والسماءِ والطَّارق، وما أدراك ما الطَّارق، هو في ميدانِ الفضلِ وحَلْبة الشّهْباء سابِق، وأيُّ سابق، وعصرُه كان مِسْكَ خِتامِها، وسَحَرَ ليالِيها وأصِيلَ أيّامِها، نوّرتْ حدائقُها بغَوادي شمائِله، وتحلَّى مِعْصَمُ مجدِها بسِوار فضائِله.
حيثُ الْتقَى نَفَسُ الأقاحِي والصَّبا وترنُّمُ الحسْناءِ والورْقاءِ
وجرى النَّسيمُ يجرُّ فضلَ ردائِهِ مُتبخْترًا يجْلي من الخُيَلاءِ
نشوانَ يَعثُرُ بالغصونِ لطافةً منه فيسقُطُ في غديرِ الماءِ
[ ١٦٩ ]
درَّس فيها، وأفْتَى، وطَمَى بحرُ فضائِله فترك الحُسَّاد يضربون حتَى.
وله نَظمٌ كما انتظَمتْ دَرارِيُّ الزُّهْر، ونَثْر كما نثَرتْ الشَّمال على وَجَناتِ الرياض لآلِئَ القَطْر.
وله تصانيف جَمَّة تزيًّنَتْ بها البلاد، وأمستْ تمائِمُها مَنُوطةً بأجْياد الأجْواد، فهو نسِيج وَحْدِه، آثارُه في حُلَل الفضل طِرازٌ مُذْهَب، وأسدٌ في مجادلةِ العلماء لا يُذْكَر عنده ثَعْلب.
وله مُحاضَرات لو ذُكِرت للرَّاغب لسعَي لها راغبًا، أو لسَحْبان ظَلَّ لذيل الخَجْلةعلى وَجْهِ البسيطةِ ساحبًا.
فمما هبَّتْ به صَبا الأسْحار، وغرَّدتْ به على كرسِيِّ الرُّبَى حَمَائمُ الأخبار، قولُه:
يلومُونَنِي في تَرْكِ ضَمِّ قَوامِه ولا إذْنَ للنُّسَّاكِ في الضَّمِّ واللَّثْمِ
نعم بيننا جِنْسِيَّةُ الوُدِّ والصَّفا ولكنَّني لم أُلْفِها عِلَّة الضَّمِّ
وقوله:
يقولون لي والشَّيْبُ عاَثَ بلحْيَتي عِناقُك عذْراءِ الحِمَى غيُر جائزِ
[ ١٧٠ ]
أعَن نارِ خَدَّيْها التي هي مُنْيَتي أَمِيلُ وأسْتغْني ببَرْدِ العجائزِ
وله:
قوامُكَ يا بدرَ النُّجاة كأنَّهُ قَنًا أو قَوامُ السَّروِ أو ألفْ الوَصْلِ
وعينُكَ فاقتْ كلَّ عْينٍ بكُحْلِها فما أنْتَ إلا زَيْدُ مسألةِ الكُحْلِ
وقوله:
لكم هِمَمٌ نِلْتمُ برَمْي شِباكِها مَرامَكُمُ لما قَطعتُمْ بها البَيْدَا
وعُدتُم إلى المَغْنَى بما نِلْتمُ وقد تولَّيْتُمُ صَيْدًا فكان لكم صَيْدا
وقوله:
كنا سمِعنا بأوصافٍ كمُلْتَ بها فسَرَّنا ما سمعِناه وأحْيَانَا
مِن قبل رؤيِتكْم نلْنَا محبَّتَكُم والأذْنُ تعشَقُ قبل العْينِ أحْيانَا
وهو لبشّار، وأوله:
يا قومُ أُذْنِي لبَعْضِ الحيِّ عاشِقَةٌ إلخ.
[ ١٧١ ]
وفي معناه قولُ الحِلِّيّ:
وهوِ يتكُمْ قبلَ اللِّقاءِ كما تُهْوَى الجِنانُ بِطَيِّبِ الأخْبارِ
ولصاحب التَّرجمة أيضًا رُباعيّة، وهي:
طَرْفاكَ كلاهُما ضعيفٌ وعليلْ مِثْلي وأنا العليلُ من أجلِ عَليلْ
مِن ضَعْفِي قد صرَفتُ مَيْلي لهما والجِنسُ إلى الجنسِ كما قيل يميلْ
قوله:) والجنس (إلخ، من أمثالِ مُولَّدي العجمْ، ومثله قولهم: الجنْسِيَّة عِلَّة الضَّم، وهو كما قيل: إن الطُّيورَ على أجْناسِهاَ تَقَع وشِبْهُ الشَّيءِ مُنْجذِبٌ إليْهِ وله من ابيات المعاني، في مليحٍ من بني تَمِيم:
ومُهَفْهَفِ الأعْطافِ قلتُ له انْتسِبْ فأجابَ ما قَتْلُ المحِبِّ حَرامُ
وله مضمنًا:
حَمى ثَغْرَه الضَّحَّاكَ صَمْصَامُ جَفْنِه كما صِينَ بالتَّعذيرِ خَدٌّ مُوَرَّدُ
أخَدَّ حبيبي لا تزِدْ زردية فحسبُك والضَّحاكَ سيْفٌ مُهَنَّدٌ
[ ١٧٢ ]
والضَّحاك اسم مَلِك العرَب، لكنه وافقَ صيغةَ المبالغة من الضِّحك.
ومثلُه من نوادر العربيَّة.
ومن فصوله القصار: إنما تُلْقَى المخاصِر إلى كريم العناصر: لا تجعلِ الدنيا للآخِرة ضَرَّة، ومن يَنْكحُ أمَة على حُرَّة.
ما أخَسَّ الكلبَ العَوَّا، وإن صَعَد إلى السِّماك والعَوَّا.
الصِّحَّة رأسُ المال، ورِبحُها حَسَنْ الأعْمال.
تذْكيرُ المواعظ صَابون، لمن هُمْ عن دَنَسِ الأخلاق صَابُون.
إذا كان النَّدَى مات، فالسُّؤال أعْظمُ النَّدامات.
[ ١٧٣ ]