في معناه للقاضي الفاضل: الحمد لله أطْلَعه بثَنِيَّات الكمال، وبلَّغَه غاياتِ الجمال، ويَسَّره لدرجاتِ الجلال، ونقلَه تَنَقُّلَ الهلال، وشَذَّ تَشْذِيب الأغصان، وهذَّبَه تهْذيبَ الشُّجْعان، وأجرى فيه سُنَّةَ سَنَّ لها الحديدَ فنقَصَه المزِّيادة، واسْتَخْلَصه للسِّيادة، ودَرَّبَه للاصْطِبار، وأدَّبَه للانْتِصار، وألْقَى عنه فَضْلَهً في اطِّراحِها الفضيلَة، وقطَع عنه عَلَقةً حَقُّ مِثْلِها ألا تكون بمثلهِ مَوْصولَة، فلم يزَل التَّقْليم مُنَوَّها بالأغصان، ومُنَبَّها للثَّمر الوَسْنان، ومُبشِّرا بالنَّماء، ومُيسِّرا للنّشو والانْتِشاء.
ولابن فَضْل الله، في خِتان الملك الناصر:
لم يُرَوِّع له الخِتانُ جَنانًا مُذ أصابَ الحديدُ منه حَدِيدَا
مثلُ ما تُنقَص المصابيحُ بالقَطّ فتزْدادُ في الضِّياء وقُودَا
وأصله قول الغَزِّيّ:
تمالَك وُدّي حين قَلّمْتُ رأسَه قياسًا على الأقْلامِ والشَّمْعِ والظُّفْرِ
[ ٨٩ ]
ولابن مَطْرُوح:
لقد سَرَتِ البشائرُ والتَّهانِي إلى الثَّقَليْن من إنْسٍ وجاَنِ
ويَصغُر كلُّ مْبْتَهِجٍ إذا ما نسَبْناهُ إلى هذا الخِتانِ
تَوَدُّ الزُّهَرةُ الزَّهراءُ فيهِ لو اتُّخذت له إحدى القيانِ
وأن البَدْرَ طَارٌ في يدَيْها وأن مُراسِلَيْها الفَرْقَدانِ
وتسْملِى من الأفْلاكِ لحنًا فما قدرُ المثالِث والمثاَنِي
وتسْقى بالثُّريَّا فيه كأسًا ولا أرْضَى لها بِنْت الدِّنانِ
ولكن من رَحِيقٍ سلْسَبيلٍ بأيْدِي عْبقرِيَّاتِ حِسانِ
ويصغر خادمًا بَهْرامُ فيه على ما فيه من بأْسِ الجَنَانِ
فلوْلا أنه فرْضٌ علينا لما مُدَّت لخاتِنِه يَدانِ
وقَطُّ الشَّمعِ يُكسِبُه ضِياءً وقَطُّ الظُّفْرِ زَيْنٌ للبَنانِ
وللصَّنَوْبَريّ أيضًا:
أرى طُهْرًا سُيْثْمِر بعد غَرْسِ كما قد تُثْمِر الطَّرَبَ المُدَامةْ
وما قلَمٌ بمُغْنٍ عنك إلا إذا ما أُلْقيتْ عَنْه القُلاَمَهْ
قلت:) الطُّهر (بالضم، والطَّهور بالفتح، والتَّطْهير كِنايات عن الخِتان، استعلمها المُحْدَثون، كقولهم للأعور،) ممتع (كما ذكره الثَّعالبِيّ في كتاب) الكناية (، وفي كتابه المُسَمَّى ب) مرآة المروآت (، وغيره.
[ ٩٠ ]
ومن شعر صاحب الترجمة:
ما كنتُ أحسبُ أن يكو نَ كذا تفرُّقُنا سريعًا
قد كنتُ أنتْظِر الوِصا لَ فصِرْتُ أنتظرُ الرُّجوعاَ
وله أيضًا:
واللهِ لولا حُصولُ مَعْنًى في خاطري منكَ لا يزولُ
ما كان بالعيْشِ لي انْتِفاعٌ ولا إلى مَطْلَبٍ وُصولُ
وله:
قد كنتُ أبْكي على مَن مات من سَلَفِي وأهلُ وُدِّي جميعًا غيرُ أشْتاَتِ
واليومَ إذ فرَّقتْ بْيني وبينَهمُ نَوًى بكيْتُ على أهلِ المَودَّاتِ
فما حياةُ امْريءٍ أضْحَتْ مَدامِعُهُ مَقْسومةً بين أحْياءٍ وأمْواتِ
وله:
وَيْلي من المُعْرِض لا قَسْوةً لكن لأقْوالِ العِدى والوُشَاةْ
ما لاحَ للعينِ سَنَا وجْهِهِ إلاَّ وفيها من رَقيبٍ قَذَاهْ
وله مُضمِّنا:
صَبٌّ على الشَّنَبِ المعْسُولِ ذاب أسًى وبات مِن حرِّ نارِ الشَّوقِ في شُعُلِ
كالشَّمع يْبكي ولا يدرِي أعَبْرَتُه من صُحْبةِ النَّار أم من فرقَةِ العَسلِ
وكتبْتُ إليه في مرضٍ اعْتراه، فلم أعُدْه لمرضٍ أصابني، فعتَب عليّ، ولم يدْرِ ما عافني عن العيادة: سيِّدي ومولاي يعلم أن القلوبَ، وهي حصون المودَّة لا تُفْتَح عَنْوَة، والدهر لم يُبْقِ للصُّلح موضعًا تتمسَّك منه يدُ الأمل بعُرْوَة:
[ ٩١ ]
ووِدادِي كما عرفْتَ وِدادِي وفُؤادِي كما عهِدْتَ فُؤادِي
وصاحب البيت أدْرَي بالذي فيه، وأن للبَيْت ربَّا يحْمِيه، وقد عرَض من السِّقَم ما عاق عن العِيادة، وأقعدني عن القيام بأمرها وهي عِبادة، وكيف يصحُّ بدنٌ وروحُه سقيمة، فلذا أنشد لسانُ حال المودَّةِ السَّليمة:
رأيتُ الفضْلَ في الدنيا غريبًا ضعيفًا في معالِمها نحيفَا
فلما أن سألتُ الدهرَ عنه أجاب مُلاحِظًا معنًى لطيفَا
وقال لِيَ ابنُ قاسمٍ المُفدَّى وعينُ الفضلِ قد أمْسَى ضعيفَا
فقلتُ له حَمَى الله المعالي بصِحَّتِه وآمَنَه المَخُوفَا
وكتبتُ مع ذلك شعرا، عرضتُه عليه، وهو قولي مُضِّمنا:
يزيدُ اشْتياقِي نحوَ مصرَ وأهلِها كما زاد مَدُّ النِّيلِ حتَّى تفجَّرَا
أذاب النَّوى صبْرِي وأفْنَى مدامعِي فقالوا سَلاَ عن حُبِّنا وتَستَرَا
ولم يَبْقَ لي إلا تَفَكُّرُ نيِلِها ولو شئتُ أن أبْكي بكيتُ تَفَكُّرَا
وقولي أيضًا:
إن وَجْدِي بمصرَ وَجْدٌ قديمٌ وحنِينِي كما ترَون حِنينِي
لم يزَلْ في خيالِيَ النِّيلُ حتَّى زاد عن فِكْرتي ففاضَتْ عيُونِي
وقولي، ناسِجًا على مِنْوال شعر الزَّمَخْشَرِيّ المشهور:
وقائلةٍ ما هذه الأبحرُ التي جرَتْ من مآقيهِ ولم تَكُ غائِضَهْ
فقالوا لها أنهارُ مصرَ التي ثَوَتْ بخاطرِه أمْسَتْ من العينِ فائِضَهْ
ثم عَنَّ ليّ معنًى آخر، حال الكتابة، وهو:
[ ٩٢ ]
لحديثِ نيِلِك مصر أُضْحِى مُصغِيًا حتى يخوضُوا في حديثٍ غَيرِهِ
يا كوثرًا إن سُدِّ عنه مَسْمِعي تَلْقَاهُ فيه قد جرى بخَرِيرِهِ
فأجاب، أبقاه الله:
أتَتْنِي رُقْعَهٌ من ذِي وَلاءِ وَفَي فشَفَي اْمرَأَ دَنِفًا ضعيفَا
أبانَتْ منه مَعذِرةً بسُقْمٍ ألمَّ به وصار له حَليفَا
وشاطَرني السَّقامَ ولم يزلْ بي على طُولِ المدَى بَرَّا رؤُوفَا
وذاك أبرُّ في سَنَن التَّصافِي وأوْقَى من عيادتِه أُلوفَا
تَقِيه السُّوءَ نفسِي فهْوَ مَن لم يزلْ يُكْسَي به الفضلُ الشُّفوفَا
شِهابٌ ثاقِبٌ محَتِ الليالي بطلْعتِه مِن الدهرِ الصُّروفَا
مولاي، فكْري الكليل عليل، والاسْتِقصاء في مُجاراة سيِّدي ما إليه سبيل، وسلامتُكم غايةُ المسئول، والعذرُ عندكم إن شاء الله تعالى مقبول، والسلام.
وقال جوابًا عن كتاب:
ورد الكتابُ مُبشِّرًا بقدُومِ مَن ملأ النفوسَ مَسرَّةً بقدومِهِ
فطرِبْتُ بالأسجاعِ من مَنْطوقِه وثمِلْتُ بالجِرْيال من مَفْهُومِهِ
وسجَدْتُ شكرًا عند مورِدِه على إسْعاد هذا العبدِ من مخدُومِهِ
[ ٩٣ ]
وقال أيضًا:
قال لي العاذلون لِمْ مِلْتَ عمَّن بمُحيَّاهُ يُخْجِلُ الأقْماراَ
قلتُ كان الفؤادُ عُشَّا له إذ كان فَرْخًا وحين رَيَّشَ طاراَ
وقوله، رباعيَّة:
يا جِيرَتنا في حلَبَ الشَّهْباءِ من يوم فِراقكُم سُرورِي نَاءِ
قدْ مِتُّ لبُعدِكم غرامًا وأسًى لَقَدْ غلطًا أُعَدُّ في الأحْياءِ
[ ٩٤ ]