاحِبٌ حُسْنَ فعل الخير يعشَقهُ مُراقِبٌ ربَّه سِرًَّا وإعْلاناَ
يقْضِي النهارَ بآراءٍ مُسدَّدةٍ ويقطعُ الليلَ تسْبيحًا وقُرآناَ
لأيٍّوِرْدٍ نُوَلَّى اليوم وِجْهَتنا وقد غدا بحرُه الطَّامِيُّ مُرْجاناَ
لئِنْ مُنِحْنا بلَحْظٍ من مواهبِهِ نِلْنا الثُّريَّا وكان الخيرُ عُقْباناَ
شفَى بدرْسِ) الشَّفا (مرضَى دِرايتِنا لَّما أفاد مع) الإيضاح (إنْقاناَ
هيْهاتَ هيهاتَ مَن في القوم يُشْبهُهُ هل السَّرابُ يُضاهي الغيْثَ هَتَّاناَ
إذا مشَى فعلَى الأعْناقِ مِشْيَتُه وإن رأيْتَ رجالَ الحيَّ رُكْباناَ
يا سَّيدَ العلماءِ العاملين ومَن هو الإمام المُفدَّى حيثُما كاناَ
أبْرأْتَ ذِمَّةَ دهرٍ جاء يَمْنحُنِي بعد الإساءةِ من لُقْياكَ إحساناَ
دهرٌ يُقتَّل آمالي وأوسِعُه إذ أنت مِن أهلهِ حَمْدًا وشُكْراناَ
فطَأْ كما شِئْتَ لا تنفكُّ مُنتصِرًا بأَخْمَصَيْكَ من الأعداء تِيجاناَ
[ ٢٤٠ ]
واهْنَأْ فأَنت الذي أوْلاهُ خالقُهُ من الملائِكِ أنصارًا وأعوانًا
واسمَعْ لها من قوافٍ لا يُماثِلُها قولٌ من الشَّعر إلا قولُ حَسَّاناَ
واستَجْلِها نُزَهًا لو أنَّها رُزِقتْ حظَّا لكانت لعيْنِ الدهرِ إنساناَ
قال: ومما أجبت به لغز في يراع، أرسله إلي الفاضل الذي طابت) بذكر مآثره (الأسماع محمد الكريمي،) وفي ضمنه لغز في مهند (:
فِدَى لك رُوحِي مِن رَشًا مْتَبَّرمِ ومن مُنْجِدٍ بالْمستَهامِ ومتْهِمِ
ومِن عاتِبٍ إلاَّ على غير مُذْنِبٍ ومِن ظالمٍ إلاَّ غير مُجْرِمِ
سقتْنِي العيونُ النُّجْلُ منك سُلافةً جرَتْ قبلَ خلْقِي في عروقي وأعْظُمِي
وأسْلَمني فيك الغرامُ إلى الرَّدَى فإن كنتَ مَن يرْضَى بذلك فأسْلَمِ
بعُدتَ ولى في كلَّ عُضْوٍ حُشاشةٌ تذُوبُ وطَرْفٌ هامِعُ الْجَفَنِ بالدَّمِ
ولستُ مَلومًا أن مَن أيْقظَ النَّوى حُظوظِي التي لم تُجْنِ غيرَ تَنَدُّمِ
جلَبْتُ إلى نفسِي المنيَّةَ عندما رمَيتُ فلم تُخْطِئْ فؤادِيَ أسْهُمِي
أتَى اللهُ أن أبْكِى لغير صَبابةٍ وأرْتاعَ إلا مِن حبيبٍ بُمؤْلِمِ
[ ٢٤١ ]
سَجِيَّةُ النفسٍ لا تزالُ مَليحةً من الضَّيْمِ مَرْمِيّاَ بها كلُّ مُجْرِمِ
أجَمَّعُ شُرَّدَ المعالي وإنَّني أبيتُ بفكرٍ في الهوى مُتَقسَّمِ
وأنْدُب أوقاتًا ألذَّ من الُمنَى تقَضَّيْنَ لي بين الحَطِيمِ وزَمزمِ
تطارحُني فيهِنَّ ذاتُ تَبَسُّمٍ حديثَ هوًى أحْلى من الشُّهْدِ في الْفَمِ
مَوشَّحةُ الأعْطافِ حالِيةُ الطَّلاَ تُقلّد عِقْدًا من دُموعي ومِن دَمِي
أبَتْ أن تُرَى إلا لِطَرْفِ تفكُّرٍ ويَلثِمها إلا شِفَاهُ تَوهُّمِ
أبِيت سَلِيمَ القلبِ منها كأنَّني أراقبُ صَفْوَ العيشِ من فَمِ أرْقَمِ
وما أنا مَن يَسْلُو هواها وينْثَني إلى أحدٍ غيرِ الكريمِ المُعَظَّمِ
محمدٍ السَّامِي الجَنابِ ومَن غَدَا له كَرَمُ الأخْلاقِ دون التَّكَرُّمِ
هُمامٌ لقد أضْحَتْ مآثِرُ فضْلِهِ على جَبْهةِ الدنيا كغُرَّةِ أدْهَمِ
ومَوْلًى إذا ضَنَّ السَّحابُ بِوَبْلِهِ عليْنَا سَقاناَ مُسْجَمًا بعد مُسْجَمِ
له سُؤْدُدٌ حَلَّ السَّماكَيْنِ رفْعةً وذلك إرْثٌ فيه من عَهْدِ آدَمِ
وكَفٌّ تحلَّتْ بالسَّماحِ بَنانُهاَ بغيْرِ نُضارِ الفضْلِ لم تَتَخَتَّمِ
فما روضةٌ غَنَّاءُ باكيةُ الَحْيَا تبَسَّمُ عن ثَغْرَىْ أقَاح وعَنْدَمِ
تُمدَّ بها ريحُ الصَّبا خَطواتِها وتَرْفَلُ في ثوبٍ من النَّورِ مُعْلَمِ
بأبْهجَ وجْهًا منه عند هِباتِه إذا يَّممت يُمْناهُ آمالُ مُعْدِمِ
فيا ماجدًا كل المفاخِر أصبَحتْ إلى مجدِه الوَضَّاحِ تُعْزَى وتَنْتَمِي
[ ٢٤٢ ]
أتَتْ تتَهادَى منكَ في مِرْطِ دَلَّها خَرِيدةُ أفْكارٍ وطَبْعٍ مُسَلَّمِ
وما اصْطَحبَتْ إلا البلاغةَ مَحْرَمًا وهل غيرُها للبِكْر يُلْفى بمَحْرَمِ
لها صوتُ داودٍ وصورةُ يُوسُفٍ وحِكمةُ لُقمانٍ وعِفَّةُ مَرْيَمِ
تُسائِلُنا عمَّا براه إلهنَا لتَسْطِيرِ آجالٍ ورِزْقٍ مُقسَّمِ
جَرى قْبلَ خلْق الخلْق في اللَّوْحِ بالذي يكونُ وما قد كان مِن قبلُ فاعْلَمِ
يَراعٌ يُراعُ الخَطْبُ منه وإنَّه ليُثْمِر من جَدْوَى يَدَيْكَ بأنْعُمِ
أرانِي طريقَ الفضْلِ حتى سلَكْتُه وأوْضحَ لي مِن لُغْزِهِ كلَّ مُبْهَمِ
فما اسمٌ رُباعِيٌ إذا بَانَ صَدْرُه غدَوْتَ به ذَا لَوْعَةٍ وتَرَنُّمِ
وما هِي إلا بَلْدةٌ في رُبوعِها يطيب مُقام المُسْتَهامِ المُتَيَّمِ
وإن مَحت الأفْكارُ من ذَاك ثالِثًا بكَيْتَ الصَّبا فيه وعَهْدَ التَّنَعُّمِ
ويُذْكِرُني أخْلاقَك الغُرَّ شِطْرُهُ وتحْرِيفُه ضِدٌّ لكم لم يُكَرَّمِ
ويُبْدِى لنا من قَلْبِه الشمسَ في الضُّحَى ويطلُعُ فيها أنجُمًا بعد أنْجُمِ
وثانِيةِ مَحْمودٌ لدى كلَّ عاشِقٍ ومَن ذا يَراهُ مِن وُشاةٍ ولُوَّمِ
ويُسْلِمُني يومَ التَّرَحُّل قلبُه ولكنَّه مِن غيرِ كفٍّومِعْصَمِ
ويُوصِلُ ما بين الملوكِ وقَصْدِها وإن هَمَّ في أمرٍ على الفوْرِ يفْصِمِ
حَلِيُف نُحُولٍ لم يذُقْ قَطُّ جَفْنُهُ مَنامًا ولم يطمَعْ بطَيْفٍ مُسَلَّمِ
فَعولٌ ولكن ليس يُدْعَى بفاعلٍ قَؤولٌ ولكن ليس بالمُتَكلَّمِ
على أنه قد بان بعْدَ خفائِه وأصبحَ مشهورًا لَدَى كلَّ ضَيْغَمِ
[ ٢٤٣ ]
فأنْزِلْهُ من نادِيكَ أشْرفَ منزلٍ وألْبِسْهُ حَلْيًا من قريضٍ مُنظَّمِ
ولولا معانِيكَ العِذابُ وصَوْغُها لكان عسيرًا بالمديحِ تكلُّمِي
وقابِلْ جوابي بالقَبُولِ تفضُّلًا وسامِحْ فإن الفضّلَ للمُتَقَدَّمِ
قال: وقلت متغزلًا:
وافَى الربيعُ فما عليك بِعَارِ خَلَعُ العِذارِ ولا ارِْتشافُ عُقارِ
صَهباءُ ليس يجوزُ عندي مَزْجُها إلا برِيقَةِ شادِنٍ مِعْطارِ
تدعُ الدُّجى صُبْحًا إذا هيَ أُبْرزتْ فكأَنما اعْتُصِرتْ من الأنْوارِ
ُقْم هاتِها حيثُ الهَزَارُ قد اغْتَدَى في الأيْكِ مُنعكِفًا على التَّهْدَارِ
طَيرٌ أعاد الغصنَ جُنْكًا رُكَّبَتْ أوْتارُه مِن فِضَّةِ الأمْطارِ
وتبُثُّه رِيحُ الصَّبا ويَبُثُّها ذِكْرَ الهوى مِن سالِفِ الأعْصارِ
فانْهَضْ لتغْتَنمِ الشَّبيبةَ قبل أن يَرْمِي المشِيبُ الصَّفْوَ بالأكدارِ
واشرَبْ على وَرْدِ الرُّبَى إن لم تَجِدْ وَرْدَ الخُدودِ لقِلَّةِ الدَّينارِ
وانْصِبْ بفكركَ في الهوى شَرَك المُنَى لوقُوعِ ظل أو خَيالٍ سَارِي
هذا ولسْتُ أرَى إذا فُقِد الذي أهْوَى جِنانَ الخُلدِ غيرَ النَّارِ
هيْهاتَ ما النَّايُ الرَّخِيمُ ونَشُوةُ ال خمرِ القديمِ ونَغْمَةُ الأوْتارِ
وحَنِينُ هيْنَمةِ الرياضِ عشِيَّةً وتراسُلُ الأطْيارِ في الأسْحارِ
[ ٢٤٤ ]
عِنْدي بأحْسَنَ من مُساجَلةِ الأَحِبَّ ةِ بالصَّبابةِ في سَنا الأقْمارِ
من كلَّ معبودِ الجمالِ مُحَكَّمٍ فيماَ يَشاَ مُسْتَعْبِدِ الأحْرارِ
قال: وقلت متذكرًا لمغاني الأنس التي انمحت آثارها، ولم يبق للاماني ما تشبث به إلا أخبارها:
قَصْرَ الأمير بوادي النَّيْرَ بَيْن سَقَى رُباك عّني مِن الوَسْمِىّ مِدْرارُ
كم مَرَّ لي فيك أيّام هَواجرُها أصائِلٌ ولَيالِهنَّ أسْحارُ
حيثُ الشَّبيبةُ بِكْرٌ في غَضارَتِها وللصَّبابةِ أحْلافٌ وأنْصارُ
حيثُ الرَّياضُ تُغنَّيمي حَمائِمُها بالدُّفَّ والجُنْكِ والسَّنْطورُ لي جاَرُ
حيثُ الخمائلُ أفْلاكٌ بها طلَعتْ زَهْرٌ من الزُّهْرِ والنُّدمانُ أقْمارُ
حيثُ المُدامةُ رقَّتْ في زُجاجتِها يُديرُها فاتِرُ الأجْفانِ سَحَّارُ
عِطْرِيَّةٌ نقضَتْ فيها عوارِضُه فَتِيقَ مِسْكٍ له الأرْواحُ سُفَّارُ
ياقُوتةٌ أُفْرِغَتْ في قِشْرِ لُؤْلُؤةٍ فَلاحَ للشُّرْب منها النُّورُ والنَّارُ
شمسٌ تعاطَيْتُها من راحَتَيْ قمرٍ له من الحسن ما يَرْضَى ويْختارُ
يسْعَى إلى بها تحت الدُّجَى حَذِرًا من الوُشاةِ لأنَّ الليلَ سَتَّارُ
مُتَوَّجُ الرَّاحِ بالإبْرِيقِ ذا قُرطٍ مثل الهلالِ له الجَوْزاءُ زُنَّارُ
[ ٢٤٥ ]
يسْقِى وأسْقِيه من ثَغْرِ ومن قَدَحٍ إلى الصَّباحِ فمِرْباحٌ وَمِخْسارُ
يضمُّنا بأعالي القصْرِ ثوبُ هوًى زُرَّتْ عليه من الأشْواقِ أزْرارُ
أمتَّعُ الطَّرْفَ منَّى في محاسِنِه وليس عندي من العُذَّالِ أشْعارُ
حتى تيقَّظَ دهْرِي بعد ما غفَلتْ عنَّي حوادِثُه والدهرُ غَدَّارُ
قال: وقلت:
سقَى اللهُ يومَ القصْرِ إذ كان بيْننا حديثٌ كُمرْفَضَّ الجُمانِ المُنَضَّدِ
برَوْضٍ يجولُ الماءُ تحت ظِلالِه كأيْمٍ مَرُوعٍ أو حُسامٍ مُجَرَّدِ
يلوحُ به قانِي الشَّقيق وقد حكى لواحظَ مخْمورٍ كُحِلّنَ بإْثمِدِ
ويَهْمِى به قطرُ النَّدى فتخالُه مُبَدَّدَ عِقْدٍ في فِراشِ زُمُرُّدِ
ورَيْحانُة الغَضُّ الشَهِيُّ كأنه مَبادِى عِذارٍ فوق خدٍ مُورَّدِ
سقاني به راحَ الرُّضابِ مُهَفْهَفٌ فرُحْتُ به لا أفْرُقُ اليومَ من غَدِ
وبتُّ أظنُّ الجُلَّنارَ بدَوْحِة نجومْ عَقِيقٍ في سماء زَبَرْجَدِ
إلى أن بدَتْ شمسُ النَّهارِ كأنها مَجِنُّ كَمِىٍ قد تحلَّى بعَسْجَدِ
قال: وقلت متغزلا:
قم للمُدامةِ يا نديم فإنها شَرَكُ المُنَى وحُبالَةُ الأفْراحِ
حمراءُ صافيةُ المزاجِ كأنَّها وَرْدُ الخدودِ أذِيبَ في الأقْداحِ
شمسٌ إذا بزغَتْ لعْيِنك في الدُّجَى أغْنَتْكَ عن صُبُحٍ وعن مِصْباحِ
[ ٢٤٦ ]
مِسْكِيَّةٌ أنّى فَضَضْتَ خِتامَها عَبِق النَّدِىُّ بنَشْرِها الفَضَّاحِ
تفْتَرُّ عن حَبَب ثغورُ كُؤوسِها كسِقيط طَلٍّفي ثغورِ أَقاحِ
بسْقِيكَها رَشَأٌ إذا غَنَّى بها رقَصتْ لذاك معاطِفُ الأرُواحِ
قال: وقلت أيضًا متغزلًا:
ألَدَيْهِ نَهْبُ النفوسِ مُباحُ رَشَأٌ سافِكُ الدَّمَا سَفَّاحُ
أيُّ أسْدٍ تجُولُ حول حِماهُ وكِناسٍ له الظُّباَ والرَّماحُ
ابنُ عشرٍ وأربعٍ لو تبدَّى في دُجَى الليلِ قلتُ لاحَ الصَّباحُ
وما ربيعُ العيونِ غيرَ مُحيَّا هُ إليه أرواحُنا تَرْتَاحُ
ليَ من وَجْنتَيْهِ وَرْدٌ جَنِىٌّ م ومُدامٌ من ثَغْرِه وأَقاحُ
تتَدابَى له القلوبُ وإن شَطَّ م مَزارٌ وأبْعِدتْ أشْباحُ
إنَّ كُتْبي إليه صُحْفُ الأماني وبها الرُّسْلُ بيْنَنا الأرْواحُ
قال: وقلت في الشيب:
لا تَلُمْني على اجْتنابيَ للْكَأْ سِ رُوَيْدًا فما عَلىَّ مَلامُ
ما ترى الشَّيْبَ فِضَّةً في عِذارِي سبَكَتْهُ بنارِها الأيَّامُ
قال: وقلت في غرض اقتضى ذلك:
أساءَ كِبارُنا في الدهرِ حتَّى جرَى هذا العقابُ على الصَّغارِ
[ ٢٤٧ ]
لقد شربَ الأوائلُ كأْسَ خمرٍ غدَتْ منه الأواخِرُ في خُمارِ
قال: وقلت متغزلًا:
ألقى فُؤادِي في أُوَارِى قمرٌ سُرَاه مِن اسكدارِ
يْمضِي الدُّجَى ونواظِرِي في حُبَّة ترْعَى الدَّرارِي
وأوَدُّ لو علِقَتْ بذيْ لِ الوعْدِ منه يَدُ انْتظارِي
يْجنِي فأُبْدِى العذرَ عن هـ وليس يْرضى باعْتِذارِي
أتَرَاهُ يدْرِي بالذي قاسَيْتُه أم غيرَ دارِ
أشكُو الظَّمأَ أبدًا وما ء ُالحسنِ في خَدَّيْهِ جارِ
أغْدُو به حَيْرانَ لا أدْرِى يميني من يَسارِي
رِيمٌ أبَتْ أخلاقُه إلا التَّخَلُّقَ بالنَّفارِ
فعشِقْتُه وعليهِ مِن دون الورَى وقَعَ اخْتِيارِي
قال: وقلت متغزلًا:
وشادنٍ أرْكبنِي هَواهُ طَرْفَ الخَطَرِ
مُهَفْهَفٍ مُبْتهِجٍ يَهْزُو بضَوْء القمرِ
يكادُ أن يشْربَه إذا تَبدَّى نظَرِي
[ ٢٤٨ ]
أبِيتُ فيه قَلِقًا على فِراشِ السَّهرٍ
كأنَّ عقْلِي كُرَهٌ لصَوْلجانِ الفِكَرِ
قال: وقلت متغزلا:
بِيَ ريمٌ كِناسُهُ المُرَّانُ ما لِقلْبِ من مُقْلتَيِهْ أَمانُ
ذُو عِذارٍ كأنه ظُلْمةٌ الشَّرْ كِ ووجْهٍ كأنه الإيمانُ
وكأنَّا من أنْسِه ومُحَيَّا هُ بروضٍ تُظِلُّنا الأفْنانُ
خدُّهُ الوردُ والبنُفسجُ صُدْغا هُ لعينِي وثَغْرُه الأُقْحٌوَانُ
وكأنَّ الحديثَ منه هو اللُّؤْ لُؤ يَرْفَضُّ بيْننا والجُمانُ
وكأن النَّدِىَّ والكأْسُ تُجْلَى فيه أُفْقٌ نجومُه النُّدْمانُ
وكأنَّ الأنْفاسَ منه نسِيمٌ وكأنَّا إذا شَدَا أغْصانُ
وكأنَّ النُّدمانَ في دَوْحَةِ اللَّه وِغُضونٌ ثمارُها الكِتْمانُ
يتعاطَوْن أكُؤُسَ العُتْبِ إذْ طا فَ عليهمْ بها المُنَى والأمَانُ
يا سقَى ذلك الزَّمانَ وحَّيا هُ مُلِثٌّ مِن الرَّضا هَتَّانُ
زمَنٌ كلُّه ربيعٌ وعيْشٌ غُصنُه يانعُ الجَنَى فَيّنانُ
[ ٢٤٩ ]
مَرّض لي بالشَّآمِ والعمرُ غَضٌّ وشَبابي يَزِينُه العُنْفُوانُ
ابن عَشرٍ وأرْبَعٍ وثَمانٍ هِي عيدٌ وبعضُها مِهْرَجاَنُ
قال: وقلت متغزلًا:
نَبَّهْ جُفونَكْ من نُعاسِك واسْمَح بريِقك أوْ بكأسِكْ
طاب الصَّبوحُ فهاتِها واشْرَبْ معي بحياةِ رَأسِكْ
ما الوَردُ إلا من خُدو دِكَ والبَنَفْسَجُ من نُواسِكْ
أفْدِيكَ ظَبيًْا أرْتجِي كَ وأتَّقِى سَطَواتِ بَاسِكْ
تخْشَى الأسودُ مَهابةً مِن أن تَمُرَّ على كِناسِكْ
قال: وقلت متغزلًا، من قصيدة:
أتُرَى أين حَلَّ أم أين أَمْسَى غُصْنُ باَنٍ يُقِلُّ أعْلاهُ شَمْسًا
ليتَ أنى وقد ترحَّلَ بِيدٌ كُنَّ أمسِ لأسْطُرِ العينِ طرْساَ
لَهْفَ شاكٍ يرى المعاهَد صُمًاّ بعد ما شَطَّ والمعالِمَ خُرْساَ
صَدَّعُ البَيْنُ منه ثَمّ فُؤادًا كان صَخْرًا فعاد بالوَجْدِ خَنْساَ
[ ٢٥٠ ]
ومنها:
شادِنٌ أظْلمُ الخلائقِ ألْحا ظاَ وأمْضَىِ فْعلًا وأكبرُ نَفْساَ
علّمْته الأيَّامُ طُرْقَ التَّجنَّي والليالِي أقْرَأْنَه الصَّدَّ دَرْساَ
أطْلَعَ الحسنُ في حديقةِ خدَّي هـ وُرودًا تركْنَ لَوْنِيَ وَرْسًا
ومنها:
طالَما بِتُّ بالخَدائِعِ أسْقي هِ ثلاثًا حينًا وأشْرَبُ خَمْسًا
نمزُجُ الكأسَ بالحديثِ وما ألْ طفَ ذاك الحديثَ معنًى وحِسَّا
لستُ أدْرِى أمِن عُصارةِ خَدَّ يْهِ أم الرَّاِح صَفْوُ ما نتَحَسَّى
لا رأَتْ مُقْلتِي مُحيَّاهُ إن كا ن فؤادِي يسْلُوه أو يَتَأسَّى
قال: وقلت:
لا تتَّهِمْ بالسوءِ دَهْرَك إنَّهُ جَبَلٌ يُجِيبُ صَداكَ منه صَدَاءُ
مِرآتُك الدنياَ وفعلُك صُورةٌ فيها فما الشَّنْعاءُ والحَسْنَاءُ
قال: وقلت متغزلًا:
تناَهَى عندَهُ الأملُ وقصَّر دونَه العَذَلُ
رَشًا يفْتَرُّ عن بَرَدٍ تكاد تُذِيُبه القُبَلُ
[ ٢٥١ ]
يخامِرُ عِطْفَه ثَمَلٌ يميلُ به ويْعتدِلُ
يُمثَّل ما يُروَّفُه بصَفْحِة خَدَّه الخجَلُ
فليت به كما اتَّصلَتْ حشاَيَ الطَّرفُ يتَّصِلُ
إذا ما الخِدْرُ أبْرزَهُ تَناهَبُ حُسنَه المُقَلُ
لقد أغْرَاهُ في تَلَفِي شَبابٌ ناضِرٌ خَضِلُ
وقَدٌّ حَشْوُهُ هَيَفٌ وطَرْفٌ مِلْؤُه كَحَلُ
فما الْخَطَّىُّ غيرَ قَنَا قَواٍم زانَهُ المَيَلُ
ولا الهِنْدِيُّ غيرَ ظُبًا حَواها النَّاظِرُ الغزِلُ
سقَى خَلْسًا بذِى إِضَمٍ مضَيْن الصَّيَّبُ الهَطِلُ
وعْيشًا حين أذْكرُه أمِيلُ كأنني ثَمِلُ
ورَبْعًا كنتُ أعْهَدُه وأُنْسِى فيه مُقْتبِلُ
بكَيْتُ دمًا على زَمنٍ لدَى تَوْدِيعه الأجَلُ
ليالٍ كلُّها سَحَرٌ ودهرٌ كلُّه أُصُلُ
) وهي طويلة (قال: وقلت في الحماسة:
لعَمْرُ أبى الرَّاقِي السَّماكَينِ رِفْعَةً وحامِي ذِمارَ المجْدِ بالحِلْمِ والبْاَسِ
[ ٢٥٢ ]
فما أنا من يرْضَى القليلَ مِن العُلا ولا أنا مَّمن يحْتَسِي فضْلةَ الكاَسِ
هي النَّفسُ فاْحمِلْها على الضيْمِ إِنْ تُرِدْ لها العِزَّ وانقُضْ راحَتَيْك من النَّاسِ
قال: وقلت أيضًا:
ومُنْتزَه يروقُ الطَّرْفَ حُسنًا لما فيهِ من المَرْأَى البَدِيعِ
تجولُ كتائِبُ الأزْهارِ فيه وقد كُسِبَتْ حُلَى الغَيْثِ المرِيعِ
وبات الوردُ فيها وهْو شاَكِي السَّ لاِح يميدُ في الدَّرْعِ الْمَنِيعِ
حكَى مُنْضَمُّ زَنْبقِةِ طُروسًا وفيها عَرْضُ أحْوالِ الجميعِ
تُنمَّقُ طَيَّها أيْدِي النُّعامَى وتبْعثُها إلى مَلِكِ الرَّبيعِ
وقلت إذ أنفذت لبعض الأحبة كتابا، فقبله وتلطف في حسن الجواب:
خُذها سُطورًا إليكَ قد بُعِثتْ ترومُ للنَّفسِ ما يُعَّللُهاَ
في طَيَّ بْيضاءَ ظَلْتُ من وَلَهٍ فيكَ بأيْدِي اللَّحاظِ أصقُلُهاَ
أكتُبها والدموعُ تَنْقُطُها بَعبْرةٍ لا أزالُ أُهْمِلُهاَ
لو كان ظَنَّي إذا بَصُرتَ بها نيابةً عن فمِي تُقبَّلُهاَ
لَرُحْت شوقًا إليك مُندرِجًا في طَيَّها والنَّسيمُ يَحْمِلُهاَ
قال: وقلت:
مَهْلًا سفينةَ آمالِي لعل بأنْ تَهُبَّ يومًا رياحُ اللُّطفِ والكرِم
ويا حُظوظِيَ رِفْقًا لستِ مُدرِكَةً غيرَ الذي قسمَ الرحمنُ في القِدَمِ
[ ٢٥٣ ]
قال: وقلت أيضًا:
ورَوْضةِ أُنْسٍ بات فيها ابنُ أَيْكَةِ يُغرَّدُ والنَّايُ الرَّخِيمُ يُشَنَّفُ
وقد ضمَّنا فيها من الليلِ سابِغًا رِداءُ بأكْنافِ الغَمامِ مُسَجَّفُ
فظَلَّتْ عَرانِينُ الأبارِيقِ بالطَّلا إلى أن بَدَتْ كافُورةُ الصبحِ تَرْعُفُ
وهذا معنى تصرف فيه وأبدع، وأدار منه على المسامع كأس أدب مترع، وقد سبقه إليه غيره، كابن رشيق في قوله:
صَنَمٌ من الكافورِ بات مُعانِقِي في حُلَّتْين تَعفُّفٍ وتَكَرُّمِ
فذكَرْتُ ليلةَ هجْرِه في وَصْلِه فجَرتْ بقايا أدْمُعِي كالعَنْدَمِ
فطفِقْتُ أمسحُ مُقْلتِي في جِيدِه إذ عادةُ الكافورِ إمْساكُ الدَّمِ
لكنه جعل جيد محبوبة منديله فدنسه، فلو قال:
فجعلتُ عيْني تحت خْمَصِ نْعلِهِ إذْ شِيَمةُ الكافورِ إمساكُ الدَّمِ
كان أليق بالأدب.
وممن أجاد في هذا المعنى ابن مرج الكحل الاندلسي، في قوله:
ألاَ بَشَّروا بالصُّبْحِ مِنَّىَ باَكيًا أضَرَّ به الليلُ الطويلُ مع البُكاَ
[ ٢٥٤ ]
ففي الصُّبحِ للصَّبَّ المُتَيَّمِ راحةٌ إذا الليلُ أجْرَى دَمْعَه وإذا شكا
ولا عَجَبٌ أن يُمسِك الصُّبحُ عَبْرَتِي فلم يزلِ الكافورُ للدَّمِ مُمسِكا
وقد قلت أنا في هذا المعنى أيضًا:
وساقَ ليَ السُّرورُ غدًا طبيبًا له طَرَفٌ يُشِير إلى التَّصابِي
رأَى في الكأْسِ صُبّض دَمِ الحُمَيَّا فذَرَّ عليه كافورَ الحُبابِ
قال: ومما قلته أيضًا:
سقَى صَوْبُ الحَياَ زَمنًا سرقْناهُ من الغِيَرِ
وقد مَدّ الغَمامٌ رِدَا لَه هُدْبٌ من المَطرِ
ومما كتبه إلى الأمير منجك:
يا وحيدًا في السَّجاياَ والمزاياَ باتَّفاقِ
وشِهابًا في سموا تِ العُلى سامِي الطَّباقِ
وجَوادًا عندَه الأفْ راسُ عَرْجًا في السَّباقِ
أنْتَ بَحرٌ دونَه الأبْ حُرُ من بعضِ السَّواقِي
لا تسُمْني حَصْرَ أوْصا فِك فكرِي في وِثَاقِ
راعَني الدهرُ كما قدْ رُعْتَ مِصْرًا بالفِراقِ
ومما كتبه إلى الأمير أيضًا:
قد بشَّرتْك بمِصْرَ بعضُ معاشر لم يعلَموا الأقْوالَ في تأْوِيِلهاَ
[ ٢٥٥ ]
مِصرُ أقلُّ نَدَى أيادِيك التي مِن فَيْضِ نائِلها أصابِعُ نِيِلهاَ
وهذا كثير الأمثال، كقول ابن نباته المصري:
وافَتْ أصابعُ نِيلِناَ فْيضًا وطافَتْ بالبلادِ
وأتَتْ بكلَّ مسَرَّةٍ ما ذِي أصابعُ بل أياَدِي
واحسن من هذا كله قولي من قصيدة نبوية:
أصابعُ سيَّدِ السَّاداتِ منها لقد رَوَّى الزُّلالُ صَدَى الفُؤادِ
فلو منها ينالُ النَّيلُ ظُفْرًا لما مَصَّ الأصابعَ للتَّنادِي
وعهْدِي بالأصابعِ في أيادٍ فكم في ذِي الأصابع مِن أياَدِي
[ ٢٥٦ ]