- ١ -
وغضب ملوك بني أيوب، ومن يواليهم من الأمراء الأكراد لمقتل تورانشاه على هذا الوجه الشنيع، وتولي شجر الدر السلطنة (^١).
وكتب الأمراء القيمرية بدمشق - وهم أكراد - إلى الناصر يوسف؛ صاحب حلب، يستدعونه للقدوم عليهم، ليسلموا له دمشق (^٢). ولم يوافقهم على ذلك أمراؤها الأتراك، وقالوا: ما بيننا وبين الملك الناصر يوسف إلا السيف، وإن جاءنا قاتلناه (^٣).
وأصر الأمراء القيمرية على موقفهم (^٤)، فخرج الناصر يوسف من حلب في عساكره مستهل شهر ربيع الآخر سنة ٦٤٨ هـ/ تموز ١٢٥٠ م (^٥)، ومعه الصالح إسماعيل بن العادل (^٦)، لأخذ البلاد، والانتقام ممن أفسد هذا الأمر، وقتل السلطان تورانشاه (^٧). ونزلت عساكره على داريا يوم السبت ٧ ربيع الآخر/ ٩ تموز، ثم زحفوا يوم الأحد ٨ ربيع الآخر/ ١٠ تموز إلى باب الصغير، وكان عليه الأمير ناصر الدين القيمري، ففتح لهم الباب، فدخلوه.
_________________
(١) المذيل على الروضتين (٢/ ٩٦، ٩٧)، والسلوك (ج ١/ ق ٢/ ٣٦٦).
(٢) مفرج الكروب (٦/ ١٣٦، ١٣٧).
(٣) مفرج الكروب (٦/ ١٤٧).
(٤) السلوك (ج ١/ ق ٢/ ٣٦٦).
(٥) السلوك (ج ١/ ق ٢/ ٣٦٧).
(٦) مرآة الزمان (٢٢/ ٤١٣، ٤١٤).
(٧) المذيل على الروضتين (٢/ ٩٧).
[ ٢٤٨ ]
ثم دخل الناصر يوسف (^١) يوم الأربعاء قلعة دمشق (^٢)، وقبض على جماعة من أمراء الصالح أيوب واعتقلهم، واستقرت قدمه في ملك دمشق (^٣). وطيب قلوب الناس، ولم يغير على أحد شيئًا (^٤).
* * *
واضطرب الأمراء الصالحية والمماليك البحرية في القاهرة من الأنباء الواردة من الشأم (^٥). وأجالوا الرأي فيما بينهم، وقالوا: لا يمكن حفظ البلاد والملك بامرأة، ولا بُدَّ أن يقوم بالمُلْك رجل تجتمع الكلمة عليه (^٦).
وكان قد وصل إليهم من بغداد كتاب من الخليفة المستعصم بالله يُنكر عليهم تولية امرأة، ويقول: إن كانتِ الرجال قد عَدِمَتْ عندكم، فأعلمونا حتى نسير إليكم رجلا (^٧). فاتفق رأيهم على أن يُفوَّض الملك إلى عز الدين أيبك التركماني (^٨)، وكان مشهورًا بينهم بدين وكرم وجودة رأي (^٩). فتزوج عز الدين أيبك بشجر الدُّرِّ في ٢٩ ربيع الآخر/ ٣١ تموز، وخلعت نفسها من مملكة مصر، فكانت مُدَّة دولتها ثمانين يومًا (^١٠)، وفُوِّض المُلك إليه، ولُقب الملك المُعِز (^١١).
وأَنفَ بعض المماليك البحرية أن يكون عزُّ الدين أيبك هو السلطان، منهم فارس الدين أقطاي - وهو مقدَّمهم وإليه مرجعهم - وركن الدين بيبرس البندقداري، فاجتمع الأمراء والبحرية، واتفقوا على أنه لا بُدَّ من إقامة شخص في الملك من بني أيوب، يجتمع الكلُّ على طاعته (^١٢)، ويطيعه
_________________
(١) مرآة الزمان (٢٢/ ٤١٣).
(٢) المذيل على الروضتين (٢/ ٩٧).
(٣) مفرج الكروب (٦/ ١٣٧).
(٤) مرآة الزمان (٢٢/ ٤١٣).
(٥) مفرج الكروب (٦/ ١٣٨ - ١٣٩)، والسلوك (ج ١/ ق ٢/ ٣٦٧).
(٦) مفرج الكروب (٦/ ١٤٠).
(٧) السلوك (ج ١/ ق ٢/ ٣٦٨).
(٨) مفرج الكروب (٦/ ١٤٠).
(٩) السلوك (ج ١/ ق ٢/ ٣٦٩).
(١٠) السلوك (ج ١/ ق ٢/ ٣٦٧ - ٣٦٨).
(١١) مفرج الكروب (٦/ ١٤٠).
(١٢) مفرج الكروب (٦/ ١٤١).
[ ٢٤٩ ]
الملوك من أهله (^١). واتفق رأي المماليك البحرية (^٢) على إقامة الأشرف مظفر الدين موسى بن يوسف بن الملك المسعود يوسف بن الكامل بن العادل أبي بكر بن أيوب (^٣)، وهو صبي له من العمر نحو عشر سنين (^٤)، فأقاموه سُلْطَانًا في ٣ جمادى الأولى سنة ٦٤٨ هـ/ ٣ آب ١٢٥٠ م على أن يقوم الملك المعز بتدبير الدولة، وليس للأشرف سوى الاسم. وحضر الأمراء في خدمته يوم الخميس ٥ جمادى الأولى/ ٥ آب (^٥)، بعد تمليك المعز بخمسة أيام (^٦).
* * *
ولخوف المماليك البحرية من قصد الناصر يوسف مصر، رأوا أن يهدموا مدينة دمياط، خشية أن يستغل الصليبيون ما قد يحدث عندئذ من فوضى في البلاد، ويعاودوا هجومهم عليها. فبعثوا يوم الإثنين ١٧ شعبان سنة ٦٤٨ هـ/ ١٤ تشرين الثاني ١٢٥٠ م الصُّنَّاع والفَعَلة والحجارين إليها (^٧)، فأزيلت أسوارها، ومحيت آثارها، ولم يبق منها سوى الجامع، وسكن طائفة من ضعفاء الناس في أخصاص على شاطئ النيل من قبليها (^٨)، بعيدة عن البحر (^٩)، وسموها المنشية، وهي موضع دمياط الآن (^١٠).
- ٢ -
ومذ ملك الناصر يوسف دمشق لم يكف مدبّر دولته شمس الدين لؤلؤ عن تحريضه للتوجه بالعساكر إلى مصر، وتملكها، مسهلا عليه ذلك، قائلا
_________________
(١) السلوك (ج ١/ ق ٢/ ٣٦٩).
(٢) مفرج الكروب (٦/ ١٤٢).
(٣) السلوك (ج ١/ ق ٢/ ٣٦٩).
(٤) مفرج الكروب (٦/ ١٤٢).
(٥) السلوك (ج ١/ ق ٢/ ٣٦٩).
(٦) مفرج الكروب (٦/ ١٤٢).
(٧) مفرج الكروب (٦/ ١٤٥ - ١٤٦).
(٨) السلوك (ج ١/ ق ٢/ ٣٧٢).
(٩) مفرج الكروب (٦/ ١٤٥ - ١٤٦).
(١٠) السلوك (ج ١/ ق ٢/ ٣٧٢).
[ ٢٥٠ ]
له: إنك إذا توجهت إلى مصر انفضّتْ عساكرها إليك كلها، وملكت البلاد بغير قتال (^١). ولم يكن الناصر يوسف يرى هذا الرأي، بل كان يميل إلى مسالمة المماليك البحرية (^٢). وألح شمس الدين لؤلؤ بتهوين الأمر عليه، ظنّا منه أن الأمر سهل، وأن عسكر مصر أكثرهم ينضم إليه، والباقون لا يثبتون في وجهه أصلا (^٣)، بل بلغ به استهزاؤه بعساكر مصر أن قال للناصر يوسف ذات يوم آخذ لك البلاد بمئتين من المخانيث (^٤)!، وما زال به حتى استجاب أخيرًا له (^٥).
وخرج الناصر يوسف من دمشق يوم الأحد ١٥ رمضان سنة ٦٤٨ هـ/ ١١ كانون الأول ١٢٥٠ م (^٦)، ومعه الصالح إسماعيل بن العادل (^٧).
وسار الناصر يوسف يطوي المراحل بالعساكر العظيمة، ومعه مماليكه الناصرية، ومماليك أبيه العزيزية - وهم من التُّرْك - وفي قلوب بعضهم وحشة من مقدم العسكر شمس الدين لؤلؤ، لسوء معاملته لهم (^٨).
ووصلت أخبار تحركه إلى مصر، فانزعج الملك المعز ومن معه من المماليك البحرية، وأجمعوا على محاربته، ودفعه عن البلاد، وقبضوا على جماعة من الأمراء اتهموهم بالميل إليه.
ووصل الناصر يوسف إلى غزة يوم الأربعاء ٢ شوال/ ٢٨ كانون الأول، واستقر بها، ريثما يتجهز لدخول صحراء سيناء. فتقدم الملك المعز إلى العساكر المصرية بالتهيؤ للحرب. فخرج الأمير فارس الدين أقطاي؛ مقدم المماليك البحرية في جمهور العساكر، ونزل بالسانح في الصَّالحية.
ثم رحل المعز يوم الخميس ٣ ذي القعدة سنة ٦٤٨ هـ/ ٢٧ كانون الثاني ١٢٥١ م في بقية العساكر من القاهرة إلى الصالحية، فاجتمعت عساكر
_________________
(١) مفرج الكروب (٦/ ١٤٦).
(٢) مفرج الكروب (٦/ ١٥٥).
(٣) مفرج الكروب (٦/ ١٤٦، ١٥٥).
(٤) مرآة الزمان (٢٢/ ٤١٤).
(٥) مفرج الكروب (٦/ ١٤٦).
(٦) مفرج الكروب (٦/ ١٥٤).
(٧) السلوك (ج ١/ ق ٢/ ٣٧٢).
(٨) مفرج الكروب (٦/ ١٥٥ - ١٥٦).
[ ٢٥١ ]
مصر جميعها بها. وكان النَّاصر يوسف قد وصل يوم السبت ٥ ذي القعدة/ ٢٩ كانون الثاني إلى قَطْيا، وفي يوم الإثنين ٧ ذي القعدة/ ٣١ كانون الثاني وصل بعساكره إلى كُرَاع، وهي قريبة من العباسة (^١)، فرحل المعز من الصَّالحية، ونزل بسموط قُبَالة النَّاصر يوسف (^٢)، وتقارب ما بين العسكرين.
وكان النَّاس يعتقدون أن النصر إنما هو للنَّاصر يوسف على المماليك البحرية، لكثرة عساكره، ولميل بعض عسكر مصر إليه (^٣).
* * *
وفي يوم الخميس ١٠ ذي القعدة سنة ٦٤٨ هـ/ ٣ شباط ١٢٥١ م تداني العسكران (^٤)، فحملت ميمنة عسكر الشَّام هي والميسرة على من بإزائها من عسكر المصريين حملة شديدة، فانكسرت ميسرة المصريين، ووَلَّوْا منهزمين (^٥). وأبعد الشَّاميون خلف المنهزمين حتى وصلوا إلى العباسة (^٦)، وهم يظنون أن الكسرة تمت على المصريين (^٧)، ولم يدروا أن ميمنة أهل الشَّام قد انكسرت، وقَتَلَ عسكر مصر منها خلقًا كثيرًا، وأسروا أكثر مما قتلوا. وبقي النَّاصر يوسف في كُراع ليس عنده خبر بما يجري، وإنما هو واقف (^٨) تحت سناجقه في جمع قليل (^٩)، مع خزائنه وأصحابه (^١٠).
وكان الملك المعز وفارس الدين أقطاي قد انحازا مع نحو سبعين فارسًا إلى جانب، وقد عزموا على الهرب إلى الشَّوْبَك، فلما رأوا النَّاصر يوسف قد بَعُدَتْ عنه عساكره (^١١)، حملوا عليه، فولى منهزمًا يريد الشام في
_________________
(١) مفرج الكروب (٦/ ١٥٦ - ١٥٨)، والسلوك (ج ١/ ق ٢/ ٣٧٢ - ٣٧٤).
(٢) مفرج الكروب (٦/ ١٥٩).
(٣) مفرج الكروب (٦/ ١٥٨)، والسلوك (ج ١/ ق ٢/ ٣٧٤).
(٤) مفرج الكروب (٦/ ١٥٩).
(٥) السلوك (ج ١/ ق ٢/ ٣٧٤).
(٦) مفرج الكروب (٦/ ١٥٩).
(٧) مفرج الكروب (٦/ ١٦١).
(٨) السلوك (ج ١/ ق ٢/ ٣٧٤).
(٩) مفرج الكروب (٦/ ١٥٩).
(١٠) مرآة الزمان (٢٢/ ٤١٤).
(١١) مفرج الكروب (٦/ ١٥٩).
[ ٢٥٢ ]
خاصتُه وغِلمانُه، واستولى المماليك البحرية على سناجقه، وكسروا صناديقه ونهبوا أمواله (^١)، وأُسِرَ بعضُ من كان معه، ونجا بعض. وممن أسر وقتئذ الصالح إسماعيل بن العادل (^٢). ولم يقف الناصر يوسف حتى وصل إلى غزة، فأقام ينتظر أصحابه، فوصل إليه من سلم من عساكره (^٣).
ولما علم المماليك العزيزية بهرب الناصر يوسف انضم أكثرهم إلى الملك المعز، مع مُقدَّمهم الأمير جمال الدين أيدغدي العزيزي (^٤)، لميلهم إلى المماليك البحرية؛ لأنهم أتراك مثلهم، ولكراهيتهم لشمس الدين لؤلؤ (^٥)، فكثر جمع المعزّ بهم.
وبلغ الأمير شمس الدين لؤلؤ هرب الناصر يوسف، وهو في جمع من العسكر، ولم يدر بهزيمة ميمنة عسكر الشام، فقال: ما يضرنا هذا بعد أن انتصرنا، وهو يعود إلينا إذا ملكنا البلاد (^٦).
وساق المعز يريد فلول عساكر الشَّام، فوقع على الأمير شمس الدين لؤلؤ، فحمل عليه (^٧)، فكسر شمس الدين لؤلؤ، وقبض عليه، وطرح بين يدي المعز أيبك (^٨)، فقال الأمير حسام الدين للمعز: لا تقتله لنأخذ به الشام. فقال فارس الدين أقطاي: هذا الذي يأخذ مصر بمئتي مُخنَّث (^٩)! فأمر المعز بضرب عنقه. فلم يتكلم شمس الدين بكلمة، ولا ذل ولا خضع، وبقي مطروحًا لا يرفع رأسه ولا يضطرب حتى أخذته السيوف وقُطِع (^١٠)، وتُرِكَ في العراء قبل أن يوارى (^١١). وأُتي بالصالح إسماعيل بن
_________________
(١) السلوك (ج ١/ ق ٢/ ٣٧٥).
(٢) مفرج الكروب (٦/ ١٦٠)، وينظر: «السلوك» (ج ١/ ق ٢/ ٣٧٦).
(٣) مرآة الزمان (٢٢/ ٤١٦).
(٤) مفرج الكروب (٦/ ١٦١).
(٥) مفرج الكروب (٦/ ١٥٨).
(٦) مفرج الكروب (٦/ ١٦٠).
(٧) السلوك (ج ١/ ق ٢/ ٣٧٥).
(٨) مفرج الكروب (٦/ ١٦٠).
(٩) مرآة الزمان (٢٢/ ٤١٤ - ٤١٥).
(١٠) مفرج الكروب (٦/ ١٦٠).
(١١) مرآة الزمان (٢٢/ ٤١٨).
[ ٢٥٣ ]
العادل، فأوقفه المعز إلى جانبه، وقال للأمير حسام الدين: ما تسلم على المولى الملك الصالح؟ فدنا منه حسام الدين، وسلم عليه (^١).
ولما بلغ العسكر الشامي المقيم بالعباسة هرب الناصر يوسف، ومقتل شمس الدين لؤلؤ، وأَسْر من أُسرَ من ملوك بني أيوب (^٢) - وكانوا لا يشكون أنهم انتصروا، وأن الناصر يوسف قادم عليهم ليسيروا في خدمته إلى القاهرة (^٣) - اختلفت آراؤهم فيما يعتمدونه (^٤)، فهمت طائفة منهم أن يسيروا إلى القاهرة، ويستولوا عليها، ومنهم من رأى الرُّجوع إلى الشَّام، ثم اتفقوا على الرجوع (^٥)، فرجعوا سائرين في الرمل أيامًا، وقد تمزقوا كل ممزق (^٦).
* * *
واستيقظت القاهرة صباح يوم الجمعة ١١ ذي القعدة/ ٤ شباط على أخبار هزيمة الملك المعز والمماليك البحرية، ووصل إليها من انهزم منهم، ووجوههم كاسفة، فمنهم من اختفى في أَزِقَّتها، ومنهم من هرب إلى الصعيد (^٧). فأيقن أهلها حينئذ أنَّ النَّاصر يوسف قد ملك الديار المصرية، ولم يشكوا في هروب المعز ومن معه (^٨). وكان المماليك قد أساؤوا إليهم، فنهبوا أثقالهم، وارتكبوا كل قبيح، على حد تعبير سبط ابن الجوزي (^٩).
وكان أمين الدولة أبو الحسن بن غزال السامري؛ وزير الصالح إسماعيل معتقلًا في جُبِّ قلعة الجبل مع جماعة من أمراء دمشق منذ أيام الصالح أيوب (^١٠)، فلما بلغهم انكسار المماليك خرجوا من الجب،
_________________
(١) مفرج الكروب (٦/ ١٦٠ - ١٦١)، والسلوك (ج ١/ ق ٢/ ٣٧٦).
(٢) مفرج الكروب (٦/ ١٦١).
(٣) السلوك (ج ١/ ق ٢/ ٣٧٦).
(٤) مفرج الكروب (٦/ ١٦١).
(٥) السلوك (ج ١/ ق ٢/ ٣٧٦).
(٦) مرآة الزمان (٢٢/ ٤١٥).
(٧) مفرج الكروب (٦/ ١٦٣).
(٨) مفرج الكروب (٦/ ١٦٣).
(٩) مرآة الزمان (٢٢/ ٤١٤)، والسلوك (ج ١/ ق ٢/ ٣٧٤).
(١٠) ينظر: (ص ٢٠٣) من هذا الكتاب.
[ ٢٥٤ ]
وأظهروا الفرح والاستبشار (^١).
وخُطب للناصر يوسف بقلعة الجبل، وكذلك بجامع عمرو بن العاص في الفسطاط، أما في القاهرة فلم يقم بجامعها خُطبة، وتوقفوا لتنكشف لهم حقيقة الأمر، وكان بالجامع الشيخ عز الدين بن عبد السلام، وهو يومئذ مدرس بالمدرسة الصالحية، فوقف على قدميه وخطب بجماعة لا يزيدون على أربعين رجلًا خُطبتين خفيفتين، لم يتعرض فيهما لأحد من الملوك، وصلى بهم صلاة الجمعة وباقي النَّاس صلوا الظهر أربعًا (^٢).
وما إن انقضت صلاة الجمعة حتى (^٣) بدأت تتوارد الأخبار بانتصار المعزّ والمماليك البحرية، وانهزام الناصر يوسف، فضربت البشائر. وقبض على الوزير أمين الدولة، ومن كان معه، وأعيدوا إلى الجُبِّ (^٤)، ونودي في آخر النهار في القاهرة والفسطاط بإظهار الزينة.
وأما الملك المعز ومن معه من المماليك البحرية، ومن انضم إليه من العزيزية، فقد توجه إلى القاهرة عن غير طريق العباسة، خوفًا من العسكر الشامي بها، ووصل إلى القاهرة بكرة السبت ١٢ ذي القعدة/ ٥ شباط (^٥)، فدخلها والأسرى بين يديه، والسناجق مقلبة والطبول مشققة إلى أن وصل إلى (^٦) بين القصرين، فلعبت المماليك على خيولهم بالرماح، وتطاردوا (^٧)، والمعز في الموكب، وإلى جانبه الأمير حسام الدين بن أبي علي، وقُدَّامه الصالح إسماعيل بن العادل، فعندما وصل إلى تُربة الصالح أيوب أحدق المماليك البحرية بالصالح إسماعيل (^٨)، وصاحوا: يا خوند، أين عينك ترى عدوك (^٩)؟
_________________
(١) السلوك (ج ١/ ق ٢/ ٣٧٦ - ٣٧٧).
(٢) مفرج الكروب (٦/ ١٦٣)، السلوك (ج ١/ ق ٢/ ٣٧٧).
(٣) السلوك (ج ١/ ق ٢/ ٣٧٧).
(٤) السلوك (ج ١/ ق ٢/ ٣٧٧).
(٥) مفرج الكروب (٦/ ١٦٣).
(٦) مرآة الزمان (٢٢/ ٤١٥).
(٧) مفرج الكروب (٦/ ١٦٣).
(٨) السلوك (ج ١/ ق ٢/ ٣٧٧ - ٣٧٨).
(٩) مرآة الزمان (٢٢/ ٤١٥).
[ ٢٥٥ ]
ثم ساروا إلى قلعة الجبل، فألقوا الأسرى الشاميين في الجُبّاب (^١)، وجمعوا بين الصالح إسماعيل وبين أولاده أيامًا (^٢)، ثم اعتقل في دار بها.
ولم يغفر المماليك البحرية لمن مال إلى الناصر يوسف من أهل الفسطاط، فمالوا عليهم قتلا لرجالهم، ونهبًا لأموالهم، وسبيًا لحريمهم، وبالغوا في الفساد، حتى لو أنَّ الفرنج ملكوا البلاد لما فعلوا فعلهم، على حد تعبير المقريزي (^٣).
ثم إنَّ المعز أمر بشنق أمين الدولة؛ وزير الصالح أيوب، لخروجه من محبسه، وتظاهره بالسرور، فعُلِّق على المشنقة بباب قلعة الجبل يوم الإثنين ١٤ ذي القعدة/ ٧ شباط (^٤). وظهر له بعد وفاته من الأموال والتحف والجوهر ما لا يوجد مثله إلا عند الخلفاء، ووجد له عشرة آلاف مجلدة، كلها بخطوط منسوبة، وكُتُب نفيسة (^٥).
وفي ليلة الأحد ٢٧ ذي القعدة/ ٢٠ شباط أخرج الصالح إسماعيل بن العادل من داره بالقلعة ليلا على ضوء المشعل إلى خارج القلعة، فخُنق، ودفن مكانه (^٦)، وله نحو خمسين سنة (^٧).
ثم أخرج المعز في ٢٨ ذي القعدة/ ٢١ شباط الأسرى من عساكر الناصر يوسف إلى دمشق، وتحقيرًا لهم لم يسمح لهم إلا بركوب الحمير هم وأتباعهم، وكانوا نحو ثلاثة آلاف (^٨).
* * *
_________________
(١) السلوك (ج ١/ ق ٢/ ٣٧٨).
(٢) مرآة الزمان (٢٢/ ٤١٥).
(٣) السلوك (ج ١/ ق ٢/ ٣٨٠).
(٤) مفرج الكروب (٦/ ١٦٦).
(٥) مرآة الزمان (٢٢/ ٤١٩)، والسلوك (ج ١/ ق ٢/ ٣٧٨).
(٦) مفرج الكروب (٦/ ١٦٦).
(٧) مولده سنة ٥٩٨ هـ/ ١٢٠١ م، وقد استقصيت مصادر ترجمته في تحقيقي لكتاب «المذيل على الروضتين» (٢/ ٩٨).
(٨) السلوك (ج ١/ ق ٢/ ٣٧٩).
[ ٢٥٦ ]
وكان النَّاصر يوسف قد وصل من غزة إلى دمشق (^١)، وتلاحق به أصحابه وعسكره، وقد أصابهم الضَّعْف والوَهَن، فأخذ في إصلاح جنده وتقوية عسكره (^٢).
وبدأت المراسلات بين النَّاصر يوسف والمماليك البحرية، وامتدت نحو سنتين (^٣)، حتى تقرر الصُّلْح أخيرًا بينهما في المحرم سنة ٦٥١ هـ/ آذار ١٢٥٣ م بسفارة نجم الدين البادرائي، وتم الاتفاق على أن يكون للمعز أيبك والمماليك البحرية ديار مصر وغزَّة وبيت المقدس ونابلس والسَّاحل كله إلى الأردن، وباقي البلاد الشامية تكون للناصر يوسف. وأن يُطلق المعز جميع من أسره من أصحابه (^٤). وعاد المعز أيبك وعسكره إلى القاهرة يوم الثلاثاء ٧ صفر سنة ٦٥١ هـ/ ٨ نيسان ١٢٥٣ م (^٥).
* * *
_________________
(١) مرآة الزمان (٢٢/ ٤١٩).
(٢) مفرج الكروب (٦/ ١٦٧).
(٣) السلوك (ج ١/ ق ٢/ ٣٨١).
(٤) مفرج الكروب (٦/ ١٧٥)، والسلوك (ج ١/ ق ٢/ ٣٨٥ - ٣٨٦).
(٥) السلوك (ج ١/ ق ٢/ ٣٨٦).
[ ٢٥٧ ]