أديبان هما في وجهِ الكمال غُرة، وجَوادان سماءُ كرَمِهما للعافِين ثَرَّة.
أمْتَطيا ظهْرَ المجد، ونزلا بطْنَ تِهامةَ وظْهر نَجْد.
بهِمة إذا غزَتْها النَّوائب، كانت عن حَدّ المُرْهفَات نوائِب الْتجافي الدولة الَحَسنِية إلى طِراز الدُّول، وأوَيا لها حيث لا عاصِمَ من طُوفان الخُطوب غلا ذلك الجَبل.
فأصبحتْ يدُ الجود لأسْباب الغَنى رابِطة، ونُظمتْ عقودُ الكرَم في جيِد أملِهما بلا وَاسطِة، ففي تلك الأكُفّ بِحارٌ تَغْرَق فيها الآمال، ويرشَح من عرَقِ الخجلِ لها جَبينُ السَّحاب الهَطَّال.
من كل مَن مسَحَتْ راحةُ إحسانهِ، قذَى الفقرِ عَيْن زمانِه.
فنادى لسانُ العياَن، قد وضَح الصُّبح لمن له عَينْان.
فمما أنشد لعبد الرحمن قوله:
كبارُ زمانِنا أضْحَوْا صغارًا وقد غضِب الزمانُ على الكبارِ
كأنَّ زمانَنا من قوم لوُطٍ له وَلَعٌ بتقْديمِ الصّغارِ
[ ٤٣١ ]
وفي معناه قول المِعْمار:
أبْرى مُغرًى بالّلواطِ الذي يقبحُ لا سِيمَّا على مثْلِهْ
أوقَفَ لا تسَلْ ما جَرى وصرتُ خلْفَ الناسِ من أجْلهِ
وقلت:
وزمانٌ فيه الصَّغيرُ يُقدّمْ أتُراهُ لذلك الذَّنْبِ ينْدَمْ
لعَن اللهُ قومَ لوُطٍ فهُمْ قدْ علموهُ التقْديمَ حتَّى تقَّدمْ
وقلت أيضا، وهو أحسن مما تقدَّم:
أقول لهذا الدَّهْرِ عَتْبًا على م لا تُقدمُ مَن قد قدَّمَتْهُ الورَى حقا
فهمَّ بتْقديمِ المُقدَّم تَوْبة فكان الذي قد رامَ تقْديمه عِلقْاَ
ومما أنشدته لعلىّ بن كَثير قوله:
صحِبتُ الأنامَ فألفْيتُهمْ وكلٌ يميل إلى شَهْوتِهْ
وكلٌّ يُريدُ رِضى نفْسِه ويجلِبُ نارًا إلى بُرْمَتهْ
فاللهَّ دَرُّ فَتى عارفٍ يُدَارِى الزمانَ على فِطنتِهْ
يُجازِى الصَّديقَ بإحْسانِه ويُبقْى العدوَّ إلى قُدْرتِهْ
ويلبَسُ للدهرِ أثْوابَهُ ويرقصُ للقرْد في دَوْلتِهْ
وقوله:) يجلب نارًا إلى بُرْمتَه (البرمة: قِدر من حجارة، بلُغة أهل مكَّة.
[ ٤٣٢ ]
هذا المثل كقولهم في مثل آخر:) كلٌّ يحطِب في حْبلِه، ويجر النارَ لقُرْصه (أي رغيفه.
وما أحسن قوله أيضا:
ويوم قَر زاد أرْياحُه يخْمشُ الأبْدانَ من قَرْصِهاَ
يومٌ توَدُ الشمسُ من بَرْدِهِ لو جرَّت النارَ إلى قُرْصِهاَ
وفي معنى قوله:) ويرقص للقرد (ألخ، قولُ الأهْوازِى
قُلْ لمن لامَ لا تلُمْنِي كلُّ امْرِئ عالمٌ بشَأنِهْ
لا ذنْبَ فيما فعلتُ أني رقصْتُ للقرْدِ في زمانِهْ
من كرَمِ النفسِ أن ترَاها تحْتمِل الذُّل في أوَانِهْ
ولأبي تمامَّ:
لا بُدَّ يا نفسُ مِن سُجودٍ في زَمنِ القِرْدِ للقُرودِ
وتقدم الصغار داره قديم، مَّمن ابْتُلىَ به الثَّعالبي، وقد اشْتكاه بقوله: في قصيدة له:
لكَ الدُّنيا وما فيها بِلادٌ تُلاحِظُها بَعْينيْك احْتِقارَا
تكَبَّر ذا الزَّمانُ على بنيِه فعِشْ حتى تُعّلمَه الصَّغارَا
وصار صِغارُهمْ فيه كِبارًا فدُمْ حتى تَردَّهُمُ صِغارَا
خدمْتُ لك الملوكَ أرُوضُ نْفسِي لآمنَ تحت خِدْمِتك العَثارَا
ولو كانتْ لنا الدُّنيا جعلناَ لك الدُّنْيا وما فيها نِثارَا
[ ٤٣٣ ]