سماءُ فضلٍ بإطْلاع نجوم الكمال معروف، وشموسُ معارفِه لا يعْتريها كُسوف، ورياضُ عِلْمه أنِيقة، ودَوْحَة مجدِه وَرِيفَة الظلوَرِيقَة.
إذا مسَّ الأقْلامَ سجدَتْ في محاريب الطُّروس شكرًا، ومادت من مُدام مِدادِه هائمةً سُكْرا، فكم لِلَيْل حِبْرِه المِسْكِيّ الأنفاس يدٍ بَيَّض اللهُ بها مُحيَّا القِرْطاس.
تُخبِّر أنَّ المانَوِيَّة تَكْذِبُ وله في علم الفلَك أنْظار تَنُم بأسرار كواكِبه، وإن كتم قلْبَه على لِسانِ أسرار صاحِبه، بَوَّأه اللهُ منه مكانًا علِيًا، فتَلا لمن رَامَه سِواه:) أَعُوذُ بالرَّحمنِ مِنْكَ إنْ كُنْتَ تَقِيَّا (فكم صعد له بخَطواتِ فكره وسَما، واتَّخذ خُطوطَ جدَاوِلِه للعُروج إليه سُلَّما، فكلَّما طارت حمائمُ النجوم من بروجِ أقْطارِها، جعلها بِطاقةً تَطِير في الآفاقِ لتْبليغ أخْبارِها، فلو كان لعُطارِد الخِيار كان بدَنانير الدَّرارِي له مُشْترِي، ولو أراد مَدْحَه أطْراه بقَول ابن الروميّ غيرَ مُفْترِي:
[ ١٥١ ]
أعلاكُمُ في السَّماءِ مجدُكمُ فلستُمُ تجهلون ما جَهِلاَ
شافَهْتُمُ البدرَ بالسُّؤالِ عن الْ أمرِ إلى أن بلغتُمُ زُحَلاَ
لم تُدْرِكوا قطُّ بالحسابِ بَل الْ أحسابِ علمًا لكمْ ولا عَملاَ
ولم يزل مُتقلِّدًا بصارم القَضا، قانعًا من معشوقتِه الدنيا بحالَتي الصَّدِّ والرِّضا، حتى أراد أن يجدِّد لأسْتاذِنا رصَدًا:) وَإنَّا لا نَدْرِي أشَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ في الأَرْضِ أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَدا (غافلا عن حَركات الفَلَك، حتى قال له: نبَّهَك اللهُ ما أغْفَلَك، فدارت دوائرُه على مدارِها، وصارت زاويةُ قبْرِه حادَةً بعد ما كانت مُنْفَرجة في أقْطارِها، وشكْلُ العَرُوس من زُخْرُف الحياةِ له أطْماع، وهو لمن تأمَّلَه شكل قطاع.
والموتُ للإنْسانِ بالمِرْصادِ وقد طالعتُ له رسائل فلَكيَّة، وبعض تحريراتٍ هنْدسِيَّة؛ تدلُّ على عُلُوِّ كَعْبِه فيها، وُرقِيَّة من حَضِيض الخمول إلى سماء معالِيها.
وله شعر وَسَط، ونثرٌ غرِيبُ النَّمَط، كقوله في مدح العَّلامة أبي الفتح المَالِكيّ:
يا كَعْبةً يؤُمُّها أُولو النُّهْىَ وسِدْرةَ الفضْلِ إليْها المُنتهَىَ
لأنتَ في العالَمِ فردٌ علَمٌ بل كلُّ الخلقِ عِلْمًا وهُدَى
والفضلُ لمَّا قال إن مَالِكِي بالشَّامِ كُلُّ قد أقَرَّ بالولاَ
رَفَعْتَ قَدْرًا وعَلَوْتَ رُتْبةً وفُزْتَ بالتَّقْديمِ حالَ الابْتِدَا
وفُقْتَ أهلَ الأرضِ بالعلمِ الذي أُتيتَه مولايَ من ربِّ السَّمَا
يَصْرِفُ لُبَّ المرءِ نحو لفْظِه إذ يُعْرِب الفضلُ على هذا البِنَا
[ ١٥٢ ]
وقوله من قصيدةٍ في مدح أستاذي سعد الدين الشاعر:
صَباحُ الأمانِي في صَباح مكارم تجلّتْ على عَرْشِ الجلالةِ والحمْدِ
مطالعُ ما زالَتْ طَوالِعُ بالَسَّنَا تُعِّممُ آفاقَ المكارمِ بالسَّعْدِ
)