دعانا مرة داعي الصبا، فحرك منا ما حركته من عذبات ألبان أنفاس الصبا، إلى روض أنيق، وواد تزوره السراء من كل فج عميق.
نبهت عيون أزهاره أكف نسيم السحر، ونيطت على قدود قبضه بعد اخضرار عارض نباته تمائم الزهر.
والرِّيحُ تجُذِبُ أطْرافَ الغُصُون كما أفْضَى الشَّقِيقُ إلى تنْبِيه وَسْنانِ
[ ٣١٩ ]
في مجلس سكرت فيه أباريق الصهباء، فرجعت أصواتها ترجيع تمتام وفأفأه.
مع خلان، وخلص إخوان، كل منهم قرة، في عيون المسرة.
فيه طراز حلل الليالي، وروضة تنبت أنوار المعالي.
تتحاسد عليه القلوب والعيون، وتختم به صحف الطرف وختامه مسك يتنافس فيه المتنافسون.
قام لديهم ساق كألف على سين أعطى قافه للإبريق، أو غصن عبثت به الصبا فكاد يعقد من اللين ذيل حواشي لطفه الرقيق.
لولا كثيف كثيب ردفه، القائم عليه هيف عطفه.
لولا سِهامُ جفونِه انْتَظَمتْ عُقِدَتْ على وجَناتِه القُبَلُ
فنادى: حي على الصبوح، هلموا إلى ريحانة الروح، شقيقة نفس الإنسان، صابون درن الحزان، درياق ملسوع الغموم، مطية لهو ترتحل بها من منازل الهموم، باز له دستبان من ذهب، يصطاد به سوانح الفرح والطرب، حيث لا يسمع صراخ لغير الأوتار، ولا بكاء إلا للقناني ولا رقباء سوى عيون الأزهار.
[ ٣٢٠ ]
فلم يزل يحكم فيها الكاسات، ولا يسمعون من عذب ألفاظه غير خذ وهات، في يوم شابت ذوائبه، من قبل ماطر بالعشية شاربه.
فلما دنا المسير، وغاب بدر الكأس المنير، نام بعضهم ثملا سكران، وذهب حافيا رجلان، فنسي نعله، وأودع عند الخمار عقله، فكأنما فر هاربا لما طرح أحمال أحزانه ورماها، وألقى صحيفة فكره والزاد حتى نعله ألقاها.
فكتبت غليه أعزيه فيها، وأخفف عنه مصائب الدهر وأرثيها، بقولي على لسانه مداعبا، ومفاكها له مطايبا.
لقد خانَنا دهرٌ وكنَّا به نعْلو يوَدُّ هِلالُ الأفْقِ لو أنه نَعْلُ
وقد كان لي نعلٌ فشتَّتَ شملِها وما الدَّهرُ أهلٌ أن يدومَ له شَمْلُ
وكانتْ تَقي بالنَفْسِ رِجْلي فأصبحتْ تُفارِقُها من بعد ما آذنَ الثُّكْلُ
وقد كنتُ ذا بِشْرٍ فأصبحتُ حافيًا وكم حزنتْ من بعدها الكَعْبُ والرِّجلُ
فكم صحَبتْني في سرورٍ وشِدَّةٍ ولم تتخلَّف عن مُرادِي ولم تَعْلُ
ونَقَّلَتِ الأقْدامَ للرَّاحِ سُحْرةً فعُدْتُ ولا عقلٌ لديَّ ولا نَقْلُ
كذلك عاداتُ الشّراب وفعلُه فما اختارَه مُضنّى بهِ وله عَقْلُ
وأنْشَدتُ خِلِّي حين ضاعتْ ولم يكنْ ليَنفعْنِي في ذلك الحادِثِ الخِلُّ
وإنَّ أخِلاَّءَ الزَّمانِ غَناهُمُ قليلٌ إذا الإنسانُ زَلَّتْ به النَّعْل
فأنشَدني بيْتًا يثبِّتُ مُهجَتي لكَيْما فؤادي عن محبتها يسْلُو
[ ٣٢١ ]
تزَوَّدْ من الدنيا متاعًا لغيْرها فقد شمَّرَتْ جَيْدَاءُ وأنْصَرَمَ الحبْلُ
فلَهْفي عليها حين أمْسَت شهيدةً وقد جادها بالدَّمعِ قَطْرٌ له هَطْلُ
وأضْحَتَ على وجهِ الثَّرى دون دافنٍ ولكن بكفِّ السُّحْبِ أمسى لها غُسْلُ
فلما سمعها الفشتالي استظرفها جدا، وكتب له:
رأيتُ أديبًا واضعًا كفَّ حائرٍ على ذَقَنٍ إذ للهمُوم به شُغْلُ
فقلتُ له هل بَتن إلفٌ لَوَت به نَوىً قَذَفٌ أم لا يُرجَّى له وَصْلُ
فقال علِمْتُم أن جارِيتي يدِي وراحِلتي في كلِّ نائبةٍ نَعْلُ
خرجت مع البازِي لِحَانِ مُدامةٍ رجاءَ سرورٍ والطَّريقُ بها وَحْلُ
فأُبْتُ وبي من حادثِ الدَّهرِ لَسْعَةٌ بخُفَّيْ حُنَينِ لا ثراءٌ ولا عَقْلُ
نأَتْ عن أديمِ الأخمَصَيْنِ وِقايةً وما بي شُعورٌ إذ تخطَّفَها الوَبْلُ
كذا فلْيَجِلَّ الخطبُ في وَثَباتِهِ بكلِّ كريمٍ لا يفارِقُه فَضْلُ
وفي كلِّ قلبٍ للخُطوبِ مآثِمٌ يحِقُّ لأرْبابِ القريضِ بها شُغْلُ
فقلتُ له إن العِيافَة تَقْتضِي بتصْحِيفِ نَعْلٍ أن قدرَكم يَعْلُو
تعوَّدَ دهرٌ جُودَكمْ وأتى له فألْقَتْ إليه عند ذَا نَعْلَها الرِّجْلُ
وكتب إليه الأديب زين الدين الإشعافي الحلبي:
تَعزَّ أخي إن كنتَ ممَّن له عقلُ ولا تُبْدِ أحزانًا إذا ذهبَتْ نَعْلُ
[ ٣٢٢ ]
ولا تعْتِبِ الدَّهرَ الخَؤُونَ فدَأْبُه لعَقْدِ اجتماعِ الشَّملِ دون المَدى حَلُّ
لَحَى اللهُ دهرًا لا يزال مُولعًا بتكْديرِ صَفْوِ العيشِ ممَّن له فَضْلُ
يُفرَّقُ حتى شَمْلَ رِجْلِي ونَعْلِها أشدَّ فِراقٍ لا يُرَى بعدَهُ شَمْلُ
فما شئْتَ فاصْنَعْ ما اللبيبُ بجازِعٍ ولا تاركٍ صَفْوًا إذا زَلَّتِ النَّعْلُ
بحقِّكَ قُم نَسْعَى إلى الرّضحِ سُحْرَةً نُجدِّدُ أفراحًا لكلِّ صَدًا تجْلُو
إلى دارِ لذَّاتٍ وروضِ مَسرّضةٍ برَحْبِ فِناها من غُصونِ المُنَى ظِلُّ
ولابن قلاقس، وقد سرقت نعله:
قُلْ لنجْم الدين يا مَن نهْتَدي من مُحَّياهُ بأسْنَى قَبَسِ
ما الذي أوْجَب عَوْدِي راجلًا بعد أن وَفيْتُكمْ ذَا فَرَس
خلَعوا نعْلِيَ لمَّا علِمُوا أنَّني من رَبْعِكم في قُدُسِ
)