قول:) شَعَر المرء نسخة العمر (إلخ، معنًى بديع، ونحوه قولي:
لعَمْرِيَ إن الدهرَ خَطَّ بمَفْرِقي رسائلَ تدعُو كلَّ حيٍّ إلى البِلَى
أرى نُسخة للعُمر سوَّدها الصِّبا وما بُيِّضتْ بالشَّيْب إلاَّ لتُنْقَلاَ
ونحوه قول الأرَّجَانيّ:
وقد علَتْ غبْرةُ الشَّيبِ الشَّبِيبةَ لي فبِتُّ للأجَل الكتوبِ مُكْتَلِياَ
كتابُ عُمْرِي الليالي تّرَّبَتْهُ وما أدْنَى المُتَّربَ أن تلْقاهُ مُنْطَوِباَ
وللأَمير العاصِمِيّ، وهو شاعر معاصر للصَّاحب، وإن لم يذكره في) اليتيمة (:
تعجَّبَتْ حين ذَاع شَعْرِي من بَعْدِ نَضْوي الخِضابَ حالِي
[ ٨٤ ]
قالتْ أهذا الذي أراهُ غُبارُ طاحونةٍ بَدَا ليِ
فقْلتُ لا تعجبي فهذا غُبارُ طاحونةِ اللَّيَاليِ
قلت: لولا مشاكلَةُ الطاحونة السابقة، ودورهُ معها لقبُحَت هذه الاستعارة جدًّا.
وللغَزِّيّ:
مسَحَتْ عارِضِي وما ذاك إلا أنها ظنَّتِ المَشِيبَ غُبارَا
وقال العِماد: تشبيهُ الشَّيْب بالغُبار حسن، وكنت أظن أنّي ابتكرتُه في قولي:
ليلُ الشبابِ تَولَّى والشَّيْبُ صُبْحٌ تألَّقْ
ما الشَّيْبُ إلا غُبارٌ من رَكْضِ عُمْري تعلَّقْ
قال: وشبَّهْتُهُ أيضًا بالتَّتْرِيب، في قولي:
أصدودًا ولم يصُدَّ التَّصابي ونِفارًا ولم يَرُعك المَشِيبُ
وكتابُ الشَّبابِ لم يَطْوه الشَّ وقُ ولا مسَّ نَقْشَه تَتْرِيبُ
ولمحمد القَيْسَرَانِيّ:
لا تُنكري وَضَحًا لَبِسْتُ قَتِيرَهُ رَكْضُ الزَّمانِ أثار هذا الْعِثْيَرَا
وقوله:) كنت أظن أني ابتكرته (عجِبْب منه، مع قول ابن المُعتَزّ:
صدَّتْ شَرِيرُ وأزْمَعَتْ هَجْرِني وصغَتْ ضمائرُها إلى الغَدْرِ
قالَت كَبِرْتَ وشِبْتَ قُلت لها هذا غُبارُ وقائعِ الدَّهْرِ
[ ٨٥ ]
وهو مسطور في) ديوانه (وقد تابَعَه عليه كثيرٌ من الشعراء وتطفَّل عليهم العماد، لكنه طُفَيْليٌّ، وقد حذا حَذْوَه في قوله:
إذا كتبَ الشَّبابُ سُطورَ مِسْكٍ وأترَبهُنّ كافورُ المَشِيِبِ
فيا أسَفي وما أسفي وحُزْني سِوَى طَيِّ الصَّحيفةِ عن قريبِ
على ذكر التَّتْريب، فما أحسن قول الطُّغْرائِيّ في وصف كَتِيبة من قصيدة له:
عليها سُطورُ الضَّرْب تُعْجِمُها القنا صحائفُ يغْشاها من النَّقْعِ تَتْرِيبُ
تُرْدِى الكتائبَ كُتْبُه فإذا غَدَتْ لم تَدْرِ أنْفَذ أسْطُرً أم عَسْكَرَا
لم يُحسِن الإتْرابَ فوق سُطورِها إلا لأن الجيْش يَعْقِد عِثْيرًا
ومن إنشاء ابن الأثِير: صَدَر هذا الكتاب والفتْحُ غضٌّ طَرِيّ لم تَنصُلَ حُمرةُ يومِه، ولا أُغمِدتْ سيوف قومِه، فسطورُه تُتْرَب بمُثارِ عَجاجِه، مُمثَّلة بخطِّ ضَربِه، وإعجام زُجاجِه.
وقلتُ مع زيادة حسن التعليل:
[ ٨٦ ]
جيشٌ كأنَّ الأرضَ من تحتهِ صُحْفٌ غَدَت أقلامَهنَّ الرَّماحُ
مذُ سطرَّ الجُنْدُ على وَجْهِها ترَّبَها النَّقْعُ فلاح الفلاحُ
وأصل هذا ما رواه جابر، عنه ﷺ، أنه قال:) إذا كَتَبَ أحَدُكُمْ كِتابًا فَلْيُتْرِبْهُ، فإنَّه أنْجَحُ للْحَاجَةِ (.
رواه أبو داود.
وقد تكلَّم الناسُ فيه، وقيل إنه موضوع.
وفي) النهاية (معناه، لِيَجْعل عليه التراب.
وقال الطِّيبيّ ليُسْقِطْه على التراب، حتى يصير أقرب إلى المقصد، اعتمادا على الله في إيصاله إليه.
وقيل: معناه التَّواضع في خِطابه، والمراد بالتَّتْريب المبالغة في التواضع. انتهى ومما أنشَدنيه:
يا رَبْعُ سَقاكَ كلُّ مُزْنٍ غَادِ قد كُنْت محلَّ أُنْسِنا المُعتادِ
هل يلحُظُني الزَّمانُ بالإسْعادِ يومًا فنَعُود فيك لِي أعْيادِي
[ ٨٧ ]