أديبٌ له أوصافٌ حُسْنَى، ومناقبُ هُنَّ الوَشْيُ بهجةً وحُسْنًا، إذا أصغت له أذنُ أديب، حلَّت منه بوادٍ خَصِيب.
سِحْرٌ من اللفظِ لو دارَتْ سُلافَتُه على الزَّمانِ تمشَّى مِشْيَةَ الثَّمِل
رأيتُه بالروم، وهو شاب يجرُّ رداءَى شبابٍ وآداب، وهِلالُه مُشرِق في أُفُق نَمائِه، وغُرَّة صُبْحِه تُؤذِن بوجْهِ ذُكاءِ ذَكائِه، وقد سلك إلى المجد طريقا غير مَطرُوقة، بهمَّةٍ غيرِ هِمَّة، وخَليقةٍ، وللدهر فيه عِداتٌ يُرْجَى إنْجازُها، وحُلَل منشورة سيلوح طِرازُها، فلم ينْبسِط بُرْدُها حتى انْطوَى، ولم يُورِق قضِيبُه الرَّطيبُ حتى ذوَى، والدهر يقول، والنَّجمُ في مَطلَع العُمْرِ هوَى:
أبْكِي إِناءَ شَبيبَةٍ في وقتِ ما امْتَلأَ انْكَفَا
[ ١١٣ ]
فمما أنشدني في صديقِه سرور، السَّابق ذِكْرُه:
وحقِّك ما تركتُكَ عن مَلالٍ وبُغْضٍ أيها المولى الأميرُ
ولكِن مُذ ألِفْتُ الحُزْنَ قِدْمًا أنِفْتُ مَواضِعًا فيها سُرورُ
وهذا من قول المُتَنَبيّ:
خُلِقْتُ ألوفًا لو يُعاوِدْني الصِّبا لفارَقْتُ شَيْبي مُوجَعَ القلْبِ باكياَ
ومنه أخذ البَهاء زُهير قولَه:
وأَلوفًا فلو أفارِقُ بُؤسَي لتَوالَتْ لفَقْدِها حَسَراتِي
وقد أجاد القائل في مُتابَعتِه:
ألِفتُ الضَّنى من بَعْدكم فلو أنَّهُ يزولُ إذا عُدْتُمْ حَنَنْتُ إليهِ
وصار البُكا لي عادةً فلَوَ أنَّهُ تغيَّبَ عن عْينِي بكَيْتُ عليهِ
ومما قلتُ في المعنى:
مْذ هجَرْتُم هجَر الطَّيْفُ وَلِي ناظِرٌ لم يَدْرِ ما طَعْمُ الوَسَنْ
في هواكُمْ ألِفَ الحُزْنَ فلَو لم يجِدْهُ مات من فَرْطِ الحَزَنْ
وله) ديوان (بليغ، طالعتُه فاخترتُ منه قولَه، من قصيدة:
أعْطى سَرائِرَك النُّحولُ اللُّوَّمَا والحُبُّ ليس بمُمْكِنٍ أن يُكتَمَا
[ ١١٤ ]
ووَشَى ونَمَّ عليكَ دمعُك عندما وَشَّى بعنْدَمِه الخُدودَ ونَمْنَمَا
أفَرُمْتَ تُبْهِم واضحًا من سِرِّه والدمَّعُ مُتَّضِحٌ به ما أبْهمَا
أم خِلْتَ أنَّ أساَكَ تَمْحوهُ الأسَى كلاّ ورُبَّ جراحةٍ لن تُحْسَمَا
إنَّ المحبَّةَ مْحِنَةٌ لا مِنْحَةٌ ومِن الغرام يَرى المُحِبُّ المَغْرَمَا
وشَكِيَّتِي شَاكِي السِّلاح جُفونُه مُرُّ العَذابِ لِشِقْوتِي عَذْبُ اللَّمَى
ظَبْيٌ ظُبَا لحظاتِه بمَضائِها أنا مُوقِنٌ لا شكَّ تُرْدِى الضَّيْغَمَا
أخْشَى الهلاكَ تَوهُّمًا من بأسِهِ ولرُبَّما هلك المُحِبُّ تَوَهُّمَا
وأظَلُّ صادِي القلبِ خِيفةَ صَدَّه ولوَ أنَّه بنعيم وَصْلٍ أنعَمَا
وإذا مُنِعْتَ الماءَ أوَّلَ مرَّةٍ ووَرَدْتَه أخرى تَذكَّرْتَ الظَّمَا
بأبي وإن كان الأبيَّ وبِي رَشًا قَدَّ الغُصونَ رشاقَةً وتقدّمَا
كالصُّبْحِ فِرْقًا والغزالةِ طَلْعةً والبدْرِ وجهًا والثُّرَيَّا مَبْسَمَا
يزْدادُ وَرْد خُدودِه وجوانحِي من نارِهنَّ تضرُّجًا وتضَرُّمَا
صافِي الأديمِ تَرى تَرافَةَ جِسْمِه ماءَ ويأْتَى الماءُ أن يتجَسَّمَا
صنمٌ لبستُ الغِيَّ فيه غلائلًا والمرءُ يسْلُبُ رُشدَه حُبُّ الدُّمى
كيف الهِدايَةُ لي وفاحِمُ فَرْعِه قد ظلَّ يَجْهَد أن يضِلَّ ويفحُمَا
كالأُفْعُوانِ على قضيبِ كَثِيبةٍ لا يُرْتَجَي لسَلِيمهِ أن يَسْلَمَا
أنا مَن أباح يدَ الغرامِ زِمامَهُ فمشى به أنَّى يشاءُ ويمَّمَا
فعسى الحبائبُ أن تُخفِّفَ عُتْبَها فلقد حَملتُ من النَّوائبِ أعظَمَا
في كل يومٍ رَوْعةٌ أو لَوعةٌ والفَذُّ تُقْعِدُه الحوادثُ تَوْأَماَ
[ ١١٥ ]
شيْآنِ لستَ بآمنٍ عُقْباهُما أن تصْحَب الدُّنيا وتُدْنِى الأرْقَمَا
فَلأبْلُغَنَّ نِهَايةً في قَدْحِها إن لم تُبَلَّغْني الأبَرَّ الأكْرمَا
ومنها:
وَلَو أنَّ إدراكَ المُنَى بَيدِ النُّهَى وطِئَت نَعامَةُ أَخَمصَىَّ الأنْجُمَا
ومتى يصِحُّ سقيمُ جَدِّ أخي الحِجَى يومًا إذا كان الزَّمانُ المُسْقِمَا
فالحُمْقُ ألْيَقُ والخِداعُ مُوافِقٌ والمكرُ أرْفَقُ ما تْرَافِقُ منْهُمَا
أبناءُ دهرِك بالنِّفاق نفَاقُهمْ أفَيرْ نَضُونَك بالهُدى مُتكَلَّمَا
ما لم تُنافِقْ فاتَّخِذْ نَفقًا به ترجُو السَّلامةَ منهُم أو سُلَّمَا
لا يفقُهون وشرُّ مَن صاحبْتَه أن تصْحَبَ الأعمى الأصَمَّ الأبْكمَا
ولقد مُلِئتُ تَحارُبًا وتَجارِبًا لم تَلْقَنِي إلاَّ إنَاءَ مُفْعَمَا
ومن قصيدة:
لا تَلْحَنُ الأقْدارُ في إعْرابها قد تُرفَع الأَسماءُ بالتَّقديرِ
مكسورةٌ قد حاولَتْ إكْسِيرَها من جابرٍ والجبْرُ للمكْسُورِ
وله من أخرى:
وليلٍ كأنَّ الصبحَ فيه مآرِبٌ نُؤمِّل أن تُقْضَى وِخلٌّ نُصادِقُهْ
وله من أخرى:
ولم أنسَ ليلًا ما تبلَّجَ صُبْحُه ولا لاحَ في يافُوخِه وَخْطُ شائِبِ
عدِمْتُ ابِتسامَ الفجرِ فيه كأنهَّ سُلُوُّ فؤادِي أو وفاءُ حَبائِبي
[ ١١٦ ]
وله من أخرى:
فاسْلَمْ بدهرٍ عُصِمْتَ منهُ بهِ وعِشْ بعَلْيَاك عُمْرَ أَعْصُمِهِ
تأسُو برُؤْياكَ من إساءَتهِ لا يُصلِحُ القَرْحَ غيرُ مَرْهَمِهِ
فإنَّ هذا الزمانَ مُحسِنُه كفَّارةٌ من ذُنوبِ مُجْرِمِهِ
وله من أخرى:
وبي مَضاضَةُ عيْش مسَّنيِ لَغَبٌ مِنْها وساوِرنيِ في كَرِّها سَغَبُ
حتى تصوَّر لي منها على ظَمأٍ أن المنِيَّة في ثَغْرِ المُنَى شَنَبُ
ومن أخرى:
بنا أظْلمتْ أيَّامُنا وتظلَّمتْ بَنُونا وأهلونا من الطَّالِعِ النَّحْسِ
عسى شمسُ هذا الدهرِ تأْتي بوَفْقَ ما نُرجِّى وشمسُ الوَفْق في شَرَفِ الشَّمسِ
وله يطلب فرسًا:
أبُثُّكَ أن لا طِرْفَ لي أقْتَضِي به دُيونِي وأعْيانيِ الغريمُ بَمطْلِهِ
فجُدْ لي بما أرْجُوه إن شئتَ مُلْجَمًا وإن رُمْتَ تعْجِيلَ العَطاَ فبِجُلِّهِ
[ ١١٧ ]
وله من أخرى:
ورُبَّ غَبّيٍ كنتُ أُحسِن وُدَّهُ وتقبُح لي أقوالُه والفعائِلُ
تغافلتُ عن أشْياءَ منه ورُبَّما يسرُّك في بعضِ الأمورِ التَّغافُلُ
وهذا كقول بعض الحكماء: الكرمُ مِكْيالٌ ثُلُثاه التَّغابي.
ولأبي فِرَاس:
ليس الكريمُ بسَيِّدٍ في قومِهِ لكنَّ سيِّدَ قومِه المُتغابِي
ومما قلتُه أنا في نحوه:
كم قد سعَيْتُ للمعالي جاهدًا فزاد في سعْيِي إليها لَغَبِي
ولستُ في فهْمي غبِيَّا أبدًا وإنَّني إن عَنّ سُوءُ لَغَبِي
وله من أخرى:
لا عَيْبَ فيهمْ غيرَ أنَّ صِلاتِهمْ تُغَرِّقُ آمالَ العُفاةَ بحُورُهَا
أنَّ سُيوفَ الهِنْد في كُلِّ مَعْرَكٍ بأيمْانِهمْ حاضَتْ دِماءً ذُكورُهَا
وله من أخرى:
يَلَبِّيكَ من قبلِ السُّؤالِ نوالُهُ ويأْتِيكَ دون الانْتِظارِ نُضارُهُ
وله في أخرى:
وقبْلَك صاحَبْتُ الزَّمانَ وأهلَهُ فما شاقَنِي خِلٌّ ولا رَاقَ مَوضِعُ
يُقدِّمني عَزْمي وحظِّي مُؤخِّرِي ويُوصِلُنِي حَزمْي ودَهرِي يُقطِّعُ
[ ١١٨ ]
ولا ذَنْبَ لي إلا الفضيلةَ إنها من الجهلِ في الأيام أشْنَى وأشْنَعُ
وهَمِّي من الدنيا المعالِي ونَيْلُها وما هَمُّ قلبي الرَّقْمَتَانِ ولَعْلَعُ
ولا نَسْمةٌ سَحَرِيَّةٌ شِحْرِيَّةٌ ولا بَارِقٌ من بَارِقٍ وهْوَ يَلْمَع
ولا عَذْبُ ماءٍ للعُذَيْبِ على ظَمَا مُمِضّ بجَرْعاءِ الحِمَى يُتَجرَّعُ
ولا رَشَأٌ أحْوَى ولا صَوْتُ قَيْنَةٍ ولا قَدَحٌ فيه الرَّحِيقُ المُشَعْشَعُ
ولكنَّه لَدْنٌ وأجْرَدُ سابِحٌ ومَسْرُودَةٌ زَغْفَا وأبْيَضُ يَسْطَعُ
وإتْلافُ ما أحْوِى على طلبِ العُلا وهذا طريقٌ للمكارم مَهْيَعُ
وإنِّيَ مِن خِلِّى بأيْسرِ وُدِّه أُسَرُّ وأسْرِى ما دعادني وأَسْرِعُ
قليلُ مودَّاتِ الرِّجالِ كثيرةٌ وأيسرُها عند النَّوائبِ تُقْنِعُ
أبَرَّكَ مَن يْلقاكَ بالبِشْر وجهُهُ ووَاساكَ في الضَّرَّاءِ مَن يتَوجَّعُ
ولكنَّني أن أُلْفِ غيرَكَ وافيًا وأكثَرُ مَن تْلقَى يخونُ ويخدَعُ
فحاوَلْتُ أن ألْقَى المنايا أو المُنَى لدَيْكَ وعِرْنِينُ العِدى بِكَ أجْدَعُ
تملَّكْتَ منِّي جانبًا لا أُضِيعُه لغيِرك في الدنيا وغيرِي المُضِّيعُ
لسانًا طرِياَّ بالمديح وأُنْمُلًا سحائبُها من نفْثِها لا تَقَشَّعُ
وقلبًا على حِفَظِ المودَّةِ عامرًا ولكنه إن سُمْتَه الضَّيْمَ بَلْقَعُ
[ ١١٩ ]
وصيَّرْتني عبدًا لأمْرِك طائعًا وإنِّيَ إلاَّكَ الأنامَ أُضَيِّعُ
ولي رُتْبةٌ فوق الثُّرَيَّا مَحَلُّها ودون ثَرًى فيه نِعالُك تُوضَعُ
وسَلْسَالُ لفظٍ سائغُ الوِرْدِ عذْبهُ له مَشرَبٌ صافٍ نَمِيِرٌ ومَشَرعُ
وما قصَدَت إلاَّكَ قبلُ قصائِدِي ولم يَرَها قومٌ سِواكَ ويَسْمَعُوا
مُنَمَّقَةً تزْهُو على زَهَرِ الرُّبَى وتُشْرِقُ كالزهْرِ السَّوارِي وتطلُعُ
لو اعْتَبر الرَّائِي مواقعَ لفظِها تَيقَّن أن السِّحْرَ في الشِّعرِ يُجمَعُ
وغيِرِي طُفَيْلِيُّ القوافيِ وأشَعبُ الْ معانِي له في كلِّ ما عَنَّ مَطْمَعُ
وله من أخرى:
إن خَصَّنيِ بالبُؤسِ دهرِي دائمًا دون الوَرى فأنا بذلك أَفضَلُ
هذِي عقاقيرُ العِطارةِ كُلُّها لم يحْترِقْ منْهُنَّ ألا المْنْدَلُ
وله من أخرى:
أرِى اليأْسَ عِزَّا والرَّجا ذِلَّة الفتَى وطُولَ المُنَى عجْزًا وحُبَّ الغِنَى فَقْرَا
فلا تضْجَرَنْ من حالةٍ مُستحيلةٍ كما نِلْتَها عُسْرًا ستَتْرُكَها يُسْرَا
وإن الفتى كالغُصْنِ ما دام نابِتًا فآوِنَةً يُكْسَى وآوِنَةً يَعْرَى
وله من أخرى:
إذا ما كنْتَ مْصطِنعًا جميلًا فحاوِلْ مَن يروقُكَ بالصَّنِيعِ
ولا تُكرِمْ به إلا كريمًا رَماهُ الدهرُ عن مَجْدٍ رَفيعِ
ولم أر نِعْمةً تُسْدَى فتُزْرِي بمُسْدِيها سِوى رَفعِ الوضيعِ
[ ١٢٠ ]
وقوله:
غَيْرُ بِدْعٍ إذا ظُلِمتَ بدهْرٍ رزِق الغِمْرُ فيه حَظَّا عظيمَا
فالهواءُ الصَّحيحُ يُدْعَي عليلًا واللَّديغُ المُصابُ يُدْعىَ سَلِيِمَا
وقوله:
ما سِئمْتُ الزَّمان إلا لِحِرْما نِ كريمٍ فيه وحَظِّ لئيمِ
وثَراهُ اللَّئيم أقْبحُ في العيْ نْين مَرْأى مِن افتقار الكريمِ
وله:
ومُستَخْبِرٍ عنِّي بغيرِ جَهالةٍ يَراني وفي عَيْنَيْه عن حالتِي عَمَي
تنكَّرَ مُرتابًا ولم يَدْرِ أنَّنِي شهِدْتُ مَذاقَ العيْشِ شُهْدًا وعَلْقَمًَا
إذا ما اسْتَردَّ الدهرُ منِّي هِباتِهِ فسِياَّن أن أُعْطى كثيرًا وأحْرَمَا
وله:
لا يضرُّ الكريمَ قِلَّةُ مالٍ لا ولا بالَّئيم يُجْدِي الثَّراءُ
فشَبَا مُرْهَف الجَبانِ كلِيلٌ وبصِنْدِيها تَقُدُّ العصَاءُ
وله:
لا تحسَبِ الأرزاقَ تُقْسَمُ باطلًا كلاَّ لقد ساوَى المُهَيْمنُ بْيْنَها
فإذا رُزِقْتَ الجهلَ أدْرَكْتَ المُنَى وإذا حُرِمْتَ الجَدَّ أُعْطِيتَ النُّهَى
[ ١٢١ ]
وله:
حاذِرْ عِداكَ الأقْربين من الورَى فأضرُّها القُرَباءُ والقُرَناءُ
وَتَوقَّ من كَيْدِ الحَقُودِ ولِينِ مَا يُبْدِي فقد يُصْدِي الحُسامَ الماءُ
وله:
أبعَدُ ما يَطُلبُ إداركَهُ نَيْلُ المُنَى بالفضل إنسانُ
وكلُّ شيءٍ وله غايَةٌ وغايةُ العِرْفانِ حِرمانُ
وله:
رُوَيْدَكَ إن بعدَ الضِّيقِ مَخْرَجْ وصَبْرُك عندَه أبْهَى وأبْهَجْ
وكم مِن كُربةٍ عَظُمَتْ وجَلَّتْ وعند حْلولِها الرحمنُ فَرَّجْ
وله:
كفى حزَنًا أنِّي أراكِ قريبَةً ويُقْصِيكِ عنِّى يا بُثَيْنُ أمورُ
أراكِ ولكن لا سبيلَ إلى اللِّقا وكلُّ يسيرٍ لا يُنالُ عَسِيرُ
وقوله:
اسْقِني قهوةَ بُنّ وامزُجِ القهوةَ عُودَا
فهْيَ للصَّفْراءِ والبَلْ غَمِ تمحُو وهْيَ سودَا
وقوله:
وأغْيَدَ أورثَني بُعدُه ثَوْبَ الضَّنَا فيه وفَرْطَ السِّقامْ
رثَى ليَ العاذلُ في حبِّه حتى إذا خَطَّ عِذارَيهْ لامْ
[ ١٢٢ ]
وله:
مُذْ خطَّ آياتِ عِذارٍ له نقَّطَها من مِسْكِ شاماتِهِ
ولاحَ في أصْداغِه وجهُه كأنَّه البدرُ بهالاتِهِ
وأرسلَ اللَّحْظَ نذيرًا وقدْ كلَّم قلبي بُمناجاتِهِ
ولم أستطِعْ كُفرانَها إنَّني آمنتُ باللهِ وآياتِهِ
وله في الصَّيْف:
قد هجم الصَّيْفُ وولى الشِّتَا مُنهزِمًا تابِعَ آثارِهِ
مُبتدِعًا يسلُبُ أثْوَابنا ويُخرِجُ المالكَ من دارِهِ
وله:
أراكَ بِسِرِّ مُسْتَوعِيكَ سِرًّا مخافةَ أن تُسِرَّ إلى مُريِبِ
أنَمَّ من السُّؤالِ على عَديمٍ ومن دَرَن السِّفارِ على غَريبِ
وله:
لا أشْتكي الحبَّ تُصْمِيني مصائُبهُ ولى عن اللَّومِ فيه أذْنُ أُطرُوشِ
فلستُ أوَّلَ مَن ألقاهُ ناظرُه في صَبْوةٍ شوَّشَتْهُ أيَّ تَشْوِيِشِ
كالنًّسْر أرْداه سهْمٌ فاستعَدَّ له عُذْرًا وقال رمَى قلبي به رِيِشِي
وله أيضًا:
برُوحِيَ من أبصرْتُ صْفحةَ خدِّهِ وأبصرتُ وجهَ الشَّمسِ أغْبرَ أسودَا
[ ١٢٣ ]
كأنِّي أراها دُونَه مثْلمَا يُرَى سِواها إذا ماشامَها الطَّرْفُ أرْبَدا
وله من أخرى:
مُنِيرُ المُحَيَّا كلَّما شِمْتَ وجهَه أعاد إليك الطَّرْفَ جِدَّ كَليلِ
كذا الشمسُ مهْما شامَها المرءُ لم يعُدْ وإن صحَّ منه الطَّرفُ غيرَ عليلِ
وله من قصيدة:
قد كان ليلُ ذَوائبي لي شافِعًا واليومَ صُبْحُ الشَّيْبِ من رُقَبائِي
ولَمُلْتَقى بِيضِ الصِّفاِح أحبُّ للْ بَيْضاءِ من ذي لُمَّةٍ بَيْضاءِ
ومنها:
ولئن خَبَرْتَ بني الزمانِ وخِسَّةُ ال آباءِ تُنْتِج خِسَّةَ الأبنْاءِ
إيَّاك تركنُ منهمُ لمُمَاذقٍ يُبْدِي الوفاءَ ولاتَ حينَ وفاءِ
وتجنَّبَنْ مِن لِينِ مَلْمَسِ عِطْفِهِ فالعَضْبُ يصْدَأُ مَتْنُه بالماءِ
ولطالَما أضْفَيتُ قبلَك خُلَّتِي مَن لا أراهُ موافقًا لإخائيِ
وبلوْتُ منه وُدَّه فرأيتُه مُتلوِّنًا كتَلوُّنِ الحِرْباءِ
فغدوتُ أحترِزُ الأنامَ وغَدْرَهُم إن الطَّبيبَ يخافُ مَسَّ الداءِ
وقطعتُ باليأْسِ الرجاءَ لديهمُ واليأسُ يُجدَعُ أنْفَ كلِّ رجاءِ
وله من أخرى:
أَوَّاهُ كم لوعةٍ بقلْبي تغدُو وكم رَوْعةٍ تروحُ
[ ١٢٤ ]
إن الهوَى داءهُ عَياءٌ يعجِزُ عن بُرْئِه المسيحُ
وله من أخرى، يصف قصيدتَه:
وكأنَّها في كلِّ بيْتٍ شِمْتَه منها تضُمُّ القريض مُهَنْدِساَ
والشِّعرُ ما شاقَتْكَ منه حِكْمةٌ لا ما يُشَوِّقُكَ الكئِيبَ الأوْعَسَا
[ ١٢٥ ]