-١ -
وهكذا يجد سبط ابن الجوزي نفسه عقيب وفاة الأشرف ألا مكان له بدمشق، فيفارقها (^١) إلى القدس (^٢)، نائيًا بنفسه عما قد يقع فيها من الاضطرابات.
فقد كان يخيم على دمشق في تلك الأيام ترقب وحذر مما سيقع، إذ إنَّ علاقة الأشرف بأخيه الكامل قد ساءت قُبيل وفاته، لأمور نقمها عليه (^٣). وعين أخاه الصالح إسماعيل بن العادل وليًا لعهده (^٤). فهل سيقبل الكامل، وهو كبير البيت الأيوبي، بقاء دمشق خارج سلطانه؟
وما كان يُخشى منه سرعان ما وقع، فما إن بلغ الكامل وفاة الأشرف حتى شرع على الفور في إعداد العُدَّة للمسير إلى دمشق للاستيلاء عليها. وشرع الصالح إسماعيل كذلك يستعد لحصارها المرتقب (^٥).
ومع صباح يوم الخميس ٢٣ صفر سنة ٦٣٥ هـ/ ١٥ تشرين الأول ١٢٣٧ م، خرج الكامل بعساكره من القاهرة، بعد أن استناب عليها ابنه العادل (^٦).
_________________
(١) مرآة الزمان (٢٢/ ٤٢٥).
(٢) مرآة الزمان (٢٢/ ٣٩٨).
(٣) ينظر: «مرآة الزمان» (٢٢/ ٣٤١)، ومفرج الكروب (٥/ ١٢٢ - ١٢٣، ١٤٤، ١٤٧).
(٤) مفرج الكروب (٥/ ١٤٧).
(٥) مرآة الزمان (٢٢/ ٣٥٦)، ومفرج الكروب (٥/ ١٥١).
(٦) السلوك (ج ١/ ق ١/ ٢٩٧).
[ ١٥٦ ]
ويبدو أن الشتاء أعاق عساكر الكامل، فلم تصل إلى دمشق إلا بعد نحو شهر من خروجها، وذلك في ٢٣ ربيع الأول سنة ٦٣٥ هـ/ ١٢ تشرين الثاني ١٢٣٧ م، وكانت قد تحصنت (^١)، وسُدَّت أبوابها إلا باب الفرج وباب النَّصْر، ونُصبت عليها المجانيق (^٢)، وجاءتها النجدات (^٣). فأحدقت العساكر المصرية بها، ونزل الكامل عند مسجد القدم، ورد ماء بردى إلى ثورا، فقطع المياه عن دمشق (^٤)، وضايقها حتى غلت الأسعار، وألح على أهلها بالقتال (^٥).
وخاف الصالح إسماعيل أن يستولى على أحيائها خارج السور، فخرج من غد ذلك اليوم بالحراقة والنَّفَّاطين، فأحرق العقيبة، وما فيها من الخانات والأسواق والدور (^٦) والطواحين، وأحرق قصر حَجَّاج والشاغور، وخرب ظاهر دمشق خرابًا لم يُعهد مثله، حتى إن بعض أهلها احترقوا في دورهم (^٧).
ولما اشتد الحصار على دمشق في قوة الشتاء والبرد (^٨)، أذعن الصالح إسماعيل بتسليمها إلى أخيه الكامل على أن يعوض عنها بعلبك والبقاع مضافًا إلى بصرى والسَّواد، فأجابه الكامل إلى ذلك. وكان السفير بينهما خال سبط ابن الجوزي الصاحب محيي الدين يوسف؛ رسول الخليفة المستنصر بالله، وقد قدم من بغداد ليوفق بينهما، ويزيل ما وقع من الخلاف (^٩).
وتسلم الكامل دمشق في يوم الأربعاء ١٠ جمادى الأولى سنة ٦٣٥ هـ/ ٢٩ كانون الأول ١٢٣٧ م (^١٠)، وسار الصالح إسماعيل إلى بعلبك.
_________________
(١) السلوك (ج ١/ ق ١/ ٢٩٧).
(٢) مرآة الزمان (٣٥٦/ ٢٢).
(٣) السلوك (ج ١/ ق ١/ ٢٩٧).
(٤) مرآة الزمان (٣٥٦/ ٢٢).
(٥) السلوك (ج ١ ق ١/ ٢٩٧، ٢٩٨).
(٦) مفرج الكروب (١٥١/ ٥).
(٧) مرآة الزمان (٣٥٦/ ٢٢).
(٨) مفرج الكروب (١٥٢/ ٥).
(٩) مفرج الكروب (١٥٢/ ٥)، والسلوك (ج ١/ ق ١/ ٢٩٨).
(١٠) المذيل على الروضتين (٤١/ ٢)، والسلوك (ج ١/ ق ١/ ٢٩٨).
[ ١٥٧ ]
ودخل الكامل قلعتها في ١٩ جمادى الأولى/ ٧ كانون الثاني (^١).
ولم يمتَّع الكامل بانتصاره إذ بعيد دخوله قلعتها بمدة يسيرة (^٢) أصابه زكام، ثم عَرَتْه حُمَّى (^٣)، أدَّت إلى وفاته في بيت صغير بدار الفِضَّة في القلعة (^٤) ليلة الخميس ٢٢ رجب سنة ٦٣٥ هـ/ ١٠ آذار ١٢٣٨ م، عن نحو اثنتين وستين سنة (^٥)، ولما يمض على وفاة أخيه الأشرف إلا نحو ستة أشهر، وعلى تملكه دمشق إلا نحو شهرين ونصف (^٦)، ولم يعلم أحدٌ بموته، ولا حضره أحدٌ من شِدَّة هيبته، وإنما دخلوا عليه فوجدوه مَيْتًا.
فكتموا وفاته حتى دُفن بالقلعة، ولم يعلنوها إلا يوم الجمعة، فاعترى أهل دمشق لموته المفاجئ دهشة وحيرة، ولكراهيتهم له لم يحزن عليه أحد (^٧).
* * *
_________________
(١) مفرج الكروب (١٥٢/ ٥)، والسلوك (ج ١/ ق ١/ ٢٩٨).
(٢) مفرج الكروب (١٥٣/ ٥).
(٣) السلوك (ج ١/ ق ١/ ٢٩٩).
(٤) مرآة الزمان (٣٤٧/ ٢٢)، والسلوك (ج ١/ ق ١/ ٢٩٩).
(٥) ولد الكامل على الصحيح سنة ٥٧٣ هـ/ ١١٧٧ م، وهو أكبر أولاد العادل بعد أخيه ممدود. ينظر: «مرآة الزمان» (٣٤٦/ ٢٢)، و«النجوم الزاهرة» (٢٢٧/ ٦ - ٢٢٨).
(٦) المذيل على الروضتين (٤٣/ ٢).
(٧) مرآة الزمان (٣٤٧/ ٢٢). ثم نقل من القلعة ليلة الجمعة ٢١ ربيع الأول سنة ٦٣٧ هـ/ ٢١ تشرين الأول ١٢٣٩ م إلى تربة بنيت له، شرقي الخانقاه السميساطية، وتعرف بالتربة الكاملية الجوانية، ولها شباك يطل على رواق جامع دمشق عند زاويته الشرقية الشمالية، قرب مشهد الحسين رضي الله تعالى عنه. وما زال قبره فيها حتى الآن، ولا يفصله عن قبر أخيه الأشرف، خارج الجامع، إلا مسافة يسيرة. ينظر: «مرآة الزمان» (٣٦٧/ ٢٢)، و«مفرج الكروب» (١٧١/ ٥)، و«منادمة الأطلال» (٣٤٨)، و«المذيل على الروضتين» (٤٣/ ٢)، وقد استقصيت فيه مصادر ترجمته.
[ ١٥٨ ]
واجتمع كبار أمراء الكامل ليلة الجمعة في قلعة دمشق (^١)، واتفق رأيهم على تحليف الأجناد لابنه الملك العادل بن الكامل (^٢)، وكان في نحو الثامنة عشرة من عمره (^٣)، وأن يولوا على دمشق نائبًا عنه (^٤). بيد أنهم اختلفوا فيمن يولونه عليها (^٥)، إذ لا يمكن حفظها إلا برجل من بيت بني أيوب (^٦)، وكانوا مترددين بين الناصر داود والجواد يونس بن ممدود بن العادل أبي بكر بن أيوب (^٧). ثم مالوا إلى تولية الجواد يونس (^٨)، خوفًا من استقلال الناصر داود بحكمها إن هو تولاها (^٩). فأرسلوا إليه، وهو في دار سامة، يطلبون منه الخروج من دمشق (^١٠).
واستقر الأمر للجواد يونس في دمشق نائبًا عن العادل بن الكامل. ورجعت أكثر العساكر المصرية إلى القاهرة (^١١).
-٢ -
وما إن اطمأن الجواد يونس إلى تملكه دمشق، حتى أظهر ما كان يضمره من التفرد بها، فأبقى للعادل بن الكامل الخطبة فحسب، وأمر أن يخطب له بعده (^١٢). وانفجر غضب العادل في مصر من استقلال ابن عمه بملك دمشق، وعصيانه بها (^١٣)، وصار يعمل على خلعه (^١٤). وبعث إليه لتلك الغاية عماد الدين بن شيخ الشيوخ، فخرج من القاهرة في ربيع الأول
_________________
(١) مرآة الزمان (٢٢/ ٣٤٨).
(٢) مفرج الكروب (٥/ ١٧٢).
(٣) السلوك (ج ١/ ق ٢/ ٢٦٧).
(٤) مفرج الكروب (٥/ ١٧٢).
(٥) مرآة الزمان (٢٢/ ٣٤٩).
(٦) مفرج الكروب (٥/ ١٧٢).
(٧) مرآة الزمان (٢٢/ ٣٤٨).
(٨) مرآة الزمان (٢٢/ ٣٤٨).
(٩) مفرج الكروب (٥/ ١٧٣).
(١٠) مرآة الزمان (٢٢/ ٣٤٨).
(١١) مفرج الكروب (٥/ ١٧٣ - ١٧٤).
(١٢) مفرج الكروب (٥/ ١٩٢، ١٩٥).
(١٣) مفرج الكروب (٥/ ١٩٨).
(١٤) مرآة الزمان (٢٢/ ٣٦٠)، ومفرج الكروب (٥/ ١٩٨ - ١٩٩).
[ ١٥٩ ]
سنة ٦٣٦ هـ/ تشرين الأول ١٢٣٨ م (^١)، محمولًا على مِحَفَّة لمرض ألم به (^٢). ولما وصل إلى المُصلَّى قرب دمشق سارع الجواد إلى لقائه (^٣).
ثم ما لبث العماد أن تحدث مع الجواد في المسير إلى العادل (^٤)، على أن يعوض عن دمشق الإسكندرية (^٥). فأجابه الجواد بجواب ممغلط، على حدّ تعبير ابن واصل (^٦)، وسوفه وماطله حتى فطن العماد بامتناعه، فأحضر حينئذ الولاة والنُّواب والدواوين بدمشق وأعمالها، وقال: قد عزل السلطان العادل الجواد عن نيابة دمشق، فلا تدفعوا إليه مالا، ولا تقبلوا له قولا (^٧)، وأنا نائب السُّلطان (^٨). فعزّ ذلك على الجواد، فقبض على عماد الدين (^٩)، ورسم عليه أن يقيم بالدار، ومنعه من الركوب (^١٠).
وضاق على الجواد ما هو فيه، وكان سريع الضّيق (^١١)، ضعيف الرأي (^١٢)، واستبد به القلق (^١٣)، مستشعرًا عجزه عن القيام بمملكة الشام (^١٤)، مع تصميم العادل على انتزاعها منه، ولا طاقة له بقتاله، فرأى أن يتخفَّف من عِبْءِ حُكْم دمشق بحكم مدينة لا ينافسه عليها العادل، فسير الشيخ كمال الدين بن طلحة إلى الصالح نجم الدين أيوب بن الكامل، وكانت له بلاد الشرق، يطلب منه أن يعوّضه عن دمشق سنجار والرَّقَّة وعانة، ويسلم دمشق إليه (^١٥)، معللا قراره لمن حوله بقوله: أيش أعمل بالمُلْك؟ باز وكلب أحبُّ إليَّ من هذا (^١٦). وكان الجواد على ما يبدو مولعًا بالصيد.
_________________
(١) مرآة الزمان (٢٢/ ٣٦٠).
(٢) مرآة الزمان (٣٦١/ ٢٢).
(٣) مرآة الزمان (٢٢/ ٣٦٠ - ٣٦١).
(٤) السلوك (ج ١/ ق ٢/ ٢٧٦).
(٥) مرآة الزمان (٣٦١/ ٢٢).
(٦) مفرج الكروب (٥/ ١٩٩).
(٧) السلوك (ج ١/ ق ٢/ ٢٧٦).
(٨) مرآة الزمان (٢٢/ ٣٦٠).
(٩) السلوك (ج ١/ ق ٢/ ٢٧٦).
(١٠) مرآة الزمان (٣٦١/ ٢٢).
(١١) مرآة الزمان (٣٥٨/ ٢٢).
(١٢) مفرج الكروب (٥/ ١٩٢).
(١٣) السلوك (ج ١/ ق ٢/ ٢٧٤).
(١٤) مرآة الزمان (٢٢/ ٣٥٨).
(١٥) مفرج الكروب (٥/ ٢٠٠).
(١٦) مرآة الزمان (٢٢/ ٣٥٨).
[ ١٦٠ ]
فسَّر الصَّالح أيوب بذلك (^١)، وأجابه إلى ما طلب، وحلف له، وراح يتجهز إلى دمشق (^٢).
ثم رأى الجواد أن يبادر إلى قتل العماد كيلا يُفسد عليه اتفاقه مع الصَّالح أيوب (^٣). فبعث إليه بعد أيام يقول له: إن شئت أن تركب وتتنزه، فاركب إلى ظاهر البلد. فاعتقد العماد أنَّ ذلك بوادر رضا، فأمر بتجهيز حصان له، وما إن خرج من باب دار المسرة في القلعة (^٤) حتى قابله رجل دسه الجواد إليه (^٥)، وبيده قصة، فاستغاث، فأراد حاجبه أن يأخذها منه، فقال: لي مع الصاحب شغل. فقال عماد الدين: دعوه. فتقدم إليه، وناوله القصة، وضربه بسكين على خاصرته بدَّد مصارينه، وجاء آخر، فضربه بسكين على ظهره، فكانت القاضية، فردُّوه إلى الدَّار مَيْتًا (^٦). وكان ذلك يوم الثلاثاء ٢٦ جمادى الأولى سنة ٦٣٦ هـ/ ٤ كانون الثاني ١٢٣٩ م (^٧). وأظهر الجواد التألم لمقتله (^٨).
_________________
(١) السلوك (ج ١/ ق ٢/ ٢٧٤).
(٢) مفرج الكروب (٥/ ٢٠٠).
(٣) مفرج الكروب (٥/ ٢٠٠ - ٢٠١).
(٤) مرآة الزمان (٢٢/ ٣٦٠).
(٥) مفرج الكروب (٥/ ٢٠٠ - ٢٠١).
(٦) مرآة الزمان (٢٢/ ٣٦١ - ٣٦٢)، وينظر: «المذيل على الروضتين» (٢/ ٤٧).
(٧) وكان له يوم مات نحو ست وخمسين سنة، فقد ولد سنة ٥٨١ هـ/ ١١٨٥ م. ينظر: «المذيل على الروضتين» (٢/ ٤٧)، و«السلوك» (ج ١/ ق ٢/ ٢٧٧)، واستقصيتُ مصادر ترجمته في تحقيقي لكتاب «المذيل». ووهم سبط ابن الجوزي في «مرآة الزمان» (٢٢/ ٣٦١) في شهر مقتله، فذكر أنه في ربيع الأول.
(٨) مفرج الكروب (٥/ ٢٠١).
[ ١٦١ ]