- ١ -
وفي الوقت الذي كان فيه الصالح إسماعيل يكتب للصالح أيوب بأنه قادم إليه، كان يُكاتب العادل في مصر، ويُخبره بما هو عازم عليه من أخذ دمشق من الصالح أيوب، وأنه إذا ملك دمشق كان نائبه فيها، ويخطب له، ويضرب السِّكَّة باسمه. وكُتُبه متواترة كذلك إلى المجاهد أسد الدين؛ صاحب حمص في تقرير ما عزم عليه (^١). وأمواله وخلعه تصل إلى دار نجم الدين ابن سلام، لتفرق في دمشق على مقدَّميها. ولا يصدق سبط ابن الجوزي، وهو البعيد في القدس، بمشاركة صديقه نجم الدين بهذا الغدر، فيقول مشككًا: «على ما قالوا» (^٢).
ولما استبطأ الصالح أيوب وصول عمّه الصَّالح إسماعيل، سير إليه الحكيم سعد الدين الدمشقي، لحثه على سرعة القدوم إلى نابلس، وأصحب سعد الدين قفصًا فيه حَمَام ليطالعه بالأخبار يومًا بيوم. وحين وصل سعد الدين إلى بعلبك، أنزله الصالح إسماعيل عنده. وبدهاء ومكر أبدل حمام قلعة بعلبك بحمام سعد الدين، وهو لا يشعر بذلك.
وشرع على الفور في جمع الرجال والاحتشاد والاحتفال لقصد دمشق، ويشاهد سعد الدين ما يقوم به الصالح إسماعيل، فيكتب في البطائق إلى الصالح أيوب بما يشاهده من غدر الصالح إسماعيل وسعيه في قصد
_________________
(١) مفرج الكروب (٥/ ٢٢٠).
(٢) مرآة الزمان (٢٢/ ٣٦٣).
[ ١٦٧ ]
دمشق، ويعلّق البطائق في أجنحة الحمام، فيقع الحمام في برج قلعة بعلبك، وهناك تُغيَّر البطائق، ويكتب بدلًا منها على لسان سعد الدين بأن المولى الصالح إسماعيل مهتم بالمسير إلى المعسكر المنصور بنابلس بنفسه، وما يتأخر قدومه عن السلطان. ويصل الحَمَامُ إلى الصالح أيوب، فيطيب نفسًا بذلك، وينتظر مطمئنا وصول عمه الصالح إسماعيل.
ويتم للصالح إسماعيل بهذا التدبير الماكر ما أراده من جمع الرجال والاحتشاد لقصد دمشق، وانقطاع الأخبار بذلك عن الصالح أيوب.
ثم يبعث إلى ولده المنصور نور الدين محمود يستدعيه من نابلس، موهما الصالح أيوب أنه إنما يطلبه ليجعله نائبًا عنه في بعلبك قبل مسيره إليه. فيتوجه نورُ الدِّين بأصحابه إلى والده، ويسير الصالح أيوب ابنه مغيث الدين عمر إلى دمشق ليحفظها، ويقيم بقلعتها (^١).
ويخرج الصالح إسماعيل من بعلبك بعساكره، متخذا طريق نابلس، ويبيتُ بالمجدل، ويكتب بطاقة إلى الصَّالح أيوب أنه في طريقه إليه. حتى إذا كان وقت السَّحَر ينعطفُ على الفور نحو دمشق (^٢).
ويصل إلى الصالح أيوب خبر مسير عمّه الصالح إسماعيل إلى دمشق (^٣)، فيستبد به غضب مكتوم لخداعه له، فما كان يخطر له على بال أنَّ عمه سينكث بأيمانه، وينقض عهوده ومواثيقه (^٤)، فيكتم الخبر (^٥)، ويتقدم إلى أستاذ داره الأمير حسام الدين بن أبي علي الهذباني أن يسارع إلى دمشق لحفظها قبل أن يصل عمه إليها. فيسير إليها مُسْرعًا، وما إن يصل إلى الكسوة حتى يرد إليه الخبر بمنازلة الصالح إسماعيل دمشق، فيعلم أنه لم يبق له من سبيل إلى دخولها، فيتركها لمصيرها، ويعود أدراجه خائبًا إلى الصالح أيوب (^٦).
_________________
(١) مفرج الكروب (٢٢٢ - ٢٢٠/ ٥).
(٢) مرآة الزمان (٢٢/ ٣٦٤).
(٣) السلوك (ج ١/ ق ٢/ ٢٨٧).
(٤) مرآة الزمان (٢٢/ ٣٦٤).
(٥) السلوك (ج ١/ ق ٢/ ٢٨٧).
(٦) مفرج الكروب (٥/ ٢٣١).
[ ١٦٨ ]
وكان الصالح إسماعيل قد وصل إلى دمشق من جهة عقبة دَمَّر، ووقف منتظرًا وصول المجاهد أسد الدين؛ صاحب حمص الذي كان هو الآخر في طريقه إلى دمشق، وأصبح قريبًا من وادي منين، ويلتقي الاثنان على دمشق (^١). ولم يشعر أهل دمشق إلا وهما على أبوابها بكرة نهار (^٢) يوم الثلاثاء ٢٧ صفر سنة ٦٣٧ هـ/ ٢٨ أيلول ١٢٣٩ م (^٣) في جمع عظيم من الخيالة والرجالة، وليس فيها من يدافع عنها. فيتسلق جماعةٌ من أصحاب الصَّالح إسماعيل خان المقدَّم قرب باب الفراديس، فينزلوا منه، ويكسروا قُفْل الباب، ويساعدهم على ذلك جماعة ممن تآمروا معهما، ويدخل الصالح إسماعيل والمجاهد دمشق، ويطيّب الصالح إسماعيل قلوب أهل دمشق الحيارى المذهولين، قائلا لهم: ادعوا للسُّلطان الملك العادل، فأنا نائبه وغلامه. ثم يمضي مطمئنا إلى داره بدرب الشَّعارين، وينزل المجاهد في داره قرب جامع دمشق (^٤).
وأول من يدخل على الصالح إسماعيل في داره نجم الدين بن سلام، فيهنئه ويرقص بين يديه، ويقول له: إلى بيتك جئت (^٥).
ويمتنع المغيث عمر بن الصَّالح أيوب في قلعة دمشق، مع جماعة قليلة (^٦)، فيزحف إليها الصالح إسماعيل صباح يوم الأربعاء ٢٨ صفر/ ٢٩ أيلول من ناحية باب الفرج، وينقبها (^٧)، وتخرب بذلك دار الحديث الأشرفية، وغيرها من الدور والحوانيت تحت القلعة (^٨)، ويضطر المغيث عمر في آخر النهار (^٩) إلى تسليمها له بالأمان، فيصعد إليها الصالح إسماعيل، ويعتقل المغيث عمر في بُرْج من أبراجها (^١٠)، ويستولي على ما
_________________
(١) مرآة الزمان (٣٦٤/ ٢٢).
(٢) مفرج الكروب (٥/ ٢٢٩).
(٣) المذيل على الروضتين (٢/ ٥٠).
(٤) مفرج الكروب (٥/ ٢٢٩).
(٥) مرآة الزمان (٢٢/ ٣٦٤).
(٦) مفرج الكروب (٥/ ٢٢٩).
(٧) مرآة الزمان (٢٢/ ٣٦٤).
(٨) المذيل على الروضتين (٢/ ٥٠).
(٩) مفرج الكروب (٥/ ٢٣٢).
(١٠) مفرج الكروب (٥/ ٢٣٠).
[ ١٦٩ ]
فيها، ولم يكن بها ذخائر ولا عُدَّة (^١).
ويفوّض الصالح إسماعيل أمور مملكة دمشق إلى وزيره أمين الدولة أبي الحسن بن غَزَال السامري، وكان يهوديا، وأسلم في صباه (^٢).
وفي دمشق كان يقيم وقتئذ الواعظ العماد الواسطي، المتهم بشرب الخمر (^٣)، وكان من المشبّهة، فقد ذَكَرَ مرة على المنبر أن الله خلق آدم بيديه، وأومأ إلى يدي نفسه. وكان يعظ في الأعزية، فيستثقل ولا يُلتفت إليه، فيتعصب له الوزير أمين الدولة السامري، ويقيمه في الوعظ مقام سبط ابن الجوزي، ويعينه على ذلك نجم الدين ابن سلام. ويأسي سبط ابن الجوزي لما آل إليه الحال في دمشق، ولا يخفي شماتته بكراهية أهلها لهذا الواعظ الدخيل، فيقول: «وظهر في تلك الأيام من النفاق ما كان يبدو من المنافقين زمن النبي ﷺ، وردَّ الله كيدهم في نحورهم، وانعكست عليهم الأمور، وكان الدماشقة إذا جلس في الجامع يصيحون من جوانب الجامع: لا عاش المشبهون!» (^٤).
- ٢ -
وكان الصالح أيوب، بعيد مسير الأمير حسام الدين بن أبي علي، قد رحل من نابلس بمن معه من العساكر، فلما وصل إلى بيسان من الغور بلغه خبر دخول عمّه الصَّالح إسماعيل دمشق، ثم ما لبث أن رجع إليه الأمير حسام الدين عائدًا من الكسوة، فأمر بتحليف الجُنْد، وهو يظن أن قلعة دمشق ستبقى عَصِيَّة عليه، فإذا سارع إلى دمشق استطاع دفع المجاهد والصالح إسماعيل عنها.
_________________
(١) مرآة الزمان (٣٦٤/ ٢٢).
(٢) مرآة الزمان (٤١٩/ ٢٢)، ومفرج الكروب (٢٣٦/ ٥ - ٢٣٧، ١٦٤/ ٦ - ١٦٥)، وعيون الأنباء (٧٢٣).
(٣) وفيات الأعيان (٣٣٤/ ٥، ٣٣٥).
(٤) مرآة الزمان (٤٢٥/ ٢٢).
[ ١٧٠ ]
فرحل على الفور بالعسكر، وقطع نهر الأردن، ونزل على القصر المعروف بقصر معين الدين. وهناك تواترت الأخبار بتسلم الصالح إسماعيل قلعة دمشق (^١)، فأُسْقِطَ في يده، وشاع في عسكره أخذ دمشق، وبدأت تتوارد إليهم مكاتباتُ الصَّالح إسماعيل تستميلهم إليه، ففسدت نياتهم (^٢)، وتناجَوْا فيما بينهم بتعذر مقامهم معه، وقد تلاشى أمره، والبلاد قد صارت لغيره (^٣)، ولن تقوم بعدها له قائمة (^٤). ثم إنهم خافوا على أهليهم وأولادهم وقد تركوهم بدمشق (^٥)، فبعثوا إليه يقولون له: لا يمكننا المُقام معك ها هنا، فإنَّ أهلنا وأولادنا بدمشق، فأذن لنا في الرحيل إليها. وكان معه من أهل بيته عماه مجير الدين يعقوب وتقي الدين عباس، فأذن لهم. فضربوا كوساتهم ورحلوا، وهو يشيعهم بنظرات حزينة.
بل إن أقرب خُدامه إليه نهب شيئًا كثيرًا من قماشه وخزائنه، واستصحب جماعة من مماليكه الأصاغر وغلمانه، وهرب مع العسكر بهم. وحتى القاضي بدر الدين يوسف بن الحسن؛ قاضي سنجار، وهو من أجل أصحابه، جاءه يستأذنه في المضي إلى دمشق، فأذن له.
وهكذا رحل عسكر الصَّالح أيوب كلُّهم، ومن كان معه من الكتاب والمتصرفين والغلمان إلى دمشق، ولم يبق معه من أمرائه سوى خمسة أو ستة، منهم الأمير حسام الدين بن أبي علي الهَذَباني. ومن مماليكه نحو سبعين مملوكًا، وبقي معه كاتب إنشائه الشاعر بهاء الدين زهير (^٦)، وجاريته شجر الدر أم خليل (^٧).
وأقام الصالح أيوب بمنزلته تلك بقية يومه بعد أن فارقه أصحابه
_________________
(١) مفرج الكروب (٥/ ٢٣٢).
(٢) السلوك (ج ١/ ق ٢/ ٢٨٨).
(٣) مفرج الكروب (٥/ ٢٣٢).
(٤) السلوك (ج ١/ ق ٢/ ٢٨٨).
(٥) مرآة الزمان (٢٢/ ٣٦٤).
(٦) مفرج الكروب (٥/ ٢٣٣ - ٢٣٤).
(٧) مرآة الزمان (٢٢/ ٣٦٤)، ومفرج الكروب (٥/ ٢٤٠).
[ ١٧١ ]
وعساكره (^١). وقد اختلفت آراء من حوله، فمنهم من أشار عليه بالمضي إلى الشقيف والتحصن به. فلم يره الصالح أيوب برأي، خوفًا من أن يقصده فيه عمه الصالح إسماعيل ويحاصره، ويقبض عليه. ومنهم من أشار عليه بأن يمضي إلى الشرق - مستغلا انشغال عمه عنه بملك دمشق - فإن له به حصن كيفا، وهو حصن منيع، وقلعة الهيثم وغيرها من معاقل آمد. وكذلك لم ير الصالح أيوب هذا برأي، فقد خاف أن يتبع ويؤخذ والشقة بعيدة، وقال: ما أرى إلا التوجه إلى نابلس، والتجئ إلى ابن عمي الناصر داود.
فلما جنه الليل أمر أن لا تُشعل الفوانيس ولا المشاعل (^٢)، ورحل، وقد فتّ في عضده مفارقة العسكر له، وأيقن بزوال ملكه (^٣). حتى إذا أشرقت الشمس، ورأى مماليكه ما هم فيه من القلة والحالة التي دفعوا إليها انخرطوا في البكاء والنحيب (^٤). وفي الطريق طمع فيه أهل الغور (^٥) وطائفة من العُرْبان يريدون أخذه (^٦)، فقاتلهم الصَّالح أيوب، وانتصر عليهم، ثم تابع طريقه نحو نابلس، ونزل بظاهرها (^٧).
وأما عسكره الذين أرسلهم إلى غزة، فحين بلغهم ما جرى له، وتحققوا منه، آثر أكثرهم الرجوع إلى مصر (^٨).
وأرسل الناصر داود إلى ابن عمه الصَّالح أيوب يطيب قلبه، ويعده النُّصْرة والمساعدة، وزيادة في طمأنته أشار عليه أن يدخل نابلس، وينزل في دار المعظم عيسى التي نزلها من قبل (^٩)، وأَذِنَ له أن يبعث ولاته إلى
_________________
(١) مفرج الكروب (٥/ ٢٣٤).
(٢) مفرج الكروب (٥/ ٢٣٥).
(٣) السلوك (ج ١/ ق ٢/ ٢٨٨).
(٤) مفرج الكروب (٥/ ٢٣٦).
(٥) مرآة الزمان (٢٢/ ٣٦٤).
(٦) السلوك (ج ١/ ق ٢/ ٢٨٨).
(٧) مفرج الكروب (٥/ ٢٣٦).
(٨) مفرج الكروب (٥/ ٢٣٨).
(٩) مفرج الكروب (٥/ ٢٣٩).
[ ١٧٢ ]
غَزَّةَ والسَّاحِل (^١). ثم بعث إليه الأميرين عماد الدين بن مُوسَك والظُّهَيْر بن سُنْقُر الحَلَبِيّ في ثلاث مئة فارس، فالتقاهم الصَّالح أيوب، فقالوا له: طَيِّب قَلْبَك، إلى بيتك جئت. فقال معتذرًا عما بدر منه في حق الناصر: لا ينظر ابن عمي إلى ما فعلتُ، فهذا شأن الملوك، وقد جئت إليه أستجير به. فقالوا: قد أَجَارَك، وما عليك بأس. وأقاموا أيامًا حول داره (^٢)، يتحينون الفرصة للقبض عليه وحده.
وتمكنوا من ذلك أخيرًا مساء الجمعة ١٢ ربيع الأول سنة ٦٣٧ هـ/ ١٢ تشرين الأول ١٢٣٩ م (^٣)، بحيلة احتالوها عليه، فقد ضربوا في تلك الليلة بوق النفير، ونادوا في أرجاء نابلس موهمين أن الفرنج قد أغاروا على بعض النواحي، فركب النَّاسُ ومماليك الصَّالح أيوب لمطاردتهم، وبقي الصَّالح أيوب وحده دون حام يدافع عنه (^٤)، فأحاط بداره العسكر، ودخل عليه الظهير بن سُنْقُر الحلبي، وقال له: تطلع إلى الكرك، فإنَّ ابن عمك له بك اجتماع. وأخذ سيفه (^٥)، ثم أركبه على بغلة بإهانة وذلة (^٦)، وساروا به ليلًا نحو الكرك، ولم يصحبه في رحلته تلك إلا مملوك واحد من مماليكه هو الأمير ركن الدين بَيْبَرَس (^٧)، وجاريته شجر الدُّر (^٨)، وكانت
_________________
(١) مفرج الكروب (٥/ ٢٤٠).
(٢) مرآة الزمان (٢٢/ ٣٦٤ - ٣٦٥). وأثبت رواية سبط ابن الجوزي؛ لأنه كان متابعًا لما يجري في تلك الأيام. وذكر ابن واصل في «مفرج الكروب» (٥/ ٢٤٠): أن الناصر داود قدم إليه بعسكره إلى نابلس، ولم يجتمع به. وتابعه على ذلك المقريزي في «السلوك» (ج ١/ ق ٢/ ٢٨٩).
(٣) السلوك (ج ١/ ق ٢/ ٢٨٩).
(٤) مرآة الزمان (٢٢/ ٣٦٥)، ومفرج الكروب (٥/ ٢٤٠).
(٥) مرآة الزمان (٢٢/ ٣٦٥).
(٦) السلوك (ج ١/ ق ٢/ ٢٨٩).
(٧) وهو غير ركن الدين بَيْبَرَس البُنْدُقْداري الذي أصبح فيما بعد الملك الظاهر، فهذا بيبرس الصالحي، وسيأتي خبر اعتقال الصالح أيوب له سنة ٦٤٤ هـ/ ١٢٤٦ م في قلعة الجبل بالقاهرة، لقالة بلغته عنه، فكان آخر العهد به. ينظر: (ص ٢٠٥) من هذا الكتاب.
(٨) مفرج الكروب (٥/ ٢٤٠).
[ ١٧٣ ]
حاملا (^١)، حتى إذا وصلوا به إلى الكَرَك اعتقله الناصر داود بقلعتها، ووكَّل به مملوكًا له فظًا غليظا يحرسه (^٢)، وأرسل إليه يقول: إنما فعلت هذا احتياطًا عليك، فلا يصل إليك مكروه من أخيك ولا من عمك، ولو لم أُسيرُك إلى الكرك لقصداك وأهلكاك (^٣).
وخيَّر الناصر داود أصحابَ الصَّالح أيوب بين أن يقيموا عنده، وبين أن يسافروا حيث شاؤوا، ووعدهم بإخراجه ذات يوم من الاعتقال، والقيام بنضرته حين يمكنه ذلك. فاختار مماليك الصالح أيوب المقام عنده، وحده الأمير حسام الدين بن أبي علي طلب إذنا بالذهاب إلى دمشق، فأذن له (^٤).
وما إن وصل إلى دمشق حتى اعتقله الصالح إسماعيل في قلعتها مع من اعتقله من أصحاب الصالح أيوب، واستولى على جميع ما كان معه (^٥). وأكثر من حظي منهم بحسن استقباله واحترامه بدر الدين؛ قاضي سنجار، لقدم معرفته به (^٦).
وبلغ العادل ما جرى على أخيه الصالح أيوب من أخذه ذليلا، ونَهْبِ أمواله، وسجنه بالكرك، وظن أنه قد أَمِنَ جانبه (^٧)، فأظهر الفرح والسرور، وأمر بضرب البشائر، وتزيين القاهرة (^٨)، وعمل سماطًا عظيمًا تحت القلعة، فيه الطعام والشواء، وصنع قصورًا من حلوى، وأحواضا مُلئت بالسكر والليمون، ودعا العادل أهل مصر لحضور هذه الوليمة الضخمة، فحضروا إليها على اختلاف طبقاتهم. وبلغتِ الصَّالح أيوب في معتقله أخبار تلك الأفراح بالقاهرة.
_________________
(١) وولدت في الكرك، ولدها خليل بن الصالح أيوب، حمل معها من بعد إلى مصر، وتوفي صغيرًا. ينظر: «مفرج الكروب» (٦/ ٢٠١).
(٢) مرآة الزمان (٣٦٥/ ٢٢).
(٣) مفرج الكروب (٥/ ٢٤١).
(٤) مفرج الكروب (٥/ ٢٤٢).
(٥) مفرج الكروب (٥/ ٢٤٣).
(٦) مفرج الكروب (٥/ ٢٤٩ - ٢٥٠).
(٧) السلوك (ج ١/ ق ٢/ ٢٨٩ - ٢٩٠).
(٨) مفرج الكروب (٥/ ٢٤٤).
[ ١٧٤ ]
ثم إنَّ العادل لم يقنع بسجن أخيه، فبعث إلى الناصر داود يطلب منه أن يبعثه إليه في قفص من حديد، ويبذل له مقابل ذلك أربع مئة ألف دينار، ويعطيه دمشق، وحَلَفَ على ذلك أَيْمانًا عظيمة. وأطلع الناصر داود الصالح أيوب على كتاب أخيه، ثم كتب إلى العادل: أما الذهب فهو عندك كثير، وأما دمشق، فإذا أخذتها ممن هي معه، وسلَّمتها إليَّ، سلَّمْتُ أخاك إليك. فلما ورد هذا الجواب على العادل أمر أن يتجهز العسكر ليخرج إلى الشَّام (^١).
وكان الصليبيون قد أخلوا بشرط من شروط الهدنة مع الكامل، وهو أن يبقى القدس خرابًا، ولا يجدد فيه عمارة أصلا. فبنوا قلعة في غربيه، وجعلوا برج داود من أبراجها، وكان هذا البرج قد سَلِمَ من الهدم حين خرب المعظم عيسى أسوار القدس (^٢).
فنازل الناصر داود هذه القلعة في ١٨ ربيع الثاني ٦٣٧ هـ/ ١٧ تشرين الثاني ١٢٣٩ م، ورمى عليها بالمجانيق، ولم يزل مصابرًا لها (^٣) حتى استولى عليها عنوة بعد واحد وعشرين يومًا، في ٩ جمادى الأولى سنة ٦٣٧ هـ/ ٦ كانون الأول ١٢٣٩ م، وتأخر استيلائه على برج داود إلى ١٥ جمادى الأولى/ ١٢ كانون الأول، فأخذه من الصليبيين بالأمان على أنفسهم دون أموالهم (^٤). فهدم القلعة والبُرْج، واستولى على القدس، وأخرج من كان فيه من الصليبيين (^٥)، فساروا نحو الساحل (^٦). وهكذا عاد القدس مرة أخرى إلى المسلمين بعد أن تنازل عنه للصليبيين الكامل بن العادل (^٧).
_________________
(١) السلوك (ج ١/ ق ٢/ ٢٩٠).
(٢) مفرج الكروب (٥/ ٢٤٦)، وينظر: (ص ١٠٥) من هذا الكتاب.
(٣) مفرج الكروب (٥/ ٢٤٧)، والسلوك (ج ١/ ق ٢/ ٢٩١).
(٤) السلوك (ج ١/ ق ٢/ ٢٩١).
(٥) مفرج الكروب (٥/ ٢٤٧).
(٦) تاريخ الحروب الصليبية (٣/ ٣٧٦).
(٧) تنظر: (ص ١٣٦ - ١٣٨) من هذا الكتاب.
[ ١٧٥ ]