-١ -
ومع حلول عام ٦١٤ هـ/ ١٢١٧ م، وهو عام انقضاء الهدنة مع الصليبيين (^٢)، بدأت سفنهم تصل إلى عكا فيما عُرف بالحملة الصليبية الخامسة، وكان هدفها الرئيس هو غزو مصر (^٣).
كان العادل في القاهرة (^٤)، ويبدو أنه فوجئ حقًا بوصول بعض القوات الصليبية إلى عكا، وهو المطمئن إلى معاودة تجديد الهدنة، كما جرت العادة دائما في كلِّ مرَّة، فجمع على عَجَلٍ بعض قواته، وأغذ بها السير نحو الشَّام، فوصل إلى الرملة، ثم منها إلى لد (^٥).
وبلغ الصليبيين وصوله، فخرجوا من عكا، قاصدين لمحاربته (^٦). فسار العادل نحوهم، مسابقًا الصَّليبيين للوصول إلى أطراف البلاد مما يلي عكا، ليحميها منهم (^٧)، فوصل إلى نابلس (^٨)، بيد أن الصليبيين كانوا أسرع
_________________
(١) كانت مملكة دمشق تمتد من جنوبي حمص، وحتى عريش مصر. ينظر: «مفرج الكروب» (٤/ ٢٠٩).
(٢) الحملة الصليبية الخامسة (١٤٠).
(٣) مفرج الكروب (٣/ ٢٥٤).
(٤) الكامل (١٢/ ٣٢١).
(٥) مفرج الكروب (٣/ ٢٥٤).
(٦) الحملة الصليبية الخامسة (١٦٩).
(٧) الكامل (١٢/ ٣٢١).
(٨) مفرج الكروب (٣/ ٢٥٤).
[ ٩٠ ]
منه فسبقوه، ونزلوا في عين جالوت (^١)، فانتقل إلى بَيْسان، وأقام فيها، وتقدم نحوه الصَّليبيّون (^٢).
فلما عاين العادل قُربهم منه، وقد هاله جمعهم، وهو في قلة من عسكره، آثر الانسحاب من بَيْسان (^٣)، فارتفع إلى عِجلون (^٤)، ووصل إلى الفُوار، ثم عبر نهر الأردن (^٥)، صاعدًا عقبة فيق، استعدادًا لمنع أي هجوم على دمشق (^٦)، ومضى ابنه المعظم عيسى، فنزل بين نابلس والقدس، على عقبة اللبن، خوفًا على القدس (^٧).
وكان أهل بَيْسان وما حولها من قرى قد اطمأنوا إلى نزول العادل بينهم، فلم يهربوا، فلما رحل العادل عنهم قصدهم الصَّليبيّون، وبذلوا فيهم السيف، ونهبوا البلاد والرَّساتيق، وأخذوا جميع غلاتها وحواصلها، وغَنِمُوا من المُسلمين ما لا يُحصى كثرة، ونهبوا ما بين بَيْسان وبانياس، وبثوا السَّرايا في القرى، ووصلت غاراتهم إلى خِسْفِين ونَوَى، وقرى من بلاد السَّواد (^٨)، والناس بين أيديهم جافلين.
وأرسل العادل إلى المبارز المعتمد؛ والي دمشق، بتحصينها، ونقل الغلات من داريا إلى القلعة، وتغريق أراضيها بالماء، فإن الفرنج مظهرون قصدها (^٩). ويبدو أن العادل كان يهيئ نفسه لدخولها، فسار حتى نزل على رأس الماء، وبعث أثقاله ونساءه إلى بُصرى (^١٠)، وأرسل خزانته إلى دمشق (^١١)، فلما شجعه المبارز المعتمد (^١٢)، أمر العادل بردها إليه، وتقدم،
_________________
(١) المذيل على الروضتين (١/ ٢٨٣).
(٢) الكامل (١٢/ ٣٢١).
(٣) الكامل (١٢/ ٣٢١)، والسلوك (ج ١/ ق ١/ ٢٢١).
(٤) مرآة الزمان (٢٢/ ٢١٧).
(٥) المذيل على الروضتين (١/ ٢٨٣).
(٦) مفرج الكروب (٣/ ٢٥٤).
(٧) مرآة الزمان (٢٢/ ٢١٧).
(٨) مفرج الكروب (٣/ ٢٥٤)، والكامل (١٢/ ٣٢١).
(٩) المذيل على الروضتين (١/ ٢٨٣).
(١٠) مرآة الزمان (٢٢/ ٢١٨).
(١١) المذيل على الروضتين (١/ ٢٨٣).
(١٢) سير أعلام النبلاء (٢٢/ ١١٩).
[ ٩١ ]
فنزل بمرج الصفر، وأرسل إلى ملوك الشرق يستحثهم ليقدموا عليه (^١).
ودب الخوف في دمشق، فغلتِ الأسعار، وعزم الناس على النزوح منها، وجَفَل أهل القرى من عقربا وحرستا وغيرهما، وكان للناس بجامع دمشق في أوقات الصلوات ضجيج وبكاء ودعاء (^٢).
وواصل الصليبيون غاراتهم، فنازلوا بانياس، وأقاموا عليها ثلاثة أيام، ثم عادوا إلى مرج عكا، ومعهم من الغنائم والسبي ما لا يُحصى، سوى ما قتلوا وأحرقوا وأهلكوا (^٣).
ولم تشتف نفوسهم من هذه الغارات؛ لأنها لم تحقق لهم نَصْرًا عسكريًّا (^٤)، بينما حصن الطور يهدّد عكا، فرأوا أن يعدُّوا حملة لمهاجمته (^٥).
وحين أتموا استعداداتهم، اتجهوا بقواتهم إلى حصن الطُّور، فنزلوا تحته يوم الأربعاء ١٨ شعبان ٦١٤ هـ/ ٢٠ تشرين الثاني ١٢١٧ م، ولم يبادروا بالهجوم عليه إلا يوم الأحد ٢ رمضان/ ٣ كانون الأول، مستغلين الضباب الكثيف في ذلك اليوم، فما أحس أهلُ الطُّور بالصَّليبيين إلا وهم عند باب الحصن، وقد ألصقوا رماحهم بالسُّور، ففتح المسلمون الباب، وخرج إليهم الفارس والراجل، وفي مقدّمتهم الأمير بدر الدين محمد بن أبي القاسم الهَكَّاري، فقاتلوهم حتى رموهم إلى أسفل الحصن (^٦)، وباء الصليبيون بالفشل.
فعاودوا بعد يومين مهاجمة الحصن، وصَعِدُوا إليه بأسرهم، ومعهم سُلَّم عظيم، فزحفوا من ناحية باب دمشق، وألصقوا السُّلَّم بالسُّور، فقاتلهم المسلمون قتالًا شديدًا، ودخلت رماح الصليبيين من مرامي الحصن من كل
_________________
(١) المذيل على الروضتين (١/ ٢٨٣)، والسلوك (ج ١/ ق ١/ ٢٢٢).
(٢) المذيل على الروضتين (١/ ٢٨٣).
(٣) مفرج الكروب (٣/ ٢٥٥).
(٤) تاريخ الحروب الصليبية (٣/ ٢٦٤).
(٥) الحملة الصليبية الخامسة (١٧٢).
(٦) مرآة الزمان (٢٢/ ٢١٨).
[ ٩٢ ]
ناحية، فضرب بعضُ الزَّرَّاقين السُّلم بالنِّفْط، فأحرقه، وقتل عنده جماعةً من أعيانهم، منهم أمير كبير، فلما رأوه مقتولًا سُقط في أيديهم، فصاحوا وبَكَوْا، وكسروا عليه رماحهم، وتوقفوا عن القتال، فأسرع المسلمون إلى إغلاق باب الحصن (^١).
وممن استشهد في ذلك اليوم الأمير بدر الدين محمد بن أبي القاسم الهَكَّاري (^٢)، والأمير سيف الدين بن المَرْزُبان، وهما من أكابر الأمراء، ولبدر الدين منزلة رفيعة عند المعظم عيسى، فقد كان يستشيره، ويصدر عن رأيه، ويثق به لصلاحه ودينه (^٣).
بعد مقتل هذين الأميرين، جَبُنَ بعض المسلمين عن القتال، وباتوا عشية الأربعاء يداوون جراحاتهم، ويتشاور أعيانهم فيما يفعلون، ثم انتهوا إلى الإصرار على مواصلة القتال حتى الموت، ولن يستسلموا، خوفًا أن يجري عليهم ما جرى على أهل عكا زمن صلاح الدين بعد استسلامهم للصليبيين (^٤).
واستشعر الصليبيون تصميم المسلمين على القتال، فآثروا الانسحاب، فأوقدوا النيران حول الحصن، تغطية لانسحابهم، وانكفؤوا إلى عكا سَحَر يوم الخميس ٦ رمضان/ ٧ كانون الأول (^٥)، بعد حصار دام سبعة عشر يومًا (^٦)، مصطحبين معهم بعض الأسرى من الأطفال، فعمدهم بطريق بيت المقدس وأُسْقُفُ عكا (^٧).
وبعيد انسحابهم أسرع المعظم عيسى إلى الحصن، فبكى على من قُتل، وأطلق المال والخلع، وطيب قلوبَ النَّاس (^٨).
_________________
(١) المصدر السالف.
(٢) مرآة الزمان (٢٢٦/ ٢٢).
(٣) مرآة الزمان (٢١٨/ ٢٢، ٢٢٦).
(٤) مرآة الزمان (٢١٨/ ٢٢)، وينظر: «كتاب الروضتين» (٢٦٨/ ٤ - ٢٧٠).
(٥) مرآة الزمان (٢١٩/ ٢٢).
(٦) الكامل (٣٢٢/ ١٢).
(٧) الحملة الصليبية الخامسة (١٧٣).
(٨) مرآة الزمان (٢١٩/ ٢٢).
[ ٩٣ ]
ويبلغ سبط ابن الجوزي نبأ استشهاد صديقه الأمير بدر الدين الهَكَّاري، فيتذكر تمنّيه الشهادة، وقوله دائمًا: «ما أحسنَ وَقْعَ سُيوف الكُفَّار على أنفي ووجهي». فيردِّدُ بحزن: «كان سَمْحًا لطيفا، دينا ورعًا، بارا بأهله وبالفقراء والمساكين، كثير الصدقات، دائم الصلات .. فاستجاب الله له دعاءه، ورزقه الشَّهادة» (^١).
وفي دمشق يلتقي سبط ابن الجوزي الشاعر أمين الدين عبد المحسن بن حمود الحلبي؛ كاتب صديقه الأمير عزّ الدين أيبك المعظمي، فيُسمعه أبياتا من نظمه يخاطب فيها الخليفة الناصر لدين الله، مستحثًا له على نُصرة المُسلمين في الشَّام، وإن لم يفعل فإنَّ الفرنج سيصلون قريبًا إلى بغداد، يقول له فيها:
قُلْ للخليفة لا زالت عساكره … لها إلى النَّصْرِ إصدار وإيراد
إنَّ الفرنج بحصن الطُّور قد نزلوا … لا تَغْفُلَنَّ فَحِصْنُ الطُّورِ بغداد (^٢)
* * *
بعد هذا الهجوم على حصن الطُّور يقبعُ الصليبيون في مرج عكا، ويقيم العادل في مرج الصُّفّر (^٣)، ظانًا أن الغارات الصليبية قد بلغت نهاياتها، ولربما كان ينتظر سفارة منهم لتجديد الهدنة، فالعلاقات التجارية التي توثقت معهم لن تدفعهم لنقض الصلح وتجديد الحرب (^٤).
وكم كانت مفاجأته كبيرة (^٥)، والأنباء تتلاحق عن قوات صليبية جديدة، بدأت تتوافد من الغرب على عكا ابتداءً من ٢٨ المحرم ٦١٥ هـ/ ٢٦ نسان ١٢١٨ م (^٦)، وتتجمع قربها في قلعة الحجاج (^٧)، ولم يكن يعرف
_________________
(١) مرآة الزمان (٢٢/ ٢٢٦).
(٢) مرآة الزمان (٢٢/ ٢١٨ - ٢١٩، ٣٩٢).
(٣) السلوك (ج ١/ ق ١/ ٢٢٢).
(٤) تاريخ الحروب الصليبية (٣/ ٢٦٨ - ٢٦٩).
(٥) حملة لويس التاسع على مصر (٤٥).
(٦) الحملة الصليبية الخامسة (١٨١).
(٧) الحملة الصليبية الخامسة (١٨٩).
[ ٩٤ ]
وجهتها (^١) حتى نمت إليه الأخبار بإبحارها نحو دمياط في ٢٦ صفر/ ٢٤ أيار، ووصلت طلائعها قُبالتها في ٢٩ صفر/ ٢٧ أيار (^٢)، حينئذ تحقق العادل أخيرًا أن الهدنة لن تتجدد، وأن الحرب قد وقعت، فسارع إلى إرسال عساكره إلى مصر (^٣)، وقد اشتد خوفه عليها (^٤). وأقام المعظم مرابطا في الساحل، خشية هجوم الصليبيين على الشام (^٥).
ولم يجرؤ الصَّليبيون على النزول إلى بر جيزة دمياط (^٦) حتى يوم الثلاثاء ٢ ربيع الأول ٦١٥ هـ/ ٢٩ أيار ١٢١٨ م (^٧)، وقد تم لهم ذلك دون عائق يُذكر (^٨).
وموقع دمياط أكسبها حصانة طبيعية، فهي شبه جزيرة، يحدها البحر الأبيض المتوسط شمالًا، ونهر النيل غربًا، وبحيرة تنيس شرقًا، ولا منفذ إليها إلا من الطريق الجنوبي (^٩)، إضافة إلى تحصيناتها العسكرية: برجين وسور وخندق.
والبرجان هما: برجُ السِّلْسِلة الذي يقع في وسط النيل، قريبًا من الضفة الغربية (^١٠)، وبرج آخر يقابله من أبراج دمياط (^١١)، تمتد بينهما سلسلة من الحديد تزن ما يعادل الآن (١١٥٧١) كيلو غرام تقريبا (^١٢)، وقد شُحن البرجان بالمقاتلين، وهذه السلسلة تمنع عبور السفن القادمة من البحر الأبيض المتوسط إلى النيل (^١٣)، فكان رجال البرجين يرخون السلسلة إذا
_________________
(١) تاريخ الحروب الصليبية (٣/ ٢٧٠)، والحملة الصليبية الخامسة (١٩٠ - ١٩١).
(٢) الحملة الصليبية الخامسة (١٩٠ - ١٨٩)، ومفرج الكروب (٣/ ٢٥٨).
(٣) مرآة الزمان (٢٢/ ٢٢٧)، ومفرج الكروب (٣/ ٢٦١).
(٤) خطط المقريزي (مج ١/ ٥٨٧).
(٥) مرآة الزمان (٢٢/ ٢٢٧).
(٦) تاريخ الحروب الصليبية (٣/ ٢٦٩).
(٧) السلوك (ج ١/ ق ١/ ٢٣٢)، والحملة الصليبية الخامسة (١٩٠).
(٨) الحملة الصليبية الخامسة (١٩١).
(٩) الحملة الصليبية الخامسة (١٨٦).
(١٠) الحملة الصليبية الخامسة (١٨٧).
(١١) السلوك (ج ١/ ق ١/ ٢٢٣).
(١٢) الحملة الصليبية الخامسة (١٨٧).
(١٣) السلوك (ج ١/ ق ١/ ٢٢٣).
[ ٩٥ ]
أرادوا للسفن أن تصعد في النيل، ويشدُّونها إذا أرادوا منعها من ذلك. ولأهمية برج السلسلة هذا في حماية مصر أُطلق عليه: قُفْل الديار المصرية (^١).
واختار الصَّليبيون جيزة دمياط موقعًا لنزولهم لحصانتها، فهي كذلك شبه جزيرة مثلثة، ضلعها الشمالي البحر الأبيض، وضلعها الشرقي نهر النيل، والضلع الثالث خليج قديم، يعرف باسم الخليج الأزرق (^٢).
وبعد أن اطمأن الصَّليبيون إلى رسوِّهم في هذا المكان المحصن، دون مقاومة تُذكر، تجمعوا، وامتطى فرسانهم الجياد، وساروا مدجَّجين بالسلاح، وإلى جانبهم سفنهم في النيل تسير بحذائهم، عازمين على العبور إلى الضّفّة الشرقية، حيث تقع مدينة دمياط، وساعدهم على ذلك اتساع مجرى النيل عند مدخل فرعها. وفي سيرهم فوجئوا ببرج السلسلة يقف عائقًا بينهم وبين العبور، فتعذَّر عليهم حصارها برا وبحرا (^٣)، فارتدوا إلى معسكرهم، وأحاطوه كعادتهم في حروبهم كلها، بخندق وسور، وشرعوا في إعداد الخطط وعمل الآلات للاستيلاء عليها (^٤).
- ٢ -
وكان الكامل محمد؛ نائب العادل في مصر قد أُخبر بنزولهم عن طريق حمام الزَّاجل، فأمر على الفور والي الغربية بجمع العربان. وخرج هو بمن معه من العساكر من القاهرة يوم الخميس ٥ ربيع الأول ٦١٥ هـ/ ١ حزيران ١٢١٨ م؛ أي: بعد ثلاثة أيام من نزولهم. وأبحر الأسطول الإسلامي، وأقام تحت دِمياط، ووصل الكامل إلى العادلية؛ جنوبيها، وأقام معسكره فيها (^٥)، ونشر جنوده منها إلى دمياط، كي يمنع الصليبيين من
_________________
(١) المذيل على الروضتين (١/ ٢٩٩).
(٢) الحملة الصليبية الخامسة (١٩١).
(٣) الحملة الصليبية الخامسة (١٩٢ - ١٩٣).
(٤) مفرج الكروب (٣/ ٢٥٩ - ٢٦٠).
(٥) السلوك (ج ١/ ق ١/ ٢٢٤)، وخطط المقريزي (مج ١/ ٥٨٦).
[ ٩٦ ]
العبور إلى الضّفّة الشرقية (^١)، وليحول بينهم وبين برج السلسلة (^٢). وصار يركب في كل يومٍ عِدَّة مرات ما بين العادلية ودمياط لتدبير أمورها، وإعداد الخُطط للدفاع عنها (^٣).
والعادل في مرج الصُّفّر يواصل إرسال العساكر إلى ابنه الكامل أولا بأول، حتى لم يبق عنده من العسكر إلا القليل (^٤).
وأتم الصليبيون استعداداتهم لمهاجمة دمياط، بعد نزولهم على جيزتها بنحو أربع وعشرين يوما، فاستقلُّوا يوم الجمعة ٢٦ ربيع الأول ٦١٥ هـ/ ٢٢ حزيران ١٢١٨ م (^٥)، ما يقرب من ثمانين سفينة، مزودة بستائر من الخشب لحمايتها من رماة المسلمين، وشنوا هجومًا من ناحيتها الشرقية، بينما كانت قذائف منجنيقاتهم من الضفة الغربية تنهال عليها، محدثة الدمار، وموقعة جرحى في عدد كبير من سكانها، وتمكنت سفنهم من الاقتراب من أسوارها.
وبرغم ما أثاره هذا الهجوم الكبير من رُعْب في القلوب، فقد استبسل المسلمون في الدفاع عن مدينتهم، وكان الكامل يختلف إليها، لترتيب أمورها، وتشجيع أهلها.
وإزاء هذا الصمود عَجَزَ الصَّليبيون عن تسلق أسوارها، فعادوا أدراجهم إلى معسكرهم، بينما ظلت قذائفهم تتساقط عليها.
وبما أن السلسلة هي العقبة الكأداء التي تحول دون تقدم سفنهم نحو دمياط، فقد عَمَدَ أحد فرسان الداوية إلى إحدى السُّفن، فزودها بأربعين فارسا منهم، مع رجال مسلحين آخرين، فبلغوا نحو ثلاث مئة، واتجه بها نحو السلسلة، وكانت خُطَّته ترمي إلى الاصطدام بها وتحطيمها، حتى إذا قاربت الوصول إليها، انهالت عليهم قذائف الحجارة والنبال من حامية برج
_________________
(١) مفرج الكروب (٣/ ٢٦٠).
(٢) الحملة الصليبية الخامسة (١٩٤).
(٣) السلوك (ج ١/ ق ١/ ٢٢٤).
(٤) مفرج الكروب (٣/ ٢٦١).
(٥) الحملة الصليبية الخامسة (١٩٧).
[ ٩٧ ]
السلسلة، فحاولوا التراجع عنها بسرعة، بيد أنَّ شِدَّة القذف وما أصابهم من رعب أذهلهم، فساقوا السفينة خطأ نحو الضّفة الشرقية تجاه دمياط، وفي آخر لحظة تداركوا الأمر، واستطاعوا الابتعاد عن أسوارها. ولم يدعهم المسلمون ينجون، وقد رأوا ذُعْرهم واضطرابهم، فاستقلُّوا سُفنهم على الفور، وانقضوا على سفينة الداوية، وأدرك الداوية أنهم غارقون لا محالة، فثقبوا سفينتهم وأغرقوها، وغرقوا معها (^١).
وعاود الصليبيون بعد نحو أسبوع هجومهم للاستيلاء على دمياط وبرج السلسلة، وقام بعضُ فرسان الاسبتارية بمحاولة التسلق على أسوارها، مستخدمين سلالم متحركة أقيمت على السفن، بيد أنها تكسرت تحت ثِقَلِ قواتهم المهاجمة، وغرق كثير منهم، وباءت محاولتهم هذه بالفشل.
وكانت بعض قواتهم، في الوقت عينه، يشنون هجومًا على برج السلسلة، وكذلك تراجعوا تحت وابل من القذائف التي صبها عليهم رجال البرج (^٢).
وبرغم خسائرهم، فقد أعدُّوا بعد أيام هجومًا آخر على دمياط والبرج معًا، مولين البرج في مرتهم هذه اهتمامًا أكبر.
فزودوا أربع بطسات ببعض الأبراج الصغيرة، وفوق هذه الأبراج ثبتوا السلالم المتحركة، لمنح الأبراج مزيدًا من الارتفاع يمكنهم من الوصول إلى حامية برج السلسلة، وأخفيت هذه السلالم، كيلا ترى، بقطع من القماش (^٣).
واتجهت يوم السبت ٤ ربيع الأول ٦١٥ هـ/ ٣٠ حزيران ١٢١٨ م (^٤)، ثلاث من هذه البطسات نحو برج السلسلة، بينما اتجهت الرابعة لمهاجمة دمياط.
_________________
(١) الحملة الصليبية الخامسة (١٩٨).
(٢) الحملة الصليبية الخامسة (١٩٩).
(٣) الحملة الصليبية الخامسة (٢٠٠).
(٤) تاريخ الحروب الصليبية (٣/ ٢٧١).
[ ٩٨ ]
وبعد جهد كبير استطاع الصَّليبيون الرُّسُوَّ أمام برج السلسلة، وحاولوا إسناد أحد السلالم إلى جواره، وكذلك تمكنوا من الوصول إلى أسوار دمياط، بيد أن هاتين المحاولتين باءتا بالفشل مرة أخرى، لبسالة المدافعين، فقد انهالت القذائف على الصليبيين من البرج والمدينة معًا، فاضطروا إلى التراجع، والغيظ يأكلُ أكبادهم، كما تكسرت السَّلالم على الأبراج تحت ثِقَل جنودهم المدججين بالدروع، فسقطوا في النهر، وغرق عدد كبير منهم. وابتهج المسلمون بهذا النصر، ودقت طبولهم فرحا في دمياط والقاهرة، كما زُينت الشَّوارع (^١)، لقد نجحوا في صد أول هجوم قوي على المدينة والبرج معا (^٢).
- ٣ -
بعد الفشل الذريع في الاستيلاء على برج السلسلة، فكر الصليبيون في طريقة مبتكرة جديدة، وهي وضع بطستين جنبًا إلى جنب، وربطهما معًا بعروق من الخشب، فتصبحان قطعة واحدة، ثم إقامة أربع صوار خشبية، يشيد في أعلاها برج خشبي، تضاف إليه الستائر الخشبية لحمايته، ويوضع عليه سُلَّمٌ متحرك، ينخفض ويرتفع بعجلة من المعدن.
ونفذت هذه الفكرة، وأصبحت البطستان كالقلعة العائمة، ثم غلفوهما بالنُّحاس الأحمر وجلود الحيوانات كيلا تؤثر فيها النار، ونصبوا منجنيقا مثبتًا فوق البرج.
بهذه القلعة العائمة استعدَّ الصَّليبيون مرة أخرى لمهاجمة برج السلسلة (^٣)، وأبحروا بها يوم الخميس ٢٨ جمادى الأولى ٦١٥ هـ/ ٢٣ آب ١٢١٨ م، وتمكنوا من الرُّسو إلى الجانب الشمالي الشرقي منه، ومن إسناد السُّلَّم المتحرك إلى جداره (^٤).
_________________
(١) الحملة الصليبية الخامسة (٢٠٠ - ٢٠١).
(٢) تاريخ الحروب الصليبية (٣/ ٢٧١).
(٣) الحملة الصليبية الخامسة (٢٠١).
(٤) الحملة الصليبية الخامسة (٢٠٢).
[ ٩٩ ]
واندلعت المعركة في الساعة الثالثة من بعد ظهر ذلك اليوم، بين الصليبيين المهاجمين والمدافعين عن البرج، وهم نحو ثلاث مئة مقاتل، وكان القتال وجها لوجه، واستطاع المسلمون إشعال النار في هذه القلعة العائمة، وفي السُّلَّم المتحرّك، وتمكّن الصَّليبيون بعد جهود متواصلة من إخمادها، ومعاودة الهجوم بضراوة أشد تحت غطاء كثيف من الدخان لحجب الرؤية (^١). وتقدمهم في هذه المرّة أحد الفرسان التيوتون الألمان، فصَعِدَ إلى أعلى السُّلَّم المتحرك، ممسكًا بيده مِقْلاعًا يلوّح به من عصا مكسوة بالحديد، ومثبت في طرفها سلسلة من الحديد، تنتهي بكرة من الحديد ذات أسنان بارزة، فلم يجرؤ أحدٌ من المدافعين على مهاجمته، وأفسح له جُنْديان صليبيان، يطعنان الرّجال المواجهين لهما بالرماح، الطريق إلى برج السلسلة، فتمكّن هذا الفارس من الوصول إلى الطابق الرئيس للبرج، وتتابع بعده الصَّليبيون، والتحم المدافعون بهم، واستمروا في القتال حتى لم يبق منهم سوى مئة رجل (^٢)، فأُسِرَ بعضُهم، وألقى بعضهم نفسه في نهر النيل، ونجح في الوصول سباحة إلى بر دمياط (^٣)، ورفع علم الصليبيين على برج السلسلة في يوم الجمعة ٢٩ جمادى الأولى ٦١٥ هـ/ ٢٤ آب ١٢١٨ م (^٤).
وهكذا لم ينقض على بدء الهجوم أربع وعشرون ساعة حتى استطاع الصليبيون الاستيلاء على البُرْج، منهين بذلك حصارًا له دام نحو ثلاثة أشهر.
وتسكت المصادر الإسلامية عن الخوض في تفاصيل هذا الحدث الجَلَل (^٥)، وتكتفي بالقول في عبارة مقتضبة: وفي آخر جمادى الأولى أخذ
_________________
(١) الحملة الصليبية الخامسة (٢٠٢ - ٢٠٣).
(٢) تاريخ الحروب الصليبية (٣/ ٢٧١).
(٣) الحملة الصليبية الخامسة (٢٠٣).
(٤) تاريخ الحروب الصليبية (٣/ ٢٧١)، والحملة الصليبية الخامسة (٢٠٣).
(٥) الحملة الصليبية الخامسة (٢٠٤).
[ ١٠٠ ]
الفرنج برج السلسلة (^١).
* * *
ويسارع الكامل بإرسال شيخ الشيوخ صدر الدين محمد بن عمر ابن حمويه إلى أبيه العادل في مرج الصُّفّر، حاملا إليه نبأ سقوط برج السلسلة، فيتأوه العادل تأوها شديدًا لدى سماعه هذا النبأ، ويدق بيده على صدره أسفًا وحُزْنًا، ويقع مريضًا، ويرحل إلى عالقين (^٢)، حيث يموتُ يوم الجمعة ٧ جمادى الآخرة ٦١٥ هـ/ ٣١ آب ١٢١٨ م (^٣)، عن ست وسبعين سنة (^٤)، وليس عنده أحد من أولاده، فيكتم موته كريمُ الدِّين الخلاطي؛ وهو أخص أصحابه، ويأمر الأطباء بملازمته ليظنَّ النَّاس أنه ما زال على قيد الحياة، ويبعث إلى المعظم بنابلس يحثه على القدوم سريعًا (^٥).
ويصل المعظم إلى عالقين يوم السبت، فيحتاط على الخزائن، ويصبر العادل (^٦)، ويتفق مع كريم الدِّين على كتمان موته، ويُظهران أنَّ السُّلطان العادل عازم على الرحيل إلى دمشق (^٧) للتداوي (^٨).
ويُحمل العادل في مِحَفَّة، قد رُفع طرف سجافها، ويجلس خادم إلى جواره يروح عليه (^٩)، والأطباء حولها (^١٠)، ويدخلون به دمشق يوم الأحد، فيصطف الناس في الطريق يُسلِّمُون على الخادم، والخادم يومئ إلى ناحية العادل إشارة إلى ردّه السلام، حتى يصلوا به إلى القلعة (^١١)، وهناك يُغسل
_________________
(١) مرآة الزمان (٢٢/ ٢٢٨)، والمذيل على الروضتين (١/ ٢٩٨).
(٢) السلوك (ج ١/ ق ١/ ٢٢٥).
(٣) مرآة الزمان (٢٢/ ٢٣١)، ومفرج الكروب (٣/ ٢٧٠)، والسلوك (ج ١/ ق ١/ ٢٢٥).
(٤) ولد العادل سيف الدين أبو بكر محمد بن أيوب سنة ٥٣٩ هـ/ ١١٤٤ م. ينظر: «مرآة الزمان» (٢٢/ ٢٣٠)، والمذيل على الروضتين (١/ ٣٠٣).
(٥) مفرج الكروب (٣/ ٢٧٥).
(٦) مرآة الزمان (٢٢/ ٢٣٢).
(٧) مفرج الكروب (٣/ ٢٧٥).
(٨) السلوك (ج ١/ ق ١/ ٢٢٥).
(٩) مرآة الزمان (٢٢/ ٢٣٢).
(١٠) مفرج الكروب (٣/ ٢٧٥).
(١١) مرآة الزمان (٢٢/ ٢٣٢).
[ ١٠١ ]
ويكفن، ويُدفن فيها سرًا (^١).
ويبالغ المعظم في كتمان موت أبيه، حتى يُخفيه عن أعز أصدقائه سبط ابن الجوزي، وكان جالسًا إلى جانبه في القلعة عند باب الدار التي فيها الإيوان، والمعظم واجمٌ لا يتكلم، فلما تم دفن العادل نهض المعظم، وشق ثيابه، ولطم رأسه ووجهه، حينئذ علم السبط بوفاته (^٢).
ويُحضر المعظم وكريمُ الدين أكابر الدولة والأمراء، فيحلفون للعادل وللمعظم معا، حتى إذا أتم المعظم ما أراد أظهر موت أبيه (^٣)، وكتب لإخوته بوفاته (^٤).
وتختبط دمشق لدى شيوع هذا النبأ، ويضطر المعظم إلى تسكين الناس، فينادي المنادون في الحارات: ترحموا على السلطان العادل، وادعوا لسلطانكم الملك المعظم، أبقاه الله. ويبكي الناس حزنًا لوفاته (^٥). ويقام له العزاء ثلاثة أيام بالإيوان الشمالي للقلعة.
ويرى سبط ابن الجوزي شدة حزن صديقه المعظم، فيقوم ويتكلم في أول أيام العزاء، محاولا أن يخفف مصابه الأليم بفقد والده. ويتكلم في ذلك اليوم كذلك (^٦) الواعظ ناصح الدين عبد الرحمن بن نجم (^٧) ابن الحنبلي - وكان يُسامي سبط ابن الجوزي في الوعظ (^٨) - فيعاتبه المعظم،
_________________
(١) مفرج الكروب (٣/ ٢٧٦). وبقي العادل مدفونا في قلعة دمشق نحو أربع سنوات، حتى أتم ابنه المعظم عيسى بناء المدرسة العادلية الكبرى سنة ٦١٩ هـ/ ١٢٢٢ م، وهي في باب البريد، مقابل المدرسة الظاهرية، شمالي غرب الجامع الأموي، فنقل العادل إليها، ودفنه في تربتها. وكان العادل قد شرع في عمارتها سنة ٦١٢ هـ/ ١٢١٥ م. ينظر كتابي: «أبو شامة مؤرخ دمشق في عصر الأيوبيين» (٤٥ - ٤٦)، و«منادمة الأطلال» (١٢٣ - ١٢٦).
(٢) مرآة الزمان (٢٢/ ٢٣٢).
(٣) مفرج الكروب (٣/ ٢٧٦).
(٤) السلوك (ج ١/ ق ١/ ٢٣٠).
(٥) السلوك (ج ١/ ق ١/ ٢٢٦).
(٦) مرآة الزمان (٢٢/ ٢٣٢).
(٧) مرآة الزمان (٢٢/ ٣٤١)، والمذيل على الروضتين (٢/ ٣٦).
(٨) ترجم له الإمام الذهبي، وذكر بأنه برع في الوعظ، وكان حلو الإيراد، وله قبول.
[ ١٠٢ ]
قائلا له: سبحان الله، أنتَ صاحب العزاء، أيش كان حاجة إلى كلامك مع ابن الحنبلي! فيجيبه السبط: لا بُدَّ من الكلام. فيقول المعظم: إذا كان ولا بُدَّ فليكن في اليوم الثالث، ولا يتكلم معك أحد. وهكذا كان.
وفي ذلك اليوم يفوض إليه المعظم تربة بدر الدين حسن (^١)، على نهر ثورا عند جسر كحيل في طريق جبل قاسيون (^٢)، ويكتب له بها منشورا (^٣)، فتصير مذ ذاك اليوم مسكنا له (^٤).
وكان أبو شامة من بعد، وهو في طريقه إلى الصالحية، يمر بالتربة البدرية، فيراه جالسًا في شباكها، أو في الصُّفَّة الخارجة في النهر، ومعه كتاب يطالع فيه أو ينسخ منه (^٥).
_________________
(١) = زائد، ومن تأليفه «تاريخ الوُّعاظ». ينظر: «سير أعلام النبلاء» (٢٣/ ٦ - ٧)، و(ص ١٤٥) من هذا الكتاب.
(٢) مرآة الزمان (٢٢/ ٢٣٢). وبدر الدين حسن هو أحد أولاد الداية الخمسة، وهم: سابق الدين عثمان، وشمس الدين علي، وبهاء الدين عمر، وأكبرهم مجد الدين أبو بكر، وهو رضيع السلطان نور الدين محمود بن زنكي، وتربى معه. وقد غدا هؤلاء الإخوة من كبار أمرائه. ينظر: «كتاب الروضتين» (٢/ ٤٥، ٣٢٧)، و«المذيل على الروضتين» (١/ ٣٠٧). ووهم العلامة الشيخ عبد القادر بن بدران في نسبتها إلى بدر الدين لؤلؤ؛ صاحب الموصل. ينظر: «منادمة الأطلال» (١٥٢ - ١٥٣).
(٣) المذيل على الروضتين (١/ ٣٠٧). وموقعها الآن شرقي الجسر الأبيض، في ساحة حطين، وهي ما يعرف عند الناس بدوار الميسات، وما زال ذاك الجسر قائما.
(٤) مرآة الزمان (٢٢/ ٢٣٢).
(٥) المذيل على الروضتين (١/ ٣٠٧). وذكر الدكتور صلاح الدين المنجد في كتابه «خطط دمشق» (٧٢): أن أبا شامة سكن فيها كذلك. وهو وهم منه، فلم يسكن أبو شامة من المدارس إلا المدرسة العادلية الكبرى. ينظر كتابي: «أبو شامة مؤرخ دمشق في عصر الأيوبيين» (٣٨، ٤٧، ١٨٧).
(٦) المذيل على الروضتين (١/ ٣٠٧)، وكتابي «أبو شامة مؤرخ دمشق في عصر الأيوبيين» (٣٨).
[ ١٠٣ ]