أديب فاس، ومِسْك غِزْلان ذلك الكنِاس، ورَيحْانُهُ أهْدَى نفْحُه خبَره إلى الصَّبا الطّيب الأنْفاس.
فالله طيب الأخْبار، وما أهْداه لي من المَسارَ. مِن كلّ حديثٍ هو لِعْين الفخرِ قُرة، وفي وَجْهِ دُهْمِ الليالِي غُرّة.
ألفاظُه تضحكُ على ثُغورِ الأنوار، الضاحكة لُبكاء الأمّطار.
أنشدني له بعضُ الأدباء:
وبدرٍ لاح من تحتِ السلاهمْ يقولُ لكلَّ قلبٍ قد سَلاهُمْ
لئن خشُنَتْ ملابسُه عليهِ فقد خشنَتْ على الوَرْدِ الكمائِمْ
السلاهم: جمع سلهامة، وهي بلغة أهل المغرب بُرْنس أبيض خِشن.
وأنشدني عبد العزيز الثّعالِبي شعرًا له في القمر، منه:
دَعْ ذَا وقل للناس ما طارقٌ يطرُقُهمْ جَهْرًا ولا يَّتقِى
ليس له رُوحُ على أنهُ يركبُ ظهرَ الأدُهَمِ الأبَلقِ
شيخٌ رأَى آدمَ في عْصرِه وهو إلى الآن بِخَدّ نقىِ
وهو بوَسْط البحر مَعْ قومِه لاَ ينْثىِ عن نَهجِه الضَّيَّق
هذا ويمْشِي الأرْضَ في لْيلةٍ أعجِبْ به من موثَقٍ مطُلّقِ
[ ٣٦٧ ]
فتارةً ينزلُ تحت الثَّرَى وتارةً وَسْطَ السَّما يرْتَقِىَ
وتارةً يُبْصَرُ في مغرِبِ وتارةً يُبْصَرُ في مشرِق
وتارةً تُبْصِرُه سابحًا يجّرِى بشاطِى البحْر كالزَّوْرقِ
وتارة تحسَبُه وهْوَ في ضَيْعَتِه والبعضُ منه بقَىِ
ذُبابةً من صارمٍ مُرْهَفٍ بارزةً من جَفْنِه المُطْبَق
يدْنُو إلى عُرْسٍ بَهَا حُسْنِها يخُتْطِفُ الأبْصارَ بالرَّوْنَقِ
حتى إذا جامَعهَا يرْتدِى بحُلةٍ سوْداءَ كالمُحْرَقِ
وهْوَ على عادتِه دائمًا يُجامِعُ الأنْثَى ولا يَلْتقَيِ
ثُم يُجوبُ القَفْرَ من أجْلِها مًشْتملًا في مِطرَفٍ أزْرَقِ
حتى إذا قابَلها ثانيًا تشُكُّه بالرُّمْحِ في المفَرْقِ
وبعد ذا تُلْبِسُه خلِعةً يا حُسْنَها في لَونِها المُونِقِ
فجسْمهُ من ذهبٍ جامدٍ وجلدُه صِيغَ من الزَّنْبَقِ
ثم يُرَى في حال إتْمامِهِ مثلَ مَجِنّ المِحْرَبِ المُلتقى
وهْو إذا أبْصَرْتهَ هكذا أحسنُ مِن صاحِبَةِ المَفْرِقِ
وقد نُسِب هذا لغيره.
[ ٣٦٨ ]