شاعر توقَّدت جَمَراتُ أفكاره، وتورَّدَتْ في رياض الشام وَجَناتُ أزْهارِه، وابتسَمتْ في ناديه ثُغورُ أنْوارِه، لكنها، خُدودٌ لم يتَرقْرَق عليها دَمْعُ القِطار، ومباسِم لم تَرْشِف الشمسُ منها رِيقَ الأمْطار، فللهِ دَرَّه من فصيحٍ لم يُعلَّل بمياه عُروقِ القَيْصُوم والشِّيح، ولم يُغْذَ بلِبَان العربيَّة، ولم يتَفَكَّه بثمار العلوم الجَنِيَّة؛ لأنه من بَنِي الأصْفر، وممَّن قاسَى الفقرَ الأسود وهو الموْتُ الأحْمر، إلا أن للبِقاع تأثيرًا في الطِّباع، فلما تغَذَّى طفلُ جِبِلِّتِه ماءَ الشام ونَسِيمَه، وبزَغ هِلالُه فيه بعدما أُمِيطَتْ عنه هالَةُ التَّمِيمَة، انْصَقَل طَبْعُه المُرْهَف، فانْبَرتْ شمائلُه أرَقَّ من الشَّمالوألْطف، لا سِيَّما وأبو الفَتْح ماشِطَةُ عرائسِ فكرِه، ومُلِمُّ شَعَثِ لُمَّةِ
[ ١٥٨ ]
نظْمِه ونثْرِه، إذا آنس طبْعُه لَحْنَة، أو طرَق طَرف ذِهْنِه طيفُ هُجْنَة.
وقد طالعتُ ديوانَه، فرأيتُه يعْترِيه عِلَل وفُتُور، ويدخُلُ في مغانِي مَعانيه وبُيُوتِه القُصور.
فمن شعرِه الذي اخترْتُه قوله:
سمعتُ لسانَ الحالِ من قَهْوةِ الطِّلا يقولُ هَلُمُّوا نَصَّ أخْبارِي
فباسْمِي تسمَّتْ قهوةُ البُنِّ في الملاَ ولكنَّها لم تَحْكِ أصْداغَ خَمَّارِي
فمِن كِذْبِها قد سوَّد اللهُ وجْهَها وعذَّبَها بْعد الإهانِة بالنَّارِ
ومنه قوله مُضمِّنًا:
قد قالتِ القْهوةُ الحمْراءُ وافتَخرَتْ كم قد ملكْتُ مُلوكُ الأعْصُرِ الأُوَلِ
وقهْوةُ القِدْرِ إنْ قَدْرًا عَلىَّ علَتْ ليِ أُسْوةٌ بانْحِطاطِ الشَّمْسِ عن زُحَلِ
ومنه قوله:
جُلِيَتْ عَرُوسًا في عُقودِ حُبابِهَا وفَدَيْتُ ظَبْيًا بالسُّرور حَبَا بِهَا
طلَعتْ عروسًا تنْجَلي في كأُسِها وكَسَا كُفوفَ الغِيد نَقْشُ خِضابِهَا
بِكْرٌ إذا باكَرْتها لَك ولَّدَتْ سِرَّ السُّرورِ لدَى حُضورِ جَنابِها
أخذَتْ من العقْلِ النَّفيسِ جواهِرًا مَهْرًا لها والنفَّفسُ من خُطَّابهَا
رَاحٌ حَلالِي شُرْبُها في جَنَّةٍ والنَّصُّ في الجَنَّاتِ حِلُّ شَرابِهَا
[ ١٥٩ ]
وهو مأخوذ من قول الأرَّجَانِيّ:
كأسٌ مِن السِّحرِ الحَلا لِ بشُرْبِها للْقَوْم سُكْرُ
في مجلسِ هُوَ جَنَّةٌ ولذاكَ فيه تَحِلُّ خمْرُ
وقوله:
يقول حبيبي مَا لِطَرْفِكِ أحْمرًا كأنَّك ياحَيْرانُ في نَشْوةِ التِّيهِ
فقلتُ له إشْراقُ خَدِّك قد بَدَا وقابلَه طَرفْي فحيَّلُهُ فِيهِ
وأحسنُ منه قول الأمير مُجِير الدَّين بن تَمِيم:
أقول للصَّحْبِ لا أنْكرُوا أثَرًا مِن احْمِرارٍ بدَا في باطن المُقَلِ
عاتَبْتُ ألْحاظَ عيْنِي عندما نظَرتْ إلى سِوَى الحِبِّ فاحَمرَّتْ من الخَجَلِ
وقوله:
ولمَّا انْقْضى شهرُ الصِّيام بفضْلِهِ تجلَّى هلالُ العِيد من جانِب الغَرْبِ
كحاجبِ شيْخٍ شابَ من طُولِ عُمْرِه يُشِيرُ لنا بالرَّمْزِ للأكْلِ والشُّرْبِ
وهو مأخوذ من قول العَقِيلِيّ:
قُمْ هاتِها وَرْدِيَّةً ذَهبِيِّة تبدُو فتَحسَبها عَقِيقًا ذابَا
[ ١٦٠ ]
أو مَا ترى حُسْنَ الهلالِ كأنَّهُ لما تَبدَّى حاجِبٌ قد شاَبَا
ألا قوله) من طول عمره (تكميل حسن.
ومما قلته في بعض الرسائل: شابَ حاجبُ الهلال وما دَانَاه كمالًا، واشتعل رأسُ الشمسِ شَيْبًا ولم تَرَ له مِثالًا.
ومما يُضاهَي هذا ما قلتُه لمَّا رأيتُ قول الثَّعالبيّ، في مدح قصْرٍ بناهُ الصَّاحِبُ ابن عبَّاد:
لِلهِ قَصْرٌ ترَى كلَّ الجمالِ بهِ وأسْعُدُ الدهرِ تبْدو من جوانِبِهِ
كأنَّما جَنةُ الفِرْدَوْسِ قد نزلَتْ إلى خُوَارَزْم تَعجيلًا لصاحِبِه
ورأيت ما فيه من الغَفْلة؛ فإن تعْجيلَه بالدخول لها إنما يكون بالموت، ففيه إيهام لا يَلِيق بمثلِه، فقلتُ في هذا المعنى، وأتيْتُ فيه بنوعٍ من الاحْتِراس، سمَّيْتُه التهذيب:
بنَى دارًا يحارُ الوصفُ فيها وتَهْواها المحاسنُ والمَسَرَّةْ
كأنَّ الجنَّةَ اشْتاقَتْةُ حتَّى له نزلَتْ أطالَ اللهُ عُمْرَهْ
[ ١٦١ ]
وقد يقال: في قوله) نزلت (احتراس مَّا، لكَّنه خَفِيَّ، والمقام يأبَاه.
ومن ديوانه قولُه أيضًا:
كيف السَّبيلُ إلى كَتْمِ الغرام إذا كاتبْتُكم وأردْتُ السِّرَّ ينْكَتِمُ
وقد غداَ الطِّرْسُ بالوجْهَيْنِ مُشتَهِرًا وباللِّسانَيْن أمسْى يُعْرَفُ القَلمُ
وقوله:
لقد مرضَ الجَهُولُ له فعُدْنَا ونحنُ إذًا أُناسٌ رَاحُمونَا
فظنَّ بأنَّنا عُدْناهُ خوفًا فإن عُدْنَا فإنَّا ظَالِمُونَا
وقوله أيضًا:
إذا دُفِن الإنسانُ في الرَّمْسِ بُرْهةً وعاوَدْتَه تلْقاهُ بادٍ ثانَيَاهُ
وما ذاك إلا أنَّه مُتِّسمٌ على كلِّ مغْرورٍ بأحْوالِ دُنْياهُ
ومما يُضاهي هذا، أن المولود يُولد باكيًا، مقبُوضَ الكفِّ، فإذا مات فتَحها، فقال لحكماء: إنه إشارة لحرْصِه حيَّا، وأنه خرج منها بغير شئٍ، كما قيل:
وفي قَبْضِ كفِّ الطفلِ عندَ وِلاَدِهِ دليلٌ على الحِرْصِ المُركَّبِ في الحَيِّ
وفي بَسْطِها عند الممَاتِ إشارَةٌ ألا فانْظُرونِي قد خرَجْتُ بلا شَئِّ
وكم في الكَوْن من إشارات، فهو جميعُه ناطقٌ بالعِظات، ولكن مَن يسمع ويبصر!
[ ١٦٢ ]
وأنشدني له بعضُ أدباء الشام:
رأيتُ الكائناتِ خَيالَ ظِلٍّ مُحرِّكُها هو الرَّبُّ الغَفورُِ
فصُنْدوقُ اليَمينِ بُطونُ حَوَّا وصُندوقُ الشِّمال هو القُبورُ
وليس له، فإني رأيتُه منسوبًا للشيخ ابن عَرَبيّ، وهو معنىً مشهور، ولكنه تصرَّف فيه فاستعار عَباءَةً، ورد دِيباجَةً.
وأصلُه من قول الآخر:
رأيتُ خيالَ الظِّلِّ أكْبرَ عِبْرَةٍ لمن هو في عِلْمِ الحقيقة رَاقِي
شُخوصٌ وأشكالٌ تَمُرُّ وتنقض وتَفْنَى سَرِيعًا والمُحرِّكُ بَاقيِ
ومنه وَلَّد ابن الوَرْدِيّ في الحَمَّام قوله:
وما أَشْبَه الحَمَّامَ بالموْتِ لامْرئ تبصَّرَ لكن أيْنَ مِن يتَبصَّرُ
يُجرَّدُ من أموالهِ ولِباسِه ويبْقَى مِن كلِّ ذلك مِئْزَرُ
[ ١٦٣ ]
ومما قلتُه فيه:
إن يكُنْ يَحْكِي خيالَ الظِّلِّ في فِعْلهِ دهرٌ لنا يُبْدِي العِبَرْ
فعسَاهُ عن قريبٍ مُظهِرًا صورًا أحْسن مِن هذِي الصُّوَرْ
وقلت أيضًا:
هي الُّدنيا خَيالَ الظِّلِّ تَحكي يُحرَّكُها القضاءُ كما يقُدِّرْ
ولولا السِّتْرُ ممْدودٌ عليْهِ من الغَفَلاَتِ ما ألْهَى وما سَرّ
[ ١٦٤ ]