فاضلٌ نَشاْ بمكَّة بين تِهامة ونَجْد، ورُبّىَ في حَجْر المعالي والمجد، ففاق طبُعه رِقه وطِيبًا نسيمَ النْرجِس والوَرْد.
وخلعتْ عليه الأيامُ جمالَها، وأفاض اللهُ عليه فضْلَها وأفْضالَها.
واللهُ جميلٌ يحبُّ الجمال، والدهرُ قد يُسعِفُه وإن كان عدوَّا لأهل الكمال.
فحاز كرمًا ومجدَا، وفاح عَنْبَرًا ونَدا.
عَطاه ولا مَنٌ وحُكمٌ ولا هَوًى وحِلْمٌ ولا عجْزٌ وعزٌ ولا كِبْرُ
وهو في الفضل عصِاميٌ عريق، له عَذْبُ مَشْربٍ بين العُذَيب والعَقيق.
وأنا وإن لم أرَه فقد صاحبُتُ أخاه عليَّا، ورأيتهُ وقد رفعه الله مكانًا عَلياَّ، ففُزْت بصُحْبته وقد طافتْ وُفودُ الآمالِ حولَ كَعْبتِه.
جمالَ ذِي الأرضِ كانوا في الحياةِ وهمْ بعدَ المماتِ جمالُ الكُتْبِ والسّيَرِ
فمن شعره قوله:
فنِجْانُ قَهْوةِ ذّا المليحِ وعْينُه ال كَحْلاْء حارَتْ فيهما الألْبابُ
فسَوادُها كسَوادِها وبياضُها كبياضِها ودُخانُها الأهْدابُ
[ ٤١٧ ]
قال أبو منصور الجْوَاليِقي في كتاب) المُعرَّب (: الفنجان معرَّب، وصوابه فنْجانة، وفيه نظَر وتشبيه الدُّخان بالأهْداب تشبيه بديع.
ومثله في الحُسنْ قولُ الصَّنَوْبَرىّ
مُجمَّرةٌ طاف بها الغِلْمانُ أبدَعَ في صَنعتِها الزَّمانُ
كأنها فيما حكَى العَيَانُ فَوّارةٌ وماؤها دُخانُ
في بِرْكةٍ حَصْباؤها نيِرانُ إذا تَبدّتْ حَزِن الرَّيحْانُ
وسُرَّتِ الجُيوبُ والأرْدَانُ
وقلتُ فيها، من أرجوزة أيضا:
لله ما أحْسنَها من مُجمَّرهْ أنْفاسْها طيبةٌ مُعَطره
كأنَّها ورِيحُها طُيَّابُ نَرْجسَةٌ من فوقِها ضَبابُ
وعلى ذِكْر الأهداب انظر حسنُ قولي، في مليح لبي فَرْوة سَمور
وضَبيٍ مِن السّمُّورِ ألْبس فرْوَةً وماسَ كما هزَّتْ ضَبًا سُحرة سَرْوَا
كأنّ عيونَ الناسِ من دَهْشةٍ به تُخلّف أهدابًا فتحسَبُها فَرْوَا
ولشيخنا العِناياَتي، من قصيدة:
قَهْوةٌ لا صُداعَ فيها نَعَمٌ في ها مُزيلٌ مِن الصُّداِع مُريح
[ ٤١٨ ]
صِبنَ في الصّينِ مِسْكُها فحكاها لَعَسٌ في بياضِ ثْغرٍ يلُوحُ
ليلُ وصْل في صُبْحِ لُقْيا حبيبٍ طاب منها غَبُوقُها والصَّبوحُ
وللأستاذ محمد البَكْرى، أو لمحمد ماَماَى المعروف بالرُّومِي:
أنا المعشوقةُ السَّمْرَا وأجْلَى في الفناَجِين
وعودُ الهِنْدِ لي طِيبٌ وذكْرِى شاعَ في الصِّينِ
وكتب جمال الدين للقطب المكَىّ، يهنّيه بشهر رمضان:
يا شيخَ أهل العلمِ في أمّ القُرَى رمضانُ هَلَّ ببَهْجةٍ لم تُوصَفِ
فَتَهَنَّ وحدَك إن ذاتَك أصبحتْ هي اشرفٌ في أشْرفٍ في أشًرفِ
فأجاب، وأجاد، وأجاز:
يا واحدّ الفُضلاءِ أنتَ جمالُنا فَتَهَن بالشهرِ الشريفِ الأشْرفِ
شعْرٌ بِشْعر لا رِبًا فيه وإن زاد العِيارُ فوزْنُ هذا الأشْرَفي
الأشرَفي في العُرْف بمعنى الدّينار، نسبةً للملك الأشرف، وتوحيده جرّته القافيةُ.
ولابن الَقّيم وقد مدح مَن أجابه، وأجازه:
ولما مدحت الهِبْرزِى بنَ احمدٍ أجاز وكافَني على المدْحِ بالمدِْح
فعَّوضنيِ شِعْرًا بشْعرٍ وزادني عطاءَ فهذا رأسُ ماليِ وذَا رِبْحِي
[ ٤١٩ ]
لفظْتُ ملوك الأرضِ حتى لقِيتهُ فكنتُ كَمن شقَّ الظلامَ إلى الصُّبحِ
وهذا من قول ابن سِنان الخَفاَجِيّ:
طوَيتُ إليك الباخِلينَ كأنَّني سرَيْتُ إلى شمسِ الضُّحَى في الغَياهِبِ
ومما يشبه هذا قولُ البَبَّغاء:
زمنُ الوردِ أشرفُ الأزْمانِ واوانُ الرَّبيعِ خيرُ أَوانِ
أدرك النَّرْجِسُ الجنِىُّ وفُزْنا منهما بالخُدودِ والأجَفْانِ
أشْرفُ الزَّهْرِ زارَ في أشرفِ الدّه رِ فصِل فيه أشرفَ الخِلاَّن
ومدح البُحتُرِيَ طاهرَ بن إسماعيل الهاشِمي، فبعث له بدنانير، وكتب معها:
لو يكون الحِياء حسْبَ الذش أنْ لدينْا له مَحَلٌ وأهلُ
لُحَييبَ اللُّجَينَ والدُّرَّ واليا قوتَ حَثْوًا وكان ذاك يَقِلُّ
والشَّريفُ الظريفُ يسمحُ بالعُذْ رِ إذا قصَّر الصديقُ المقِلُّ
فردَّها، وكتب إليه:
بأبيِ أنتَ للبرَّ أهلُ والمساعي بَعْدٌ وسَعْيُك قَبْلُ
والنّوالُ القليلُ يكثُر إن شا ء مُرجّيك والكثيرُ يقِلُّ
[ ٤٢٠ ]
غير أنَّى رَدَدتُ برَِّك إذْ كا ن رِبًا منك والرّبا لا يحلُّ
وإذا ما جزِيْت شعرًا بشْعرٍ يبلُغُ الحقُّ والدنانيرُ فَضْلُ
ومثله قول أبي القاسم الدَّاوُدِي:
ربما قصَّر الصديقُ المُقِلُّ عن حقوقٍ بهنَّ لا يسْتقلُّ
ولئن قلَّ نائلٌ فصَفاهُ في وِدادٍ ونيَّةٍ لا يِقلُّ
أرْخ سِتْرًا على حَقارةِ برِىّ هَتْكُ برَّ الصديقِ ليس يحِلُّ
ولنْورد هنا رِبا الشعر، وما قيل فيه؛ فإن الحديث شُجون.
وقد قال الصنَوْبَري:
لستُ أستحسنُ الرّبا في سوى ال وُدّ فأجْزِي مثْلاُ بمثلٍ وأُضْعِفْ
ولما هنَّأ الشعراء ابن طاهر بولاية خُرَاسان وأنشده تّمام بنُ ابي تمام
هنَّاك ربُّ العرشِ هنا كا مامِن جزيل المُلكِ أعْطاكاَ
قرَّتْ بما أعطِيتَ ياذا الحِجاَ والباسِ والإنْعامِ عيْناكَا
أشرقتِ الأرضُ بما نِلتهُ وأوْرقَ العودُ بجَدْواكاَ
استضعف الحاضرون شعرَه، وقالوا: ما أبعدَ ما بينه وبين أبيه.
[ ٤٢١ ]
فأجابه بعضُهم بقوله:
حيَّاك ربُّ الناسِ حيَّاكاَ إنَّ الذي أمَّلتَ أخْطاكاَ
مدحْتَ خِدْنًا متهما ما له ولو رأى مَدْحًا لواساكاَ
فهاكَ إن شئْتَ بها مِدْحةً مثلَ الذي أعْطَيْتَ أعْطاكا
فقال: أعز الله الأميرَ، الشعر بالشَّعر رِبًا، فاجعل بينهما مِنَحًا من الدراهم؛ حتى يحِلَّ.
فضحك، وقال: إن لم يكن معه شعرُ أبيه، فمعه ظَرْفُه، وأجزل جائزتَه.
وقال السّراج الورَّاق:
وعوَّضَنيِ على شِعْري بشعْرٍ وجازَى بالمُحال على المُحالِ
ولستُ ألوُمه فيما أتاهُ لِعادتهِ قديمًا بالبدالِ
وكتب دِعْبل لأبي دُلفَ، وقد انقطع عنه:
[ ٤٢٢ ]
هجَرتُك لم أهجُرك كُفْرانَ نِعْمةٍ وهل يُرْتَجى نَيلْ الزيادة بالكُفرِ
ولكنني لما أْتيتُك زائرًا فأفْرطتَ في بِرَّى عجزتُ عن الشكرِ
فإن زدْتني بِرا تزايدْتُ جَفْوة فلا نَلتقي طولَ الحياة إلى الحشْرِ
فوجَّه له ألفَ دينار، مع رُقْعةٍ فيها:
إلا رُبَّ ضيفٍ زائرٍ قد بسطْتُه وآثرْتُه قبلَ الضّيافةِ بالبشْرِ
أتاني بترْحيبٍ فما حال بيِنْه وبين الِقرَى والبشْرِ من نائلٍ نزْرِ
رأيتُ له فضلًا علىَّ بقَصْدهِ إلى أن يراني موضعَ الحمدِ والشكرِ
فزوَّدْتُه مالًا يقلُّ بقاَؤه وزوَّدني حَمْدًا يدومُ على الدَّهرِ
فردَ دِعْبل الألفَ، وقال: الشّعر بالشعر، والبرُّ رِبًا.
ومثل قول دِعْبل لأبي العلاء المعَرّي
[ ٤٢٣ ]
لو اخْتصرتُمْ مِن الإحْسانِ زُرْتُكم فالعَذْبُ يُهْجرُ للإفْراطِ في الخَصَرِ
وكنت كتبتُ لبعض الناس شعْرًا فأجاب عنه بشْعرٍ فكتبتُ له:
فدَيْتُك قد بعْثتُ الشّعر دُرّا نفيسًا عِقْدُه مِنَنُ الرَّقابِ
فجثتَ بمثْلِه مِن غير وَزْنٍ يُعفّر في الوُجوهِ ولا يُحابِى
عملْتَ بسنةَ المختارِ لَّما منَنْتَ به سريعًا في جوابي
وقلتَ بلا رِبًا وفَّنْتُ مَدْحًا بمَدْحٍ منك صرْتَ به تُرَاب
[ ٤٢٤ ]
ى