فريدُ الدهر وأوانِه، وابنُ عبَّاسٍ في زمانِه، وسَلْمان آل بيتِه، وحسَّان قصيدتِه وبيْتِه، صاحب الفنون، وغَيْثُ الإفادة الهَتُون، جمالُ الكُتُب والسِّيَر، سيِّد أهل الحديث وعَيْن ذوِى الأثَر، ممَّن حازتْ به أقطارُ غَزَّة، شرفًا باذخًا وعِزّة.
وابنُه شِبْل الأسد، ذُو الرَّأْيِ الصَّائب الأسَدّ، وفِرِنْد نَصْله المصقُول الحَدّ، وهما كَرُكْبَتَيِ البعير في كل معنًى صارِم، أو كالحلقة المفرَغة أو كغِرَارَي صارِم، وبدر طلع من أفق كمالِ والدِه، وكرَع من بحر فضْلِه البَرّ مِاءَ الحياةِ قبل أنت يبدوَ نَباتُ عارضِه خَضِرَا، وتُحِيط بمَشْرق أنوارِه، في إبَّان طلوعه هالَةُ
[ ١٣٨ ]
عِذارِه، حتى أمدَّ شمسَ الفضل بما يُحْيِي النفوسَ، فهل سمعتَ ببدرٍ تسْتمِدُّ من أنواره الشُّموس، فتكلَّفَ البدرُ إذْ حَكاه، وضاهَى سَناءَه وسَناه.
ولا عَجَبٌ للبدْرِ أن يتكلَّفا
وله من شِعر العُلماء ما صدَحتْ من أقْفاص سُطورِه الحَمائِم، وتحمَّلتْ الصَّبا نَشْرَه فتلقَّتْه الزُّهور بثَغْرٍ باسِم. ولم يَزَلْ مُشرِقًا في منازِلِه البدْرِيَّة، حتى ألَمَّ بسَنا عُمرِه سِرار المنِيَّة، لا زال ثاويًا في قصورِ الجِنان، وضَرِيحُه مطافَ وفود الرَّحمةِ والغُفْران.
فممَّا لَمَع من نُورِ كماله، وسطَع من نجومِ أقواله، قولُه:
إذا كان حَمْدُ العْبدِ مولاه إنِّما يكونُ بإلْهامٍ مِن اللهِ للَعْبدِ
وذلك مما يُوجب الحْمدَ دائمًا فلا حَمْدَ حقَّا من سِوَى مُلْهِم الحَمْدِ
وقوله:
لنا أميرٌ فريدٌ في خلائِقهِ كم مِن كرائم أمْوالِ لدَيْه حَوَى
له الْتِفاتٌ لرِزْقِ النَّاسِ مُعتنِيًا يرى الفقيرَ لَدَيْه والغَنِيَّ سَوَا
وقوله:
مَن رام أن يبلُغَ أقْصى المُنَى في الحشْرِ مع تقْصِيِرِه في القُرَبْ
فليُخْلِص الحبَّ لمولى الورَى والمصطفَى فالمرءُ مَع مَن أحَبّ
وقوله:
بالحظِّ والجاهِ لا يفضْلٍ في عصرِنا المالُ يُستَفادُ
[ ١٣٩ ]
فكم جوادٍ بلا حمارٍ وكَم حمارٍ له جوادُ
وقوله:
يُقبِّل الأرْضَ حِماها الذي ألْثَمها أفْواهَ أهلِ العُلاَ
عبدٌ إذا كاتَبْتْهَ ثانيًا يزدادُ رِقًّا لَكمُ أو وَلاَ
وكتب إليه الفاضل النِّحرير عبد الرحيم العبَّاسِيّ مُلغِزًا، بقوله:
يا إمامًا له الفضائلُ تُعْزَى وهُمامًا أضْحى لراجِيه كَنْزَا
ما بسِيطٌ حروفهُ ليس تُحْصَى وهْوَ حرْفانِ لا سِوَى إن تَجَزَّا
كلُّ جُزْءٍ منه اسْتَوى القلبُ فيه جاءَ معنًى أو جاء لِلَّفظِ يُعْزَى
نصفُه رُبْعهُ ولا رُبْعَ فيه وسِوَى الخُمْسِ منه ما تَمَّ أجْزَا
وإذا ما تصحِّفْ البَدْءُ منه فهْوَ وَصْفٌ لكاملٍ نال عِزَّا
أضْمَر القلبُ غادَةً إن تُصحِّفْ آخِرًا فْهْو قولُها حين تَهْزَا
وعلى حَمْلِ صَخْرةٍ ذُو اقتدارٍ ثُمَّ عن حَمْلِ إبْرةٍ نال عَجْزَا
هاكَهُ واضحًا بدون خَفاءٍ لُغزُه ظاهرٌ وإن كان رَمْزا
دُمْتَ في رِفعةٍ وحفْظُ إلهي لك دَوْمًا حِصْنًا حصِينًا وحِرْزَا
فأجابه البدر:
زادَكَ اللهُ بالدِّرايةِ عِزَّا فلقد قُمْت للِهدايةِ كَنْزَا
يا بديعَ الألفاظِ عذْبَ المعاني صارَ منك البيانُ للدهرِ طَرْزَا
مِن يُجارِيكَ في العلوم يُجاري الْ يَمَّ والمجدُ من تَجرِّيه يَهْزَا
[ ١٤٠ ]
إنَّ لُغْزًا أرسَلْتَه فاقِ برَ التِّ مِّ حسنًا وأوْرثَ الفِكْرَ عجْزَا
مَن يُفتِّشْ فليس يُلْقي له ثَمَّ نَظيرًا فقد تفرَّد رمزَا
ثم مَن يبتغِي مُضاهاتهِ لا تسمعُ الأُذْنُ منه في ذاك رِكْزَا
وتراهُ وقَدْ تحيَّر ممَّا نَابَهُ للفِرارِ يجْمِزُ جَمْزَا
من يُطِقُ يَلْمَسِ السماءَ ويأْتي بالدَّرارِي حتى يُحاكيه لُغْزَا
قلتُ لمَّا أجبْتُ عنه إذا ما إبلٌ لم تكن لدَى فمِعْزَى
غيرَ أنِّي بالسَّتْرِ منه وَثِيقٌ فإليه كلُّ الفضائلِ تُعْزَى
دام في نِعْمةٍ وظلِّ سُعُودٍ ما مالَ النَّسِيمُ غُصْنًا وهَزَّا
وقوله:
إنَّ ألْطافَ إلهي لِيَ قالتْ خَلِّ عَنْكَا
لا تُدَبِّر لك أمْرًا أنا أوْلَى بك مِنْكَا
وقوله:
مَن أطْلعَ الأحْمقَ فوق السُّهاَ يُنْزِله للمنْزِل السَّافلِ
وغيُر بِدْعٍ فعلهُ حيثماُ يُقابلُ الباطلُ بالباطلِ
وأنشد له بعضهم:
ما في زمانِك واحدٌ لو قد تأمَّلْتَ الشَّواهِدْ
[ ١٤١ ]
فاشْهَد بصِدْقِ مقالتِي أوْ لا فكَذِّبْني بوَاحِدْ
قلت: ليس له، وهو من شعر أبي عامر الجرْجَانِيّ، أحد شعراء) اليتيمة (وفي معناه قول ابن حَيُّوس:
قد مات في دَهْرنا الكرامُ ومَن يعرِفُ قَدْرَ الثَّناء والمدْحِ
فإن شكَكْتُم فيما أقول لكمْ فكَذِّبوني بواحدٍ سَمْحِ
ومما أنشده الخُوَارَزْمِيّ مما يُشبه هذا، وإن لم يكن من جميع الوجوه:
أمْسَى بلا عِظَمٍ لدَيْه تَعاظُمٌ فكأنَّه أبْرُ الحِمارِ القائمُ
ويقولُ إن الناسَ كلُّهمُ أنا والناسُ كلُّهمُ لدَيْه بهائمُ
ولأبن تَميم:
أيا مَعْشَرَ الأصحابِ مالي أراكُمُ وذَمُّ جميعِ الناسِ جُلُّ منُاكُمُ
لئن كان ذمُّ الناسِ أضْحى شِعارَكُمْ فما الناسُ إلا أنتمُ لا سِواكُمُ
ومما قلتُه في معناه:
تفرَّدْتَ في ذا العصرِ بالفضْلِ والنُّهَى بزَعْمِك يا مَن زادَه عِلْمهُ جَهْلاَ
فأبْقِ لنا في الدَّهرِ غيرك عالِمًا يُصدِّقِ ذي الدَّعْوَى ويعرِفُ ذَا الفَضْلاَ
ومن شعر والده:
إنَّ خِلاَّ مَلَّ مِنَّا خَلِّناَ باللهِ منْهُ
[ ١٤٢ ]
هو لا يَسألُ عنَّا مالناَ نسألُ عنْهُ
وللتَّقِيّ السُّبْكِيّ رباعيَّةٌ في هذا المعنى، وهي:
يا قلبُ مِن الغرام قد زِدْت وَلَهْ مَن خانَك خُنْهُ أو تُعوَّضْ بَدَلَهْ
فالنفسُ عزيزةٌ على مَن هِي لَهْ لا يصلُحُ لي مَن كنتُ لا أصلُح لَهْ
ولأبن الوَرْدِيّ:
إذا كرِهْتَ منزلاَ فدُونَك التَّحَوُّلاَ
وإن جَفاكَ صاحبٌ فكُن به مُستَبْدِلاَ
لا تحْمِلَنْ إهانةً مِن صاحبٍ وإن عَلاَ
فمَنْ أتى فمَرْحبًا ومَن تَولْى فإلَى
ومما أنشدْتُه له:
إن تسَلْ عن حالِ الذين اجتباهُمْ ربُّهمْ عاجزًا وتطلُب قُرْبَا
أحْبِبِ اللهَ والذين اصْطفاهُمْ تبْقَ معْهُم فالمرءُ مَعَ مَن أحَبَّا
وللحافظ ابن حَجَر العَسْقَلانِيّ في معناه:
وقائلٍ هل عَملٌ صالحٌ أعْدَدْتَه ينقعُ عند الكُرَبْ
فقلتُ حسِبي خِدْمَةُ المصطفَى وحُبُّه فالمرءُ مَعَ مَن أحَبّ
وكنتُ قلتُ قبل أن أسمع هذا:
وحقِّ المصطَفَى لي فيه حُبٌّ إذا مرضَ الرَّجاءُ يكون طِبَّا
ولا أرضَى سِوى الفِرْدَوسِ مَأْوًى إذا كان الفتى مَعَ مَن أحَبَّا
وأعلم أنه وقع في حديث صحيح، عن عائشة ﵂ أن رجلًا أتى النبيَّ ﷺ، فقال: يا رسول الله، أنت أحبُّ إليَّ مِن نفسِي وأهْلي ومالي،
[ ١٤٣ ]
وإني إذا ذهبْتُ لِدَاري لا تطيبُ نفسِي حتى آتِيَك وأرَاكَ، فإذا مِتَّ أنْتَ كنتَ في أعْلى مقامٍ، فأخْشى ألاَّ أراك.
فلم يُجِبْه الرَّسولُ ﷺ، فنزل جبريلُ ﵇، بقوله ﷿:) وَمَنْ يَطِعِ اللهَ والرَّسُولَ فَأُولئكَ مَعَ الذَّيِنَ أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِمْ الآية.
فقال رسولُ الله ﷺ:) الْمَرْءُ مَعَ مَنْ أحَبَّ (.
وقلتُ في معناه رُباعيَّة:
حُبِّي لمحمدٍ حبيبِ البارِي في طِينةِ خِلْقَتي ورُوحِي سَارِ
والمرءُ ومَن أحَبَّ في الخُلْدِ معًا طُوبَي لِي إن غدَوْتُ عبْدَ الدَّارِ
[ ١٤٤ ]