- ١ -
وكان لا بدَّ للحرب أن تقع بين الصالح إسماعيل والصالح أيوب، فاستعد كل منهما لها على طريقته. فداوم الصَّالح أيوب على مكاتبة الخوارزمية، يحثهم على القدوم إليه لنصرته على عمه (^١). والصالح إسماعيل وحلفاؤه سَعَوْا إِلى الصَّليبيين لمعاضدتهم، وقد علموا أن الخوارزمية سيطرقون بلادهم عما قريب ليجتمعوا مع عسكر مصر، ولا طاقة لهم بحربهم جميعًا (^٢).
ولم يكن الصليبيون في ذلك الوقت في أحسن حالاتهم (^٣)، ومع ذلك استطاعوا انتزاع موافقة الصالح إسماعيل وحلفائه (^٤) على تسليم بيت المقدس إليهم مع الحرم وما فيه من المزارات، وتسليمهم كذلك طبرية وعسقلان وكوكب، وأن يأذنوا لهم في عمارتها. وضمنوا لهم على ما اشتهر - أنهم إذا ملكوا الديار المصرية سيكون لهم بها نصيب.
ودخل الصليبيون بيت المقدس للمرة الثالثة، وتسلَّمُوا الصخرة المقدسة والأقصى، وما في الحرم الشريف من المزارات (^٥)، وعكفوا على
_________________
(١) مفرج الكروب (٥/ ٣٣٦).
(٢) مفرج الكروب (٥/ ٣٣٢).
(٣) ينظر: «تاريخ الحروب الصليبية» (٣/ ٣٨٤ - ٣٨٦، ٣٨٨).
(٤) تاريخ الحروب الصليبية (٣/ ٣٨٩).
(٥) مفرج الكروب (٥/ ٣٣٢).
[ ١٩٢ ]
إعادة تحصينها. وأرسلوا إلى أوربة رسالة مثيرة يقصُّون فيها ما حققوه من مكاسب كبيرة (^١). وعمروا قلعتي طبرية وعسقلان، وحصنوهما، وعزموا على عمارة كوكب (^٢).
واتفق في تلك الأيام الأخيرة من سنة ٦٤١ هـ/ ١٢٤٤ م أن دخل المؤرخ ابن واصل إلى بيت المقدس، وهو في طريقه إلى مصر، فساءه وأحزنه - كما ساء المسلمين جميعهم وأحزنهم - ما رآه من هتك الصليبيين الحرمة المسجد الأقصى والصخرة المقدَّسة، فكتب من بعد بألم، معبرا عن استيائه الحزين: «رأيتُ الرُّهبان والقسوس على الصَّخرة المقدسة، وعليها قناني الخمر برسم القُرْبان، ودخلتُ الجامع الأقصى، وفيه جرس معلق، وأبطل بالحرم الشريف الأذان والإقامة، وأعلن فيه بالكفر» (^٣).
واستعدادًا لهذه الحرب بعث الصالح إسماعيل عسكرًا إلى غزة، فنزلوا بها، وراح يجهز عساكر دمشق ليسيرها مع المنصور إبراهيم؛ صاحب حمص، ليلقى بها مع الصليبيين عساكر مصر (^٤). وبرز الصالح أيوب من القاهرة، ونزل ببركة الجبّ (^٥)، منتظرًا وصول الخوارزمية لمناصرته.
* * *
وكان الخوارزمية قد ساروا من الشرق في المحرم سنة ٦٤٢ هـ/ حزيران ١٢٤٤ م، فقطعوا الفرات، ومقدَّمهم حسام الدين بركة خان، وهم زيادة على عشرة آلاف فارس، وانضم إليهم جماعة من الأمراء القيمرية الأكراد (^٦) مع كثير من أصحابهم وأتباعهم، منهم الأمير ناصر الدين القَيْمُري. فأجفل النَّاس بين أيديهم، وما مروا بموضع إلا نهبوه وعاثوا فيه (^٧).
_________________
(١) تاريخ الحروب الصليبية (٣/ ٣٨٩ - ٣٩٠).
(٢) مفرج الكروب (٥/ ٣٣٢).
(٣) مفرج الكروب (٥/ ٣٣٣).
(٤) مفرج الكروب (٥/ ٣٣٣، ٣٣٦).
(٥) السلوك (ج ١/ ق ٢/ ٣١٥).
(٦) نسبة إلى قيمر: قلعة في الجبال بين الموصل وخلاط. ينظر: «معجم البلدان» (٤/ ٤٢٤).
(٧) مفرج الكروب (٥/ ٣٣٦).
[ ١٩٣ ]
ودب الرعب بعسكر الصالح إسماعيل النازلين بغزة، ففارقوها راجعين إلى دمشق، واعتصم الناصر داود بالكرك (^١).
ولما قارب الخوارزمية دمشق انقسموا إلى قسمين، قسم جاؤوا على بقاع بَعْلَبَك، وقسم على غوطة دمشق، ونهبوا وسَبَوْا وقتلوا (^٢). وتحصَّن الصالح إسماعيل بدمشق (^٣)، وسدَّ أبوابها (^٤). ولحصانتها ومنعتها خلفوها وراءهم، ومَضَوْا في سيرهم إلى الجليل، بعد أن تجاوزوا مدينة طبرية التي استولوا عليها، ثم اتجهوا جنوبًا، فاجتازوا نابلس في طريقهم نحو بيت المقدس (^٥).
* * *
وأدرك الصليبيون فجأة ما يُحيق بهم من خطر، فأسرع البطريرك إلى بيت المقدس، ومعه مقدما الداوية والاسبتارية، وكانت استحكاماته قد فرغ من عمارتها قبيل وقت قصير، فعززوا حاميتها، ولم يجرؤوا على البقاء فيه، فغادروه على الفور.
وهجم الخوارزمية على بيت المقدس في ٣ صفر سنة ٦٤٢ هـ/ ١١ تموز ١٢٤٤ م (^٦)، وبذلوا السيف فيمن كان فيه من النصارى (^٧)، واستطاعوا أن يشقوا طريقا لهم إلى دير الأرمن المعروف بدير القديس يعقوب، فأجهزوا على الرهبان والراهبات فيه. وحاول حاكم المدينة الصليبي أن يقوم بهجوم من القلعة، فلقي مصرعه، وقتل معه مقدم الاسبتارية. وقاومت الحامية ما استطاعت المقاومة، ولما يئست من قدوم نجدة إليها طلبت الأمان، فأمنت.
_________________
(١) مفرج الكروب (٥/ ٣٣٧).
(٢) مرآة الزمان (٢٢/ ٣٧٨).
(٣) السلوك (ج ١/ ق ٢/ ٣١٦).
(٤) مرآة الزمان (٢٢/ ٣٧٨).
(٥) تاريخ الحروب الصليبية (٣/ ٣٩١ - ٣٩٢).
(٦) تاريخ الحروب الصليبية (٣/ ٣٩٢).
(٧) مفرج الكروب (٥/ ٣٣٧).
[ ١٩٤ ]
وفي ١٧ ربيع الأول سنة ٦٤٢ هـ/ ٢٣ آب ١٢٤٤ م غادر بيت المقدس نحو ستة آلاف من المسيحيين من الرجال والنساء والأطفال. وبينما هم يسيرون على الطريق إلى يافا، التفت بعضُهم، فرأى أعلام الصليبيين ترفرف على برج من أبراجها، فاعتقدوا أن نجدةً وصلت إليه، فأصر عدد كبير منهم على العودة، وما إن قربوا منه حتى وقعوا في كمين تحت أسواره، فهلك منهم نحو ألفين، وتعرَّض من بقي منهم لهجمات البدو، وهم في طريقهم إلى البحر، فلم يصل منهم إلى يافا سوى ثلاث مئة رجل (^١).
ولم يبد الخوارزمية أية رأفة مع النصارى - كما هو ديدنهم دائمًا مع خصومهم - فاقتحموا كنيسة القيامة، وأشعلوا النيران فيها، وهدموا مبانيها، ونبشوا قبور ملوك الصليبيين، وأخرجوا عظامهم وأحرقوها، وأفنوا الرجال، وسبَوْا النِّساء والأطفال، ونهبوا الدور والدَّكاكين، وأحرقوا الكنائس، ولم يغادروها إلى غزة حتى تركوها قاعًا صَفْصفًا، وقَفْرًا مُوحشًا (^٢).
-٢ -
ما إن وصل الخوارزمية إلى غزة حتى أرسلوا إلى الصالح أيوب يخبرونه بقدومهم (^٣) لنصرته، ويطلبون منه تسيير العساكر إليهم ليحاربوا عمه
_________________
(١) تاريخ الحروب الصليبية (٣/ ٣٩٢).
(٢) مفرج الكروب (٥/ ٣٣٧)، والسلوك (ج ١/ ق ٢/ ٣١٦)، وتاريخ الحروب الصليبية (٣/ ٣٩٣). وبذلك خرج بيت المقدس من أيدي الصليبيين، ولم يدخل أبوابه جيش مسيحي إلا بعد سبعة قرون هجرية، حين احتله الجنرال الإنكليزي اللنبي في ٢٤ صفر ١٣٣٦ هـ/ ٩/ كانون الأول ١٩١٧ م، وقد كتب إلى لويد جورج، رئيس الوزارة البريطانية وقتئذ: «إن الحرب الصليبية تنتهي اليوم باسترداد الجنود الإنكليز للمدينة المقدسة. فكافأه الوزير عليها برتبة الماريشالية ولقب اللوردية جزاء هذا الظفر العظيم». ولكن هل انتهت حقا! ينظر: «مرآة الشام» (٤١٧ - ٤١٨).
(٣) السلوك (ج ١/ ق ٢/ ٣١٦).
[ ١٩٥ ]
الصالح إسماعيل والمنصور إبراهيم، ويأخذوا بلادهما له. فخلع الصالح أيوب على رُسُلهم (^١)، وسير لمقدَّميهم الخلع والخيل والأموال، وبعث في الرسالة إليهم جمال الدين بن مطروح، وأمرهم بالإقامة بغزة (^٢). واشتغل بإنفاذ العساكر إليهم، وقدم عليهم الأمير ركن الدين بيبرس الصالحي، وهو من أجل مماليكه، وأخصهم به (^٣)، فسار إلى غزة، وانضم إلى الخوارزمية (^٤). ثم تقدم الصالح أيوب إلى الأمير حسام الدين بن أبي علي الهَذَباني أن يمضي بطائفة أخرى من العساكر (^٥)، ليقيم على نابلس (^٦).
وكان الصليبيون - في أثناء نهب الخوارزمية لبيت المقدس قد حشدوا خارج عكا أضخم جيش لهم منذ معركة حطين (^٧)، وكان الصالح إسماعيل قد أتم تجهيز عسكر دمشق، وقدَّم عليهم المنصور إبراهيم؛ صاحب حمص لشهامته وجرأته، وخبرته بمحاربة الخوارزمية في الشرق، وانتصاره عليهم مرتين فرجا الصالح إسماعيل أن يكون على يده هذه المرة أيضًا كسر الخوارزمية ومن معهم من العساكر المصرية (^٨)
واتفق في أثناء ذلك أن مات غما المغيث فتح الدين عمر بن الصالح أيوب في ٢٢ ربيع الآخر سنة ٦٤٢ هـ/ ٢٧ أيلول ١٢٤٤ م (^٩) بقلعة دمشق، وهو معتقل ببرج من أبراجها، فاشتد جزع الصالح أيوب عليه، واشتد حنقه على عمه الصالح إسماعيل، واتهمه بقتله، وجد في حربه (^١٠)
_________________
(١) مفرج الكروب (٥/ ٣٣٧).
(٢) السلوك (ج ١/ ق ٢/ ٣١٦).
(٣) مفرج الكروب (٣٣٧/ ٥)، وتنظر: (ص ١٧٣) من هذا الكتاب.
(٤) السلوك (ج ١/ ق ٢/ ٣١٦).
(٥) مفرج الكروب (٥/ ٣٣٧).
(٦) السلوك (ج ١/ ق ٢/ ٣١٦).
(٧) تاريخ الحروب الصليبية (٣/ ٣٩٣ - ٣٩٤).
(٨) مفرج الكروب (٥/ ٣٣٨).
(٩) مرآة الزمان (٢٢/ ٣٨٦).
(١٠) مفرج الكروب (٥/ ٣٤٦). وحمل إلى تربة جده الكامل محمد بن العادل، فدفن بها. ينظر: «مرآة الزمان» (٢٢/ ٣٨٦)، والحاشية رقم ٧ (ص ١٥٨) من هذا الكتاب.
[ ١٩٦ ]
ورحل المنصور إبراهيم بعسكره وعسكر دمشق إلى عكا، وانضم إلى الصليبيين (^١)، وساروا جميعًا نحو غزّة (^٢) في ٢٩ ربيع الآخر سنة ٦٤٢ هـ/ ٤ تشرين الأول ١٢٤٤ م، سالكين طريق الساحل (^٣)، ترفرف فوق رؤوس عساكر المسلمين أعلامُ الصَّليبيين وصلبانهم، والقساوسة يصلبون عليهم، وبأيديهم كاسات الخمر يسقونهم (^٤). ولم تكُ عواطف عامة المسلمين مع ذلك الجيش، فنبزوهم بالمنافقين (^٥). وقد بعث المنصور إبراهيم للناصر داود ليحضر معهم، فاعتذر عن الحضور، وبعث عسكرًا (^٦) انضم إليهم في الطريق مع الظهير بن سنقر الحلبي (^٧).
وقرب غزة، في سهل رملي إلى الشمال الشرقي منها تقارب الجيشان، وكان رأي المنصور إبراهيم أن يلزموا مكانهم، ويحصنوا معسكرهم إزاء أي هجوم من قبل الخوارزمية؛ لأنَّ الخوارزمية - كما خَبِرَهم في حروبهم - يكرهون مهاجمة كلَّ موضع منيع، ولا يتحملون الانتظار، وليس بوسع المصريين الاستغناء عنهم في الهجوم، ولعلهم إذا طال انتظارهم يدبُّ القلق فيهم، فيؤثرون الانسحاب إلى مصر. ووافقه على رأيه عدد كبير من قادة الصليبيين، بيد أنَّ واحدًا منهم ألح أشد الإلحاح على المبادرة بالهجوم؛ لأن عددهم يفوق عدد الجيش المصري، ورآها فرصة مناسبة للقضاء على تهديد الخوارزمية، ولإذلال الصالح أيوب. وقد غلب رأيه كل الآراء، فتحركوا للهجوم.
والتحم الجيشان في ١٣ جمادى الأولى سنة ٦٤٢ هـ/ ١٧ تشرين الأول ١٢٤٤ م (^٨)، وكان الصَّليبيون في الميمنة، وعسكر الناصر داود في الميسرة،
_________________
(١) مفرج الكروب (٥/ ٣٣٨).
(٢) السلوك (ج ١/ ق ٢/ ٣١٧).
(٣) تاريخ الحروب الصليبية (٣/ ٣٩٣).
(٤) مرآة الزمان (٢٢/ ٣٨١ - ٣٨٢).
(٥) المذيل على الروضتين (٢/ ٦٥).
(٦) مفرج الكروب (٥/ ٣٣٨).
(٧) السلوك (ج ١/ ق ٢/ ٣١٧).
(٨) تاريخ الحروب الصليبية (٣/ ٣٩٤ - ٣٩٥)، وينظر: «المذيل على الروضتين» (٢/ ٦٥).
[ ١٩٧ ]
والمنصور إبراهيم في القلب (^١)، وبينما كانت العساكر المصرية تردُّ هجوم الصليبيين حَمَلَ الخوارزمية على القلب، فصمد المنصور إبراهيم وعساكره من حمص في القتال، وحافظوا على مواقعهم، ولكن عساكر دمشق لم تتحمل الصدمة، فاستدارت وولَّتِ الأدبار، وحذا حذوهم عساكر الناصر داود (^٢)، وأُسر الظهير بن سُنْقُر الحلبي، وجُرح في عينه (^٣). وبينما كان المنصور إبراهيم يشق طريقه للخروج من المعركة، انقض الخوارزمية على الصليبيين (^٤)، وأحاطوا بهم، وما هي إلا ساعة حتى حصدتهم سيوفهم حَصْدًا (^٥)، فتحطّم جيشهم، ولقي قادتهم الكبار مصرعهم (^٦)، وأُسر منهم ثمان مئة أسير (^٧)، ولم يفلت منهم إلا الشاذ النادر (^٨)، إذ لاذوا بالفرار إلى عسقلان، ثم أبحروا إلى يافا (^٩). وأسر من عسكر دمشق وعسكر الناصر داود جماعة مقدَّمون، ونُهبت جميع أثقال الدمشقيين (^١٠). ولم تفق خسائر الصليبيين في هذه المعركة سوى خسائرهم في معركة حِطَّين (^١١).
ومضى المنصور إبراهيم ومن نجا من عسكره وعسكر دمشق في أسوأ حال، ودخل دمشق وهو لا يصدق بالنجاة. وكان المنصور فيما بعد يقول: والله لقد حضرت الحرب ذلك اليوم، وأوقع الله في قلبي أنا لا ننتصر، لانتصارنا بالكُفَّار على المسلمين (^١٢).
* * *
وكان سبط ابن الجوزي وقتئذ مقيمًا بالقُدس (^١٣) منذ عودته من
_________________
(١) مرآة الزمان (٢٢/ ٣٨٢).
(٢) تاريخ الحروب الصليبية (٣/ ٣٩٥).
(٣) مرآة الزمان (٢٢/ ٣٨٢).
(٤) تاريخ الحروب الصليبية (٣/ ٣٩٥).
(٥) مرآة الزمان (٢٢/ ٣٨٢).
(٦) تاريخ الحروب الصليبية (٣/ ٣٩٥).
(٧) مرآة الزمان (٢٢/ ٣٨٢).
(٨) مفرج الكروب (٥/ ٣٣٨ - ٣٣٩).
(٩) تاريخ الحروب الصليبية (٣/ ٣٩٥ - ٣٩٦).
(١٠) مفرج الكروب (٥/ ٣٣٩).
(١١) تاريخ الحروب الصليبية (٣/ ٣٩٧).
(١٢) مفرج الكروب (٥/ ٣٣٩).
(١٣) مرآة الزمان (٢٢/ ٣٨٢).
[ ١٩٨ ]
مصر (^١)، فيسير في اليوم التالي لهذه الوقعة العظيمة بين الخوارزمية والصليبيين (^٢) إلى غزّة ليشهد موقعها، منتشيًا بهزيمة الصليبيين هذه الهزيمة المنكرة، إذ لم يجر مثلها في زمن نور الدين وصلاح الدين، على حدّ تعبيره. وحين وصل إليها وجد الناس يعدُّون القتلى بالقصب، وقالوا: هم زيادة على ثلاثين ألفًا. وبعثت الخوارزمية بالأسارى ورؤوس القتلى إلى مصر، ومعهم الظهير بن سنقر وجماعة من المسلمين (^٣).
ولعل سبط ابن الجوزي عاد مع العائدين إلى القاهرة عقيب هذا الانتصار (^٤)، فعُلّقت رؤوس القتلى على أبوابها، وامتلأت حبوسها من الأسرى. وقد أصبح الطريق إلى دمشق ممهدًا أمام عساكر الصالح أيوب، فراح يجهز الأمير معين الدين بن شيخ الشيوخ لحصارها (^٥).
أما الصليبيون فقد أرسلوا في ٢٥ جمادى الآخرة سنة ٦٤٢ هـ/ ٢٧ تشرين الثاني ١٢٤٤ م - أي: بعد نحو شهر من هزيمتهم الكبيرة بغزة - أُسْقُفَ بيروت إلى أمراء الغرب، للدعوة إلى حملة صليبية جديدة إلى الشَّرق، كيلا تتعرّض مملكتهم بأسرها للفناء. وكان الملك لويس التاسع؛ ملك فرنسة قد أعلن في ذلك الوقت عن رغبته الشديدة في القيام بحملة صليبية، وأشاعت رغبته تلك في الغرب الارتياح والسُّرور. ولذلك لما سمع البابا أنوسنت الرابع ما قاله أسقف بيروت عن حال الصليبيين القاتم في الشرق، أقرَّ عن طيب خاطر ما بذله الملك لويس من وعود للقيام بحملة صليبية، وبدأ على الفور في الدعوة لها (^٦).
_________________
(١) ينظر: (ص ١٨٦) من هذا الكتاب.
(٢) مرآة الزمان (٢٢/ ٣٨١).
(٣) مرآة الزمان (٢٢/ ٣٨٢).
(٤) ينظر: «مرآة الزمان» (٢٢/ ٧٦).
(٥) مرآة الزمان (٢٢/ ٣٨٢).
(٦) تاريخ الحروب الصليبية (٤٤٠ - ٤٤١/ ٣).
[ ١٩٩ ]