كعبة فضلٍ مُرتفِعة المقام، تضمَّنتْ أَلْسَنةُ الرُّواة الْتِزامَ مدْحِه فللِّهِ ذلك التَّضّمُّن والالْتِزام.
رأيتُه في عُنْفُوان العمر والدنيا كلُّها رِياض، والأيَّام كلُّها أعْياد وأعْراس، والأوقاتُ كلُّها سَحَر، والأشْهَر كلُّها نَيْسَان.
فلَوْ بِعْتُ يومًا منه بالدَّهرِ كلِّه لفكَّرْتُ ثانيًا في إرْتِجاعِهِ
وهو حسَنةٌ في صحائِف الأيَّام واللَّيالِي، وروضةٌ تُنْبِت الشُّكرَ في رِياض المعالِي، والعيشُ كلُّه نَضِر، وقد قيل لكلِّ زمان خَضِرٍ.
إذا ما ذكَرْنَا جُودَه كان حاضرا نأَى أو دَنَى يسْعَى على قَدَم الخِضْرِ
وأقام بمكة مع بني حسَن مُخْضَرّ الأكْناف، وصنَّف باسم السيد حسن كتابه) شرح شواهد الكشَّاف (، شرحًا تشبَّثَ بأهدابِه السِّحْر، وناطَ به تمِيمَةً مُعلَّقةً بجِيد الدَّهْر، وقد ملكْتُه وطالعتُه، فرأيت فيه ما يدل على سَعَةِ إطِّلاعِه، وطول طَوْلِه وبَاعِه.
[ ٢١٥ ]
وهو تلميذ والدي، وكان يسلُك معه طريقَ الأدب، ويجْثُو بين يدَيْه على الرُّكَب.
وأنشدني له قولَه مُضمِّنًا:
تبدَّلْ عن البَرْش المُبلِّد بالطِّلا فعالمِ أهْل البَرْش غِمْرٌ وجَاهِلُ
فما البَرْش إن فتَّشْتَ عن كُنْهِهِ سِوَى دُوَيْهِيَةٌ تَصْفَرُّ منها الأنامِلُ
وللأسْعد بن مَمَّاتي، مما أنشده في كتابه) سلافة الزرجون (:
ندِبميَ لا تَهْزَأْ بمشْمُولةٍ فإن بدَا لك منها بَهْجَةٌ وشَمائِلُ
وراقَك منها رِقَّةٌ في قَوامِها ولاحَتْ كشمسٍ أضْعَفتْها الأصائِلُ
فلا تغْتَرِرْ منها بِلينٍ فإنها دُوَيْهِيَة تصْفَرُّ منها الأنامِلُ
وهذا من قصيدة لَبِيد، التي أولها:
ألا كلُّ شئٍ ما خلاَ اللهَ باطلُ وكلُّ نعيمٍ لا محالَة زائِلُ
وكلُّ أُناسٍ سوْفَ تدخلُ بْينَهم دُوَيْهِيَةٌ تَصْفَرُّ منها الأنامِلُ
وقد ضمَّن زكيّ الدين بن قريع منها أيضًا في قولهِ:
تأمَّلْ صُحَيْفاتِ الوجودِ فإنَّها من الجانب السَّامِي إليكَ رسائْلُ
وقد خُطَّ فيها إن تأمَّلْتَ خطَّها ألاَ كلُّ شيء ما خَلا اللهَ باطِلُ
وفي معناه قول العلاَّمة الشيخ حسن البُورِينِيّ:
وُرْقُ الرِّياضِ إذا نظَرْتَ دفاتِرٌ مَشْحونَةٌ بأدِلَّةِ التَّوْحيدِ
[ ٢١٦ ]
وهو في معنى شِعر أبي نُؤاس المشهور.
ومما مدَحتُ به حضرة مولانا خِضْر المذكور:
وصَبًا من كُئُوسِ ذِكْرِكَ سَكْرَى لكَ حمَّلْتُها ثَناءً وشُكْرَا
ولِوَجْدِي رَقَّتْ كطْبِعكَ لُطْفًا واسْتعارَتْ من طِيبِ ذِكْرِكَ نَشْرَا
معك القلبُ حيثُما سِرْتَ يسْرِي فاسْألَنْه عنِّى فذلكَ أدْرَى
مِن أُوليِ العَزْم لِي فُؤادٌ كَلِيِمٌ في النَّوَى لا يزالُ يتْبَعُ خِضْرَا