لما مُنِيتُ بغربِةٍ قارِظِيَّة، ودعاني الشوقُ إلى العَوْد إلى القاهرة المُعِزِّيَّة، وعِنان مطايَا العزْم بينت ثانٍ وحَادِي، وطوارقُ الوساوِس بين رائحٍ وغادِي.
بَدا لي بها وجْهُ جوٍّ قاطِب، وسامرتُ بها ليالي عُمْرَ الكواكب، يتعثَّرُ بالعَوَّاء، وتَضْرِبُه بعَصَا الجوْزاء، ونهارٌ صَباه سَمُوم، كأنه قلبُ صَبٍّ مغمُوم، أو نفسُ فقيرٍ مظْلوم، نفَضْت بها الآمالُ بِسَاطَ القَرار، واستَرجَعتْ نُزَّاعَها
[ ٢١٧ ]
الأمْصار، إذ لم تجِدْ حُرَّا ترْتَجِيه، ولا أخَا وَجْدٍ تُطارِحُه هوَى نجْدِ وتجارِبه، كما قلت:
يا وَيْحَ مِصرَ ترحَّلَتْ سُكَّانُها وتعطَّلتْ تلكَ المجالسُ والمدارسْ
ظَعَنُوا ومِن بركاتِها وجَمالِها كُنِسَتْ وهاتِيكَ النخيلُ بها مكانِسْ
فكأن الكرامَ أوراقُ خريفٍ لوَتْه الأعاصِير، وبدّده الشَّتات، ورُسومُها خَطَّ بها البَلاءُ آياتِ الموارِيث وصُحفَ الفرائِض فلا يُذْكَر فيها غيرُ الأمْوات، فإذا رجع أو خرج منها المسافِر، ما وَدَّعه واستَقْبَله غيرُ المقابِر.
عليها لقد حَطُّوا رِحلا بمنْزلٍ وكم هَوْدَجٍ من بْينها مُرتخِي الشَّدِّ
وقد كنتُ أدْأَبُ في التَّرحال، لأحُطَّ برَبْعِها المُخْصِب رِحالَ الآمال، رجاءُ لقاءِ أشْياخي وأخْداني، ومغازلةِ مَن بها من خُرَّدِ أوَانِس الأمانِي، ممَّن سافَنْتُه بوادِيها، وساجَلْتُه بدِلاءِ المجُون في بَوادِيها، وقد تنْزِل من حِصْن طَوْدِها الأوابِد، كما قال كُشاجِم في كتاب) المطارد (: إن الوحوشَ قد تلِجْ العُمْران، وتلْجَأُ للآنِس، إذا كَلَب الشِّتاء، وعبَس بالجَدْب وجهُ الزَّمان، فعُدِمت الأقوات، وأخْفَى الْجَمَد والثَّلْج الماءَ والنَّبات، فشاب منه الوليد، كما قال مُسلِم بن الوليد:
فإن أَغْشَ قومًا بعدَهم أو أَزُورهم فكالوحْشِ يُدْنِيها من الآنسِ الْمَحلُ
[ ٢١٨ ]
يُذكَّرُنِيكَ الخْيرُ والشَرُّ والتُّقَى وقولُ الْخَنَا والحِلْمُ والعلمُ والجهْلُ
فألْقاكَ في مذْمُومِها مُتنزِّهًا وألْقاكَ في محمُودِها ولكَ الفضْلُ
فعاد الرَّائد خائبًا، والبَشِير ناعِيًا ناعِبًا، إذ بدَت مُقْفِرةَ الأرْجاء، مُبَرْقِعةً باليأْسِ وجْهَ الرَّجاء، مِن دارٍ أمواتُها أشْراف، وأحياؤُها أجْلاف، بها ضِعاف عقولٍ يزعمون أنهم ألَّفُوا وصنَّفُوا، كأنَّهم بقيَّةٌ من أهلِ الكتاب الذين بَدَّلوا أو حرَّفوا فعُجْتُ زائرًا مقابرَ أطْلالِها، وقد خُيِّل لي أنها أوَّلُ منزل سُفْرٍ بسُروجِها ورحالِها، ينتظِر بها السَّابقون اللاَّحِقين، فقلتُ: السلامُ عليكم دارَ قومٍ مؤمنين، فرَدُّوا وصاحُوا بهاوَاها، وأنْشدني بَدِيهةً صَداها:
يا راكبًا حُثَّ المَطِيَّ لأرْضِ مصر تَنْتحِيهاَ
جُزْ بالقَرافةِ واقْرأَنْ منِّي السلامَ لساكِنيهاَ
وقلِ السَّلامُ على الكرِا مِ الأكْرمين الفاضِلِيهَا
لم أَلْقَ بعدَهُمُ بها إلا جَهولًا أو سَفِيهاَ
فكأنَّما الدنيَا البخي لةُ بالعطاءِ لمُجْتدِيِهَا
صَرفَتْ دَنانِيرَ الْبَهَا بنُحاسِ نَحْسٍ من بَنِيهَا
سادتْ بها فَرِقُ العبي دِ فأيُّ حُرٍّ يَرْتضِيهَا
فلذا هجَرْتُ مُقامَها وطلبْتُ أرضًا أصْطفِيهَا
فإذا مرَرْتَ فلا تَسلْ عمَّن نأَى مِن قاطِنيهَا
وقِفِ الْمَطِيَّ بِجَلَّقٍ إن الكرامَ الغُرَّ فِيهَا
عُرِفَتْ بعَرْفِ المجدِ ها تِيكَ الرُّبوعُ لِساكِنِيهَا
[ ٢١٩ ]
فرحلتُ إلى الوادِي المقدَّس طُوَى، والعزمُ بأيْدِي المطايَا شَبَّر شُقَةَ البَيْن وطَوَى، حتى نزلْتُ تُربةً عُجنتْ بماءِ الوحْي، على رَغْمِ أنْفِ النَّوَى، ومسَحْتُ بها المُحيَّا، وحَيِيتُ أكْرمَ مَحْيَا، بين الصَّخرةِ والطُّور، والبيتِ المُتلأْلئ فيه سَبَحاتُ النُّور:
قَطعْنَا في مسافتِه عِقابًا وما بعد العِقاب سِوَى النَّعِيمِ
ولما رأيتُه طَشْتَ ذهبٍ مملوءًا بالعقارب، غسلْتُ يدَ الأمل فيه من الرَّغائب، وانثنَيْتُ للشَّام شَامةِ وجْهِ البُلدان، وجَنَّةِ الله في أرْضِه المحفُوفةِ بالحُور والوِلْدان، المفروشةِ بسُنْدُس النَّبات والأشْجار، واللاَّبسةِ حُلَل الرِّياض المُزرَّرةِ بالأنْواء، المُسجَّفةِ بزُرْق الأنْهار، فقالت لي: أهلًا وسهْلًا، ومدَّتْ كرمًا ونُزْلًا، وتلقَّتْنِي بصَدْرٍ رحِيب، فبِتُّ فيها بين تكريمٍ وترْحيب:
مِن فوقِ أكْمامِ الرَّيا ضِ وتحْتِ أذْيالِ النَّسِيمِ
ولقِيتُ بها من فضلائِها الأعْيان، وأُدبائِها النَّقِيَّة الأذْهان والأرْدَان، كلَّ كريمٍ تُحسَد عليه العيون والآذان، هو لعَيْن المجدِ قُرَّة، ولوجْهِ المكارِم غُرَّة، ولقلْبِ الدهرِ فَرْحةٌ ومسَرَّة.
فكان ممَّن اجْتلاهُ ناظرِي، وعكَف عليه في حَرَمِ كَرمِه خاطرِي:
[ ٢٢٠ ]