في قوله:) رعته (استخدام لعَوْدِه إلى النجم، بمعنى الكوكب، على ملاحظة معنى النَّبْت.
وقد يتعدَّد ذلك، كما في قول ابن الْوَرْدِيّ
ورُبَّ غزالةٍ طلَعتْ بقْلبِي وهْو مَرْعاهَا
[ ٣٢ ]
وقالتْ لي وقد صِرْنا إلى عيْنٍ قصدْناهَا
بذلْتَ العيْنَ فاكْحُلْها بطَلْعتِها ومجْراهَا
وقد يكون الاسْتِخدام بالضمير، من غير اشتراك أيضًا، كما في قوله تعالى:) وَمَا يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ ولاَ يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ (.
وقد يكون بالضمير المُستتِر في حالٍ ونحوها، كقولك:
بذلْتَ العيْنَ جاريةً مُكحَّلةً وطالعةً
وقد يكون بالتمييز من غير ضمير، كقوله في هذه القصيدة:
أُخْتُ الغزالةِ إشراقًا ومُلتَفَتًا
وقد يكون باسْم الإشارة، كقولي:
رأَى العقيقَ فأجْرَى ذاكَ ناظِرُه
وقد يكون بالاسْتِثْناءِ كقول الْبَهاَء زُهَيْر:
أبدًا حديثي ليس بالْ منسوخ إلاَّ في الدَّفاتِرْ
فذكر النَّسْخ بمعنى الإبطال، واستثنى منه بمعنى الكتابة. وهو استثناء غريب، يحتاج إلى نظرٍ دقيق في إدخاله في أحد نوعيْه.
وله من قصيدة:
وتجرَّدَتْ بيضُ الصِّفاحِ وأُلْبِستْ عَلَقَ النَّجِيِعِ كَحُلةٍ حمْراءِ
[ ٣٣ ]
والسُّمّرُ مُذ سقَتِ الدِّماءُ زُجاَجَها أضْحتْ ثِمارًا أرْؤُسُ الأعْداءِ
وله من أخرى:
كأنّما الخيلُ في الْمَيدانِ أرْجُلُها صَوالجٌ ورءُوسُ القوْم كالأُكَرِ
من رسالة لابن عبد الظاهر: أصبح الأعداء كأنما جُزر أجسادِهم جزائر، يتخلّلُها من الدِّماء السَّيْلُ، ورءُوسُهم أُكَر تلعَب بها صَوالجةُ الأيْدِي وأرجلُ الخْيل.
وله من أخرى:
سقَى طَلَلًا حيثُ الأجارِعُ والسِّقْطُ وحيثُ الظباءُ العُفْرُ ما بينهما تَعْطُو
هَزيٌم هَمُولُ الوَدْقِ مُرِْتجِسٌ له بِأفْنانهِ مِن كلِّ ناحيةٍ سَقْطُ
ولو أنّ لي دمعًا يُرَوِّي رِحابَهُ لما كنتُ أرْضَى عارضًا جُودُه نَقْطُ
ولكنّ دمْعِي صار أكثرُه دمًا فأنَّى يُرَجَّى أن يُرَوِّى به قَحْطُ
ومنها:
كأنَّ أنسِيابَ الرُّمْحِ في الدِّرع سَالِخٌ من الرُّقْشِ في وَسْطِ الغَديرِ له غَطُّ
والبيت الثالث كقول مِهْياَر:
بكَيْتُ على الوادِي فحرَّمْتُ ماءَه وكيف يَحِلُّ الماء أكْثرُه دَمُ
وقول الأبيوَرْدِيّ:
سقَى الله لَيْلَ الخَيفِ دَمْعِيَ والْحَيَا أُرِيدُ الْحَيَا فالدَّمْعُ أكْثرُه دَمُ
[ ٣٤ ]
والأخير كقول الْمَعَرِّيّ:
توهَّمَ كلَّ سابغةٍ غديرًا فرَنَّق يَشْرَب الحَلَق الدَّخاَلاَ
وله من أخرى:
ما لاَح في أُفَقِي المحاسن إذ سرَى إلاَّ حَمَدتُ بليل طُرَّته السُّرَى
عقَد الإزارَ على كثيبٍ في نَقًا فغدا اصْطِباري وهْو محلولُ العُرَى
لا تذكرِ الغزلانَ عند كِناسهِ معه فإن الصَّيدَ في جَوْفِ الفَرَا
وله أيضًا:
إلى كم أُمَنِّي القلبَ والقلبُ مُولَعٌ وأزجرُ طَرفَ العينِ والطرفُ يدمَعُ
وحتَّى متى أشكُو فِراقَ أحبَّتي عفَا بالنَّوى منهم مَصِيفٌ ومَربَعُ
وأستعرضُ الرُّكبانَ عنهم مُسائلً عسى خبرٌ عنهم به الركبُ يرجعُ
تصبَّرتُ عنهم وأنثنيْتُ إليهمُ ولم يبْقَ في قوسِ التَّصبُّرِ مَنْزَعُ
أُراعيِ نجومَ الليلِ أرقبُ طيْفَهم وكيف يزور الطَّيفُ مَن ليس يهجَعُ
وما زالتُ أبكي لؤلؤًا بعد بَيْنهم إلى أن بدا مُرجانُ دمعِيَ يَهْمَعُ
وما كان تبكي العينُ لولا فِراقُهم عقيقًا ولا يشْفِي الفؤادَ طُوَيْلٍعُ
فلا حاجِرٌ بعد الأحبَّة حاجِزٌ ولا لَعْلَعٌ مذ فارق الحيُّ لَعْلَعُ
غرَبْن شموسًا في بدورِ أكِلَّةٍ فليس لها إلاَّ من الخِدْرِ مَطْلَعُ
[ ٣٥ ]
وشابَهْن غِزْلان النَّقا في نِفارِها ولكنّها بين التَّرائبِ تَرْنَعُ
لها من مَهاةِ الرملِ عينٌ مريضةٌ وجِيدٌ كجيدِ الظَّبْيِ أغْيَدُ أتْلَعُ
ومن قُضُبِ البانِ الرطابِ معاطفٌ تكاد عليها الوُرْقُ تشدُو وتسجَعُ
وتغدو سيوفُ الهندِ لما تشبهَّتْ بألْحاظها في الحربِ تَفْرِي وتقْطَعُ
ذكرتُهمُ والقلبُ بالهم طافحٌ لبَيْنِهمُ والبحرُ كالليلِ أسْفَعُ
وما تنفعُ الذكْرى لمن صَدُّهُمْ قِلَى ووصلُهُم قطعٌ ومنهم تمنُّعُ
ولا عجبٌ فالبخلُ في الغِيِدِ والدُّمَى طبيعةُ نفسٍ ليس فيها تصبُّعُ
كما لعلىٍّ كلُّ جودٍ وسُؤُدُدٍ سجيةُ ذاتٍ ليس فيهل تصنُّعُ
وله من أخرى:
ورَكْبٍ طِلاحِ صاحَبو النَّجمَ في السُّرَى تَرامَى بهم فِي السَّير بِيدٌ وتعنُفُ
يخوضون بحرَ الآلِ يطفُو عُبابهُ طُفُو عُبابهُ طُفُوَّ دَياجي الليلِ والليلُ مُسْدِفُ
كأن المطايا والأكِلَّةُ فوقها سَفِينٌ بأيدْي الأرْحَبِيَّاتِ تَجْدِفُ
وكان له نَدِيم أحْدب، يسمى أبا الخير، يعدُّه عَيْبَةَ أسراره، وجُهَينةَ أخباره، وهو يُدير عليه شَمُول وِدادِه، ويجْني إليه من كل وادٍ ثمراتِ فؤادهِ، ويُنْشِده تَرجُمان لسانِه عن مُحجَّب جَنانِه:
ولقد جُبلتُ على مَحبَّة وُدِّه ما الحبُّ إلا للإمام الصَّالحِ
[ ٣٦ ]
جميع إخوانه إليه يلجئون، ومن كل حَدَب إلى جُرْثُومَته يَنْسِلون، خفَّت روحُه فألقتْ بدَنَه خلفه ظِهرِيَّا، واتَّخذتْ ما سواه شيئًا فرِيَّا، كأنه خاف الخُطوبَ فهو مُتجمِّع حذَر الوُثوب.
وما الدهرُ في حال السُّكون بساكنِ ولكنه مُستجْمِعٌ لوُثوبِ
وله به عِزٌّ أقْعَس، في رَبْوة المعالي يُغرَس، وطَبُعه بالظَّرف ربيعٌ أخْصَب، وفي أمثالهم:) أظرفُ من أحْدَب (، فهو سَنام اللطفِ وغارِبُه، وبحرٌ أحدبُ الأمواج، بدائعُ بدائههِ عجائبُه، ولم يزل يَعْتام وِدادَه، حتى قَبضت جواهرَ عُمرِه يدُ الدهر النَّقَّادة.
كل ابنِ أنثى وإن طالتْ سلامتُه يومًا على آلهٍ حَدْباءَ مَحمُولُ